عام

عيناك ملاذى سارة علي ج١

بسم الله الرحمن الرحيم

الفصل الأول
كانت تسير بخطوات سريعة على رصيف أحد الشواشرع العامة بينما الأمطار فوقها تتساقط بغزارة …
ركضت بلهفة بإتجاه إحدى العمارات السكنية وهي تفكر بأن الأمطار لن تبللها أكثر فهي لا تمتلك مظلة تقيها مياه الأمطار الغزيرة كونها ببساطة لا تملك ثمنها … تنفست الصعداء أخيرا وهي تحتمي بسقف البناية العالي ، ربتت على خصلات شعرها المبللة تعدلها قليلا فقد تبعثرت بسبب المياه ثم سارت نحو المصعد لتتجه الى الشقة المنشودة …
وصلت أخيرا الى الشقة لتضغط على جرس الباب عدة مرات دون رد … شعرت بالإحباط فهذه بداية غير مبشرة إطلاقا …
ظلت واقفة لأكثر

من نصف ساعة تطرق الباب مرة وترن الجرس مرة أخرى دون رد ، قررت أن ترحل أخيرا فيبدو أنه لا أحد ينتظرها في الداخل … ما إن تحركت من أمام الباب حتى سمعت صوتها يفتح فإستدارت بلهفة الى الخلف لتتفاجئ بشاب يقف أمامها يردي بنطال برمودا جذعه العلوي عاري تماما …
أخفضت بصرها في الحال بينما تثائب الشاب بنعاس ثم قال لها :
” انتِ مين …؟! وعايزة ايه ..؟!”
حمحمت بخجل قبل أن ترفع وجهها الذي أصبح أحمرا نحوه وهتفت بخفوت :
” أنا الخدامة الجديدة …”
قال بتذكر :

” آه انتِ جيتي … طب ادخلي يلا …”
فسح لها المجال لتدخل ، ولجت هي الى الداخل بخطوات مترددة قبل أن تسمع صوت إغلاق الباب يتبعه اقتراب الشاب منها وهو يقول بنبرة أمرة :
” عايزك تنظفي الشقة كلها ، بس قبلها اعمليلي فطار ….”
أومأت برأسها دون أن ترد ليكمل :
” عايز أومليت البيض بالجبنة … تعرفي تعمليه يا ….”
ثم سألها :
” صحيح إسمك إيه …..؟!”
” تالا … اسمي تالا …”
هز رأسه وقال بجدية :

” هتعرفي تعملي الأومليت يا تالا ولا أعمله أنا …؟!”
أجابته بسرعة :
” أعرف طبعا …”
” هايل … يبقى خشي اعمليه بسرعة عشان أنا جعان … المطبخ على إيدك الشمال …”
اتجهت تالا بسرعة الى المطبخ بينما جلس الشاب على الكنبة بعدما فتح التفاز وأخذ يقلب في قنواته بملل ….
رن هاتفه فحمله ليجد والدته تتصل به فزفر أنفاسه بضيق وهو يضغط على زر الإجابة ليأتيه صوتها المتذمر :
” كرم … أنت فين وليه مبتردش عليا …؟!”
أجابها بملل من تساؤلاتها وتدخلها في كل شيء :

” انا عند أمير … وكنت نايم وحاطط التليفون سايلنت …”
قالت مرة أخرى ببرود :
” وبتعمل إيه عند أخوك …؟! عايز تعيش هناك أنت كمان …؟! مش كفاية عليا انوا سابلي البيت وراح …عايز تسيبهولي انت كمان …؟!”
نظر الى الأعلى بنفاذ صبر قبل أن يقول ردا على كلامها :
” اطمني مش هسيبك … انا بس قلت اقعد كم يوم معاه … اسليه بيهم …”
” ارجع بسرعة يا كرم … وحاول تقنعه يرجع معاك … ”
رد كرم بجدية :

انتِ عارفة انوا صعب يرجع معايا ، فملوش لزمة تطلبي مني شيء مستحيل زي ده ..”
قالت الأم برقة مصطنعة :
” معلش حاول معاه … عشان خاطري … نفسي أشوف ولادي حواليا قبل ما أمــ . ــوت ..”
” ايه الجو القديم ده ..؟! ومين دي اللي تمــ . ــوت …؟! ده انتِ صحتك أحسن من صحتي أنا شخصيا …”
قالها بتهكم لترد بعصبية :

” خليكوا كده ، فاكرين إني كويسة وسعيدة لحد متخسروني ، ساعتها بس هتحسوا بقيمتي …”
” طيب … عايزة حاجة تانية مني ، عشان هروح افطر …”
أجابته :
” لا خلاص قلت اللي عندي …. بس خد بالك من نفسك …سلام يا حبيبي …”
” سلام …”
قالها وأغلق الهاتف ثم رماه على الكنبه بجانبه ، نهض من مكانه متجها الى المطبخ ليجد تالة قد أعدت الأومليت ووضعته في أحد المواعين ليقترب منها ويقول :
” عملتيه بالسرعة دي …؟!”
أومأت برأسها وهي تجيبه :

” هو سهل اصلا ومش بياخذ وقت …”
ابتسم لها وقال :
” ميرسي يا تالا … ”
تنحنت تالا قائلة بأحراج :
” العفو…”
ثم إتجهت خارج المطبخ لتبدأ بتنظيف الشقة ..
……………………………………………………… في مكان أخر وتحديدا في شركة صغيرة بعض الشيء نجد شابة جميلة ذات قوام ممشوق تقف أمام مديرها تدون في دفترها ما يلقيه على مسامعها …
توقف مديرها أخيرا عما يقوله لتهتف متسائلة :
” فيه حاجة تانية تحب أكتبها يا أمير بيه …؟!”
أجابها أمير وهو يقلب في أحد الملفات :

” لا كده تمام … رتبي الكلام ده وابعتي النهاردة ليهم …”
” حاضر …”
قالتها وهي تتجه خارج غرفة مكتبه لينظر أمير الى الباب الذي أغلقته ثم يغلق الملف الذي كان يقلب فيه ويتراجع الى الخلف مستندا بجسده على ظهر الكرسي مغمضا عينيه لثواني …
ما إن أغمض عينيه حتى ظهرت صورتها أمامه ، صورتها التي إعتاد أن يراها في أحلامه قبل واقعه ، صورتها التي احتفظ بها في قلبه وعقله عن ظهر قلب …

فتح عينيه أخيرا كمن مسه شيء وهو يحاول أن يبعد صورتها عنه ، فهو لا يريد أن يتذكرها على الأقل الأن …
فذكراها تعني ضعفه وهو بحاجة لأن يكون قويا…قويا للغاية …
عند هذه النقطة شعر بحقد كبير على والديه اللذان تسببا له بكل هذا الوجع والحيرة …
لو لم يفعلا ما فعلاه لكان الأن شخصا ثانيا ، سعيد وقوي بما فيه الكفاية …
نهض من فوق كرسيه وسار بخطوات رتيبه نحو النافذة التي تطل على الحديقة الخارجية ذات التصميم الهندسي الراقي ..

ثلاث أعوام مرت على انفصاله التام عن والديه بل عن عائلته بأكملها …
ثلاث اعوام لم يتجرأ أحدًا منهم ويتحدث معه او يقترب منه …
ثلاث أعوام مرت على تركه لهم وبنائه لمستقبله بعيدا عنهم …
ثلاث أعوام لم ينسَ بها ربى التي ما زالت تسيطر على قلبه وعقله ، وكأنها تأبى أن تتركهما ولو لثانيه واحدة خوفا من أن يعتادا على نسيانها …
أفاق من أفكاره المظلــ . ــمة على صوت باب مكتبه يفتح يتبعه دخول صديقه المقرب فراس الى الداخل ..
اقترب فراس منه وغمغم بلهجة هادئة :
” صباح الخير …”.

التفت أمير نحوه رادا عليه :
” صباح النور … كنت فين …؟!”
أجابه فراس وهو يجلس على أحد الكراسي الموضوعة على جانب مكتبه :
” كنت بجهز لسفرية بكرة …”
” يعني نويت خلاص …؟!”
قالها أمير وهو يتجه نحو مكتبه ليجلس على كرسيه فيومأ فراس برأسه ويقول :
” كلها أسبوعين أغير فيهم جو … متيجي معايا …؟!”
قال أمير بإقتضاب :
” مليش نفس …”
أومأ فراس برأسه متفهما وقد إعتاد على برود صديقه ليقول محاولا تغير الأجواء قليلا :
” أخبار كرم إيه ….؟!

لسه بايت عندك ..؟!”
تذكر أمير أخيه كرم أخيرا والذي يحاول أن يفرض نفسه عليه مرارا ويخرجه من عزلته ليومأ برأسه ويقول مجيبا على سؤال فراس :
” للأسف لسه …”
تنهد فراس وقال بجدية :
” كرم ملوش علاقة بأخطاء أهلك … متحملهوش ذنب حاجة معملهاش …”
” ومين قالك إني بحمله الذنب …؟! انا بس مش عارف أتأقلم معاه … انت عارفه انوا طبعه غير طبعي … انا بحب الهدوء وهو بيحب الزيطة …”
ابتسم فراس وقال مؤكدا كلامه :
” فدي معاك حق ….”
ثم نهض من مكانه وقال :

” اروح انا بقى … يادوب الحق أودع عيلتي قبل السفر … عايز حاجة من هناك ….؟!”
” ربنا معاك … تروح وترجع بالسلامه …”
أشار فراس له مودعا ثم خرج وتركه لوحده ليغرق في دوامة أفكاره من جديد …
……………………………………………………..

كانت تقوم بعملها على أبلغ وجه ، تنظف غرفة تليها الأخرى بإجتهاد …
انتهت من تنظيف جميع الغرف ولم يتبق سوى صالة الجلوس والمطبخ …
توجهت نحو صالة الجلوس لتجد كرم جالسا يتابع أحد الأفلام الأجنبية وبيده زجاجة خمرة …
أبعدت بصرها عنه بسرعة وهي تستغفر ربها قبل أن تبدأ بعملية التنظيف …
أخذ كرم يتابعها بتمعن متأملًا جسدها النحيل للغاية والذي يشبه جسد فتاة لم تتعد المرحلة الإعدادية ، وجهها الشاحب للغاية والذي تبرز عظامه بوضوح ، بالتأكيد هي تعاني من سوء التغذية …
راقبها رغما عنه ولم يخفَ عنه جمالها الهادئ ببشرتها البيضاء وشعرها

لبني الحريري وعينيها البنيتين…
تناول ما تبقى من زجاجة الخمرة على دفعة واحدة وقد شعر برغبة كبيرة بإكتشاف ما تخبئه تلك النحيلة داخل ثوبها البالي …
وقفت تالا أمام الطاولة الموضوعة في احد أركان الصالة تنظف احدى الفازات الثمنية حينما شعرت بأحدهم يحملها بين ذراعيه …
صرخت بأعلى صوتها وهي تهز قدميها للأمام والخلف ليهتف كرم بها بينما يده تضغط على فمها :
” هش اخرسي … هتفضحينا ….”
ثم ركض بها نحو غرفة نومه ورماها على السرير لتقفز من فوقه فورا وتسير بخطوات متراجعة نحو الحائط خلفها وترجوه بصوتها الذي خرج مرتعش :

” ارجوك سيبني …متقربش مني ..”
أشار لها بصوت منخفض :
” يا بنتي اهدي ، مش هأذيكي والله …”
أدمعت عيناها بقوة وهي تردد :
” انا عايزة أروح … سيبني أروح من فضلك …”
إلا أنه لم يبال بما قالته حيث قال بلهجة خافتة :
” تؤ … مقدرش أسيبك… ”
ثم أردف بوداعة :
” انتي اسمعي الكلام ونفذي اللي هقولهولك وانا هديكي المبلغ اللي تعوزيه … مش أحسن من الخدامة فالبيوت …”
هزت رأسها نفيا وقالت ببكاء :

” لا أنا بحب الخدمة فالبيوت ….”
زفر أنفاسه بقوة وملل ثم ما لبث أن انقض عليها محيطا جسدها بذراعيه محاولا السيطرة على صراخها ومحاولاتها لدفعه …
في نفس الوقت دلف أمير الى الشقة ليتفاجئ بأصوات بكاء وصراخ تأتي من غرفة كرم فسارع بالذهاب الى هناك وولج الى الداخل ليجد كرم أمامه وهو يحاول الإعتداء على الفتاة …
انطلق بسرعة نحويهما وأبعد كرم عن الفتاة ولكمه على وجهه بقوة بينما قفزت تالا من فوق السرير وتراجعت الى الخلف قبل أن تنهار باكية …
عاد أمير وضــ .

ـرب كرم على وجهه بقوة ليسقط الأخير أرضا بينما لم تستطع تالا أن تتحمل ما يحدث أكثر ففقدت وعيها تماما تحت أنظار أمير المصدومة …
اتجه أمير نحوها وحملها ثم وضعها على السرير ، عاد ببصره نحو أخيه ليجده يحاول النهوض من فوق الأرض وأنامله تمسح الدماء التي تنزف من فمه …

توجه أمير نحوه مرة أخرى وهو يقول بلهجة متحفزة :
” عايز #… ؟!! #الخدامة …؟!”
هدر به عاليا ليرتجف جسد الواقف أمامه بينما لسانه يقول بترجي :
” والله لا … انا كنت بلاغيها عشان أجيب قرارها لأحسن تغرر بيك…”
قبـ . ــض عليه من ياقة قميصه بقوة وهتف بنبرة عصبية :
” تغرر بمين يلا .. انت نسيت أنا مين …؟! ”
حاول أن يتحدث ويبرر لكنه قاطعه بحزم:

انت تخرس خالص … حسابك معايا بعدين … بس العيب مش عليك … العيب عاللي معرفوش يربوك ..”
” انا مش متربي … انا عارف .. بس كفاية لحد كدة ..”
قالها كرم بتوسل لينظر إليه بقرف ثم يقول :
” تلم هدومك وتروح عند أمك … مش عايز أشوف وشك هنا تاني …”
أومأ كرم برأسه خوفا من أخيه بينما اتجه أمير نحو تالا وبدأ يحاول إفاقتها لتستيقظ بعد عدة محاولات …
ما إن استوعبت تالا ما حدث حتى انزوت بعيدا عن أمير وقالت بعينين باكيتين ونبرة متوسلة :
” انا اسفة ..

انا والله معملتش حاجة … هو اللي كان ..”
توقفت عن الكلام وشهقت باكية ليقول بهدوء :
” هش اسكتي … انا عارف انك معملتيش حاجة
…متقلقيش ….”
صمت لوهلة ثم قال :
” أنا بعتذرلك بالنيابة عنه وأتمنى إنك تقبلي اعتذاري … كمان قوليلي طلباتك وأنا هعملك اللي إنتِ عاوزاه ….”
قالت بسرعة :
” انا مش عايزة أي حاجة … أنا عايزة أروح وبس …”
شعر أمير بالشفقة لأجلها فقال :
” تقدري تروحي … ”
اتجهت بسرعة نحو باب الغرفة لكنها توقفت حينما وجدته يهتف بها :

” استني ….انا هوصلك ….”
” بلاش … أقصد ملوش لزوم ..”
قالتها بخوف حقيقي لاحظه فأصر على عرضه :
” انتِ تعبانه ومينفعش تروحي كده والجو برد أصلا …”
أكمل بعدها بلهجة أمرة :
” اتفضلي يلا عشان أوصلك وأرجع بسرعة ..”
إضطرت تالا لأن تنفذ كلامه فسارت أمامه ليتجه بها نحو سيارته….

أرادت تالا ان تركب في الخلف لكنها وجدته يفتح الباب الأمامي لها لتركب فيه ويركب هو في مقعد السائق ، قاد أمير سيارته متجها الى المنطقة التي يقع بها منزل تالا بعدما أخذ العنوان منها …
وصل أمير الى هناك ليتأمل المنطقة الشعبيه ذات الأحياء الفقيرة بملامح جامدة ، لقد سمع كثيرا عن هذا النوع من الأحياء بل وشاهدها بالتلفاز لكنه لم يتصور أن يأتي يوم ويدخل إليها …

التفت نحو تالا التي همت بالنزول بينما أنظار جميع من في الحي اتجهت نحوها لتلعن نفسها ألف مرة فكيف سمحت له أن يوصلها الى منزلها أمام الجميع ، لقد تناست حديث الناس الذي لن يرحمها ولم تنتبه لهذا بينما تحاول أن تسيطر على أعصابها بعد الصدمة التي تعرضت لها …
وجدت تالا أمير يمد يده لها برزمة أموال ويقول :
” خدي دول …”
إلا أنها إعترضت بسرعة :
” لا مش هاخدهم … اتفضل روح…”
قالتها بسرعة وهي تخرج من السيارة ليهبط من مكانه ويسير خلفها ويقول بنفس لهجته الأمرة

استني … ده حقك ولازم تاخديه ….”
ما ان انهى كلماته حتى تفاجئ بشاب غريب الشكل يقبـ . ــض عليه وهو يهتف به بنبرة عالية :
” انت عاوز منها ايه …؟! وفلوس ايه دي اللي تاخدها …؟!”
” انت بتعمل ايه …؟! انت اتجننت …؟!”.
قالها أمير وهو يحاول إبعاده عنه ليتفاجئ بمجموعة شباب يقتربون منهما وهم يهتفون :
” فيه حاجة يا حسن … ؟”
رد حسن عليهم:

” فيه فضيحة بتحصل هنا ولازم نلمها …”
خرجت على أثر صوته سيدة وفتاتان من المنزل لتهتف السيدة وهي تلطم على صدرها :
” حصل ايه يا حسن …؟! ”
ثم جذبت تالا من شعرها وهي تهتف بكره :
” عملتي ايه يا بنت الكلب … انطقي …”
هطلت دموع تالا وهي تجيبها :
” والله ما عملت حاجة يا مرات عمي …”
دفع أمير حسن بقوة بعيدا عنه ثم قال بلهجة محذرة :
” ايدك دي متتمدش عليا ..

انت مش عارف أنا مين ولا إيه ….؟!”
عاد حسن واقترب منه قائلا :
” ميهمنيش انت مين … اللي يهمني سمعتي وشرفي ..”
” وهو مين جه جمبهم…؟!”
” أمال تسمي ايه اللي عملته ايه … توصلها لحد البيت وتديها فلوس ….”
قالها حسن بصوت عالي ثم جذب تالا من شعرها وقال بغضــ . ــب كبير :
” هو ده الشغل اللي قلتي عليه ؟! بتضحكي عليا وانت بتشتغلي شغلانة تانية يا حقيرة …”
حاولت تالا أن تبرر له وسط دموعها وشهقاتها بينما هتف احد الرجال الذين يتابعون ما يحدث :

” البت دي وطت راسنا كلنا واحنا لازم نخلص عليها… ونخلص على الرجل اللي معاها …”
” بس متقولش رجل ….”
قالها حسن بإحتقار ليفقد أمير أعصابه وينقض عليه بعدما حرر تالا من قبـ . ــضته لتتلقاها زوجة عمها وبناتها ويبدئن بضــ . ـربها بينما هجم بقية الشباب على أمير وبدئوا بضــ . ـربه وهو يحاول مقاومتهم …
في هذه الأثناء اقترب رجل كبير في السن منهم وهتف بهم بصوت عالي بينما رجاله يلتفون حولهم :

” الكل يوقف مكانه … ”
” المعلم وصل …”
هتف بها بعض الموجودين ليتوقف الجميع عما يفعلونه فتسقط تالا أرضا بينما يقول المعلم :
” واحد بس يحكيلي ايه اللي حصل …؟؟”
قال حسن بسرعة :
” تالا بنت عمي وطت راسنا وطلعت بتشتغل وتبيع شرفها … واللي قدامك ده واحد من زباينها…”
” كدب … الكلام ده كدب …”
قالها أمير بصوت عالي ليهتف المعلم به بحدة :
” انت تخرس خالص … ”

ثم التفت نحو حسن وقال :
” عرفت ده ازاي ….؟! وعندك شهود …؟!”
أجابه حسن وهو يومأ برأسه :
” المنطقة كلها شافته وهو بيوصلها لحد باب بيتنا وبينزل وراها عشان يديها الفلوس … وبيقولها ده حق شغلك …”
تدخلت زوجة عمها في الحوار قائلة :
” انا ياما كنت بحذر ابني منها …. البت دي ماشية فسكة مش كويسة … وكل يوم بتتأخر فشغلها لحد الليل …. واستغفر الله العظيم بترجع وباين عليها أثار اللي بتعمله …”
” كدب ….

هي بتشتغل خدامة مش أكتر …”
قالها أمير محاولا الدفاع عنها لتنقل تالا بصرها بين الجميع بنظرات تائهة بينما تكمل زوجة عمها :
” من الأخر كدة انا مش عايزة البت دي عندي …. دي بت مش شريفة وانا اخاف على بناتي منها…”
عاد الجميع يثرثر بين مؤيد ومعارض لكلام زوجة العم ليهتف المعلم اخيرا بحسم :
” انا لا يمكن أطردها إلا لما أتأكد الأُول من كلامكم ….”
تنهد أمير براحة فيبدو أن هذا الرجل عادلا بينما لوت زوجة العم فمها بإعتراض وقال حسن بسرعة محاولا انهاء الحوار :

” ملوش لزمة يا معلم …. تالا بنت عمي وانا هربيها….”
إلا أن المعلم كان مصرا على كلامه :
” انا هتأكد يعني هتأكد … ولا انا عايز الناس يفتكروا انوا المنطقة هنا سايبة ….”
ابتلع حسن باقي كلماته داخل فمه بينما أشار المعلم لتالا قائلا :
” انتوا تجيبوا الست هيام تكشف عليها ونشوف اذا كانت شريفة وبنت بنوت ولا لأ …”
نظرت تالا إليهم بفزع وقالت بترجي :
” لا انا مش عايزة حد يكشف عليا …. ارجوكم متعملوش كده …”
إلا أن زوجة عمها جذبتها وقالت :

” ايوه اكشفوا عليها … عشان تعرفوا انوا كلامنا حق ….”
…………………………………………………………. جلست تالا أمام الست هيام التي أخذت تنظر إليها بقرف ثم قالت بلهجة حادة :
” نامي يلا عشان نخلص من الليلة دي …”
” ارجوكِ بلاش … انا والله العظيم معملتش حاجة …”
قالتها تالا بصوت مبحوح باكي لتهتف هيام بملل :
” الناس كلها واقفة برة ومستنيه النتيجة …. وانا لازم اعرفهم الحقيقة … وطالما انتِ معملتيش حاجة يبقى متخافيش … الحق هيبان والكل هيعرف انك شريفة …”
ثم أكملت :

” يلا نامي عشان اكشف عليكِ ….”
بالكاد استطاعت تالا أن توقف شهقاتها وتتمدد على الكنبة لتبدأ هيام بالكشف عليها …
شهقت تالا بقوة وهي تشعر بالذل الكبير والمهانة …
لقد تعرضت لأقسى أنواع الإهانة …
صرخت بقوة حينما شعرت بلطمة كبيرة تنزل على وجهها بينما جذبتها هيام من ذراعها واخرجتها من منزلها وهي تهتف :
” طلعت مش بنت يا معلم … ”
بينما علا صراخ الجميع …
نهاية الفصل

الفصل الثاني
نظر أمير الى تالا المرمية على أرضية الشارع بصدمة .. حاول أن يستوعب ما قالته تلك السيدة المدعوة هيام ، كيف تقول أنها ليست عذراء ..؟!
لقد رأى بعينيه برائتها حينما حاول أخوه إغوائها ..
فمن أين جاءت تلك الهيام بهذا الكلام ..؟!
أفاق من أفكاره على صوت صراخها بينما زوجة عمها وبناتها يضــ . ـربن إياها بقسوة ..
حاول أن يتدخل لكن ابن عمها سبقه وهو يبعد والدته وأختيه عنها قبل أن يقبـ . ــض على شعرها ويجرها خلفه ليقف المعلم في وجهه وهو يهتف به :

” على فين ..؟!”
أجابه وهو يشدد من قبـ . ــضته على شعرها لتصرخ ألما :
” وأغسل ..”
تدخل أمير في الحوار قائلا :
” ايه ..؟! انت مجــ . ــنون ..؟!”
منحه ابن عمها نظرة مستهينة وقال :
” امال عايزني اعملها ايه بعد موطت راسني وطلعت مش بنت ..؟!”
” سيبها وبلاش جنان ..”
قالها أمير بنظرات ما زالت مصدومة مما يحدث أمامه ليقول ابن عمها بضيق :
” ملكش دعوة انت .. دي بنت عمي وأنا حر فيها ..”
تقدم أمير نحوه وقال بلهجة عصبية :

” مليش دعوة يعني ايه ..؟! انتوا فاكرين نفسكوا فين ..؟! عايز بسهولة كده ..؟!”
وقف زعيم المكان في وجهه مانعا إياه من التقدم أكثر ، قال المعلم بنبرة محذرة :
” لحد هنا وتوقف مكانك ، ابن عمها ولازم يغسل عاره ..”
ثم أردف بنبرة ماكرة :
” ولا انت خايف عليها عشان هي عشيقتك وكده ..؟!”
اتسعت عينا أمير بعدم تصديق قبل أن ينظر إلى تالا الباكية ، عاد بنظراته نحو المعلم وقال بسرعة وإنفعال :
” انا مليش دعوة بيها ..

انا ملمستهاش ولا قربت منها ..”
ثم هم بالتحرك بعيدا عنهم لكن صوتها الباكي ونبرتها التي ترجوه أن ينقذها جعلتاه يتوقف في مكانه ..
” أرجوك متسيبنيش ليهم ، ..”
التفت أمير الى الخلف لينظر إلى عينيها اللتان تتوسلانه بصمت فتذكرانه بعينين أخرتين يعرفهما جيدا ..
ضغط أمير على أعصابه بقوة وهو يجد نفسه تائها حائرا ، هل يساعدها وينقذها من أيديهم أم يتركها فريسة لهم ..؟!
وفي نفس اللحظة اتخذ قراره ، هو لن يسمح لهم فتاة لأي ذنب كان ..
لن يتحمل ذنبها ابدا ..

سيفعل المستحيل حتى ينقذها من براثن هؤلاء الأوغاد حتى لو اضطر لدفع المال لهم ..
اقترب أمير من ابن عمها وجذب شعرها بعيدا محررا إياه من قبـ . ــضته ثم قال بلهجة قوية :
” قولي ، عايز ايه مقابل انك تسيبها ..؟!”
نظر ابن عمها إليها للحظات قبل أن يهتف بسرعة:
” مية الف جنيه ..”
” بسيطة ..”
قالها أمير ببساطه لتتسع عينا الجميع وهم يتسائلون عن مدى ثراء هذا الرجل ..
” ثانية أجيب الشيك وأجي ..”
قالها أمير وهو يقبـ .

ـض على ذراع تالا ويجرها خلفه متجها بها نحو سيارته ..
وقف أمير أمام السيارة وفتح الباب لها ثم قال بهمس :
” ادخلي جوه ومتخرجيش لحد مدفعلهم الفلوس واخلص منهم ..”
أومأت برأسها بوهن ليعود أمير إليهم بعدما أخذ دفتر الشيكات خاصتها من السيارة .. وقف أمام إبن عمها وكتب المبلغ المطلوب في الشيك ثم أعطاه له ليأخذه إبن العم بسرعة ثم يقول :
” ربنا يخليك يا باشا .. بالنسبة لتالا فأنا مش خلاص .. خليها تنزل من عربيتك لأحسن توسـ . خها ..”
ابتسم أمير بهدوء وقال :

” لا تالا سيبها ليا ، هي مش هترجع عندكم تاني ..”
نظر إبن عمها إليه بعدم تصديق للحظات قبل أن يقول :
” انت بتقول ايه حضرتك ..؟! دي بنت عمي ازاي اسيبها ليك ..؟!”
نقل المعلم أنظاره بين الإثنين قبل أن يهتف بأمير :
” انت فاكر اننا هنسيبلك بنتنا بالسهولة دي ..؟!”
” امال عايزين ايه كمان ..؟!”.
سألهما أمير بنفاذ صبر ليقول المعلم :
” عايزين نص أرنب ..”
تطلع إليهما أمير بصدمة وهو مذهول بمدى طمعهما وجشعهما، إنهما يساومان على شرف ابنتهما بشكل مقزز ..

” قلت إيه يا باشا ..؟!”
أفاق أمير من شروده على صوت المعلم لينظر إلى إبن عمها الواجم بحيرة قبل أن يحسم أمره وهو يدرك أنه لن ينفذ من هؤلاء الأوغاد إلا بهذه الطريقة :
” موافق ..”
سحب أمير الشيك من يد ابن عمها ومزقه ثم أخرج شيك أخر من الدفتر وكتب به المبلغ المطلوب ثم أعطاه الى المعلم الذي أخذه بسرعة وشكره بصمت ليذهب أمير مسرعا نحو السيارة دون أن ينتظر سماع أي كلمة أخرى منهما فيكفيه ما رأه وسمعه حتى الأن ..
……………………………………………………………………………
داخل السيارة ..

كان أمير يقود سيارته بصمت ، عيناه تشتعلان غضــ . ــبا ، يضغط على أعصابه كي لا ينفجر بأي أحد ..
أما تالا فكانت منكمشة على نفسها فقد شعرت بغضــ . ــبه الكامن داخله ورغما عنها يوجد في داخلها تساؤلات هما سيفعله هذا الرجل بها الأن ..
وجدته تالا يوقف سيارته أمام أحد الفنادق الراقية للغاية ذات الخمس نجوم ثم يشير لها بإقتضاب :
” انزلي ..”
هبطت تالا بسرعة من السيارة منفذة أوامره واتجهت خلفه نحو داخل الفندق ..
فغرت فاهها بدهشة رغما عنها ما إن ولجت الى داخل الفندق بسبب فخامته الشديدة ..

لم تستوعب المكان الذي هي فيه حتى سمعت أمير يقول للموظفة :
” عايز أحجز جناح بإسمي ..”
ابتلعت تالا ريقها بتوتر وهي تفكر أنها وقعت في الفخ ، فيبدو أن هذا الرجل سيستغلها ..
لمَ لا وقد إشتراها من عائلتها ودفع ثمنا باهضا لها ..؟!
التفت أمير نحو تالا الشاردة بعينيها الدامعتين ووقف يتأملها للحظات ..
كانت بريئة متوسطة الجمال ببشرتها البيضاء وشعرها الأصهب..
عيناها شفافتان لدرجة كبيرة ، أنفها صغير وفمها كذلك ..
أبعد هذه الأفكار عن ذهنه وأخذ يتطلع الى ملابسها الخفيفة البالية بجمود ..

سائل داخله عن كيفية ارتدائها ملابس خفيفة كهذه في جو قارس البروده ..؟!
” يلا بينا ..”
قالها وهو يلتفت متجها نحو المصعد لتلحقه تالا بسرعة وهي تحاول إخفاء دموعها..
ركب بها المصعد ووقف الاثنان داخل المصعد بصمت تام حتى وصل بهما الى الطابق المحدد ..
هناك فتح أمير باب الجناح وأفسح المجال لها كي تدخل ليتبعها هو ويغلق الباب خلفه …
هبط قلب تالا بين أضلعها ما إن سمعت صوت الباب يغلق وبدأ عقلها ينسج العديد من السينــ . ــاريوهات المخيفة ..

وجدته يتقدم نحو الكنبه ويهوي بجسده عليها بتعب واضح قبل أن يشير لها بعد لحظات :
” مش هتقعدي ..؟!”
نظرت تالا إليه للحظات قبل أن تتجه وتجلس على طرف الكنبة بعيدا عنه ، نظر إليها للحظات قبل أن يهتف بجدية :
” تالا انتِ عارفة إني أنقذتك من المــ . ــوت ، ولولا إني دفعتلهم المبلغ المطلوب كان زمانهم ..”
أومأت تالا برأسها وقالت بنبرة خرجت منها خافتة مهتزة :
” عارفة وبشكرك .. لولا ربنا ولولاك كان زماني ميته ..”
نظر إليها أمير بهدوء ثم قال أخيرا:

” وإنتِ طبعا عارفة إنك لازم تفضلي فحمايتي ، وإلا ابن عمك مش هيسيبك فحالك ..”
كانت تستمع الى حديثه وتنظر إليه بحيرة رغم إدراكها أنه معه كل الحق فيما يقوله ، قالت أخيرا بتردد :
” عارفة ..”
وأنا مش هسيبك ليه يا تالا .. مش هخلي يقرب منك أبدا ..”
تنهدت براحة وقالت بنبرة ممتنة :
” أنا مش عارفة أقولك ايه ..؟! شكرا بجد ..”
” بس كل شيء وليه مقابل ..صح ..؟!”
منحته نظرة تائهة حائرة قبل أن تقول :

” تقصد ايه ..؟!”
” انا عايز المقابل .. مقابل حمايتي ليكي .. غير النص مليون جنيه اللي دفعتهم ليهم عشانك ..”
أشاحت تالا وجهها بعيدا عنه تحاول أن تخفي دموعها ليديرها أمير من كتفيها نحوه مرة أخرى ويهتف بها :
” متقلقيش ، انا مش هأذيكي ، انتِ بس اسمعي كلامي وكله هيبقى تمام ..”
” عايز ايه ..؟!”
سألته بنبرة مرتجفة ليرد بحسم :
” عايزك .. عايز جسمك .. جسمك مقابل حمايتي ليكي من المــ .

ــوت ..”
اتسعت عينا تالا بعدم تصديق وهي تفكر أنها هربت من جحيم لتقع في جحيم أخر أفظع منه ..
يتبع الفصل الثالث
اتسعت عيناها بصدمة مما سمعته ، لقد خابت جميع ظنونها الحسنة به ، مجددا يخذلها القدر ويجعلها تثق بالشخص الخطأ ..
ابتلعت ريقها بتوتر وأخذت تفكر في طريقة سريعة تخرجها من هذا المأزق
بينما هو يتأملها بملامح جامدة ساكنه لا توحي بشيء ..
نطق أخيرا بلهجة باردة :
” قلتي ايه ..؟!”
” أنا …”
نطقت بها متلكأة ليكمل بنبرة قوية

قبل متقولي اي حاجة لازم تعرفي انوا ده الحل الوحيد اللي قدامك عشان تحمي نفسك من ابن عمك ، وكمان بمجرد متبقي عشيقتي هتخلصي من المرمطة دي وهتعيشي حياة مثالية ، انا هوفرلك كل حاجة ..”
هزت رأسها نفيا محاولا ألا تستمع لما يقوله ، نهضت من مكانها وقالت بلهجة باكية :
” كفاية ، حرام عليك .. انا مش كده ولا عمري هكون كده …”
ثم أردفت بمرارة :
” انت فاكرني ايه ..؟! وحدة صايعة ممكن تبيع نفسها عشان الفلوس ..

انا ممكن اكون فقيرة وعلى نياتي بس لا يمكن اضحي بشرفي مهما حصل .. انا مستعدة أرجع للحارة ولا إني أعمل كده ..”
كلامها صدمه بشدة وظهرت صدمته جليا على ملامح وجهه ، لا يمكن لكل هذه البراءة أن تفعل شيئا مشينا أو تبيع شرفها لأجل المال ، لقد أخطأ بما فعله .. هو فقط أراد أن يختبرها ويتأكد من برائتها بعدما قالوا أنها ليست عذراء لكن يبدو أنه أخطأ وجرح مشاعرها ..
لعن نفسه وتلك الفكرة التي جاءته ليتأكد من شكوكه حولها ..
نظر إليها فوجدها تخفي وجهها بكفيها وتبكي بصمت ، قال :

” اهدي .. اهدي يا تالا ، انا اسف ..”
لم تبدي أي ردة فعل ، فقط استمرت في بكائها ليقول بصوته الهادى :
” تالا ممكن تبصيلي..”
أبعدت كفيها عن وجهها ونظرت له بعينيها الدامعتين لينهض من مكانه ويتقدم نحوها قائلا بأسف حقيقي :
” انا اسف .. اسف اووي ..”
” انا عايزة اروح ..”
قالتها ببراءة وترجي ليبتسم بألم ويقول :
” صدقيني انا مش من النوع اللي ممكن يستغل بنت لأي سبب كان ..

انا بس كنت عايز اختبرك وأتأكد من براءتك بعد اللي قالته الست اللي اسمها هيام ..”
وجدها تنطق بسرعة وتوسل :
” انا والله بريئة ، صدقني معملتش حاجة .. صدقني..”
” طب هي قالت كده ليه ..؟!”
سألها بحيرة لتهتف مجيبة إياه :
” معرفش .. حقيقي معرفش ..”
” طب ممكن تقعدي عشان نتكلم ..”
نظرت إليه بشك وتوجس شديد ليزفر أنفاسه بقوة ويقول بصدق :
” صدقيني انا كنت بختبرك .. اقعدي واسمعي كلامي .. من فضلك ..”
جلست بتردد أمامه ليجلس على الكرسي المقابل لها ويقول بجدية :

” انا هساعدك يا تالا ، متقلقيش .. نوقف جمبك واحميكِ من اهل الحارة وابن عمك اللي مش هيسيبك .. ”
” بجد ..؟!”
سألته بنبرة متأملة ليومأ برأسه ويقول :
” بجد .. المهم قبل كل ده لازم نعمل حاجة مهمة ..”
” حاجة ايه ..؟!”
سألته بحيرة ليجيبها بجدية :
” لازم نتجوز..”
” نتجوز ..؟!”
قالتها بعدم تصديق ليومأ برأسه ويقول مسترسلا :
” نتجوز عشان نردلك سمعتك بين الناس .. وعشان محدش يقدر يجيب سيرتك بحاجة

بس انت مش مضطر تعمل حاجة زي دي ..؟!”
قالتها بخجل شديد ليقول :
” لا .. انا لازم اتجوزك وانقذ سمعتك .. متقلقيش يا تالا هيكون جواز صوري ..جواز يحافظلك على سمعتك ويحميك من اهل الحارة وابن عمك بنفس الوقت …”
” انا مش عارفة اقولك ايه ..؟!”
قالتها بنبرة ممتنة ، رد عليها :.
” بس اهم حاجة يا تالا ، الكلام هيفضل سر بينا ، يعني محدش هيعرف فجوازنا غير اهل الحارة وعيلتك..”
ابتلعت ريقها واكتفت بإيماءة من رأسها ، قال أمير :

” هاتي بطاقتك بقى ، بكره الصبح هنروح للمأذون ونكتب الكتاب ..”
أخرجت بطاقتها الشخصية من حقيبة يدها وأعطتها إياه ليأخذها منها ويضعها داخل جيب سترته ..
…………………………………………………………………….
خرج كلا من أمير وتالا من عند المأذون ، اتجها نحو السيارة بعدما شكر أمير الشاهدين اللذين استأجرهما ، ركبا السيارة بجانب بعضيهما وبدأ أمير في قيادة سيارته ..
” امتى تحبي نبلغ اهلك والحارة بجوازنا .؟!”
سألها بجدية لترد بخفوت :
” وقت متحب ..”
نظر إليها للحظات ثم قال عائدا بأنظاره نحو الأمام :

” هروح انا ابلغهم بنفسي ، ملوش لزمة تيجي معايا ..”
تنهدت تالا بإرتياح فهو قد حمل عبئا ثقيلا من عليها ، هي لم تكن مستعدة لمواجهة عائلة عمها وأهل الحارة ، ليس بعد كل ما حصل ..
أوقف أمير سيارته أمام الشقة التي يقطن بها وقال :
” انا ساكن هنا .. وانتِ هتسكني معايا اليومين دول لحد ملاقيلك شقة مناسبة .. وهحاول ألاقي شقة بنفس العمارة عشان أكون مطمن عليكِ..”
” ملوش داعي تتعب نفسك ، انا هدبر أمري ..”
قالتها بخجل لينظر إليها قليلا قبل أن يقول بضيق :

” مينفعش الكلام ده ، انتِ دلوقتي مسؤولة مني ..”
صمتت ولم ترد ليأمرها:
” انزلي يلا ..”
هبطت من السيارة واتجهت معه الى داخل العمارة وتحديدا الى داخل الشقة التي يقطن بها أمير ، فتح أمير باب الشقة وفسح المجال لتالا كي تدخل ، ولجت تالا الى داخل الشقة وأخذت تتأملها ،كم غريبة هي الحياة ..؟! البارحة دخلت الى هذه الشقة كخادمة واليوم هي زوجة صاحبها ..
أفاقت من شرودها على صوت أمير يقول :

” الشقة صحيح صغيرة بس فيها أوضتين ، وحدة بتاعتي والتانية ليكي ..”
ثم أشار الى احدى الغرف قائلا :
” تعالي شوفي أوضتك ..”
سارت خلفه ليفتح لها باب الغرفة فتتطلعت إليها بسعادة لا إرادية وهي لا تصدق أنها ستنام في غرفة كهذه بعدما كانت زوجة عمها تجبرها على النوم في المطبخ ..
” هسيبك عشان تستريحي شوية .. انا هروح الشركة ..”
التفتت نحوه واومأت برأسها متفهمة ليكمل

فيه اكل كتير بالثلاجة ، اعملي منه اللي تحبيه …”
أومأت برأسها مرة أخرى ليخرج من غرفتها والشقة بأكملها متجها الى شركته ..
اما تالا فجلست على السرير تتلمسه بعدم تصديق ، تمددت عليه وهي تح.تضن المخدة بفرحة كبيرة ، أخذت تدعو ربها ألا يكون هذا مجرد حلما سوف تستيقظ منه وينتهي كل شيء ..
…………………………………………………………………….
جلس أمير على مكتبه لتقترب منه السكرتيرة وهي تحمل له فنجانا من القهوة وتضعها أمامه قائلة بحب :

” اتفضل القهوة ، امير بيه ..”
شكرها بصمت وهو يتناول فنجان القهوة لتخرج السكرتيرة من مكتبه بينما ُفتحت الباب ودلف فراس صديقه إلى الداخل لينهض أمير من مكانه مسرعا ويقول بدهشة :
” انت مسافرتش…؟!”
” للاسف، السفرية اتلغت..”
ابتسم أمير وقال :
” كويس ..”
اتجه فراس نحو الكنبة الموضوعة في احد اركان الصالة وقال :
” طبعا انت فرحان دلوقتي ..”
” أوي ..”
قالها أمير بخـ . بث ليقول فراس بجدية :
” اخبارك ايه … ؟! فيه جديد ولا لا ..؟!”
أجابه أمير :

” مفيش جديد ، بس انا تجوزت ..”
” بلاش هزار يا أمير، مش فايقلك أنا ..”
ابتسم أمير وقال :
” انا مش بهزر يا فراس .. انا لسه متجوز من ساعتين ..”
نهض فراس من مكانه ووضع كف يده على جبين أمير ليقول بعد لحظات :
” لا حرارتك كويسة ، امال بتقول كده ليه ..؟!”
أجابه بجدية :
” عشان انا بتكلم بجد ، انا اتجوزت ..”
” مين ..؟! اتجوزت مين ..؟!”
” وحدة متعرفهاش ..”
” طب ازاي..؟! ”
تنهد أمير وقال أخيرا:

” هحكيلك ..”
يتبع الفصل الرابع
مساءا
دلف أمير الى شقته ليجدها مظلــ . ــمة تماما ، فتح الضوء ليسطع في أجزاء الصالة التي بدت فارغة وكأنه لا يوجد بها أحد ..
لا يعرف لماذا شعر بالقلق يغزو كيانه وهو يتخيل أنها رحلت فجأة دون أن تخبره ، اتجه مسرعا نحو غرفة النوم خاصتها ليجدها خالية أيضا .. ابتلع ريقه بتوتر وهو يفكر في سبب إختفائها ، هل يعقل أنها ذهبت الى عائلتها مرة أخرى ..؟! ألم يحذرها من الذهاب إليهم ..؟!

نهر نفسه لأنه لم يأخذ رقم هاتفها ثم ما لبث أن قرر إنتظارها في الشقة علها تعود بعد قليل وإن لم تعد سيضطر أن يبحث عنها ..
جلس على الكنبة بتعب ورغما عنه أخذ يفكر بها وسبب غيابها ، زفر أنفاسه بقوة ونهض من مكانه متحركا ذهابا وإيابا داخل الصالة حينما فُتح الباب فجأة وولجت هي الى الداخل

ض نحوها بلهفة وسألها بسرعة ونبرة خرجت منه حادة :
” كنتي فين ..؟!”
شعرت بغضــ . ــبه الشديد فتوترت ملامحها ونبرتها وهي تجيبه بتقطع :
” أناااا …”
” انتِ ايه ..؟!”
صرخ بها لتنكمش على نفسها وتترقرق الدموع داخل عينيها ليشعر بخطأه الجسيم فأخذ نفسا عميقا ثم قال بلهجة هادئة بطيئة :
” انا اسف ، بس انتِ ازاي تخرجي من غير متقوليلي ..؟؟”
” انا اسفة ..”
قالتها أخيرا بنبرة باكية قبل أن تكمل وسط شهقاتها :

” انا كان لازم أقولك اني خارجة بس انت نسيت تديني رقم تليفونك ..”
” رحتي فين ..؟!”
سألها بجدية لتجيبه بتوتر ظهر جليا عليها :
” كنت بدور على شغل …”
التمعن عيناه غضــ . ــبا لا إراديا حينما سمع سبب خروجها لكنه قرر تهدئة نفسه فأخذ نفسا قويا عدة مرات قبل أن يسألها بهدوء مخيف :
” بتدوري على شغل ليه ..؟!”
” امال هعيش ازاي ..؟!”
قالتها بعفوية ليرد بنبرة قوية مجهدة :

” وانا هنا بعمل ايه ، كيس جوافة ، مش أنا جوزك اللي لازم يصرف عليكي ..؟!”
خرجت جملته الأخيرة عالية أرهبتها بشدة لتبدأ تثرثر بخوف :
” والله اسفة ، انا نسيت ده ، سامحني ارجوك ، مكنش قصدي …”
” اهدي …”
صرخ بها لتتوقف عما تقوله وتنكمش على نفسها من جديد أما هو فإبتعد عنها واتجه الى الشرفة ليتنفس القليل من الهواء ..
ظلت تالا منكمشة على نفسها داخل الصالة ترتجف خوفا منه ومن عصبيته ، لقد أخرجت غضــ . ــبه الكامن بسهولة ، هنيئا لها حقا..

دلف أمير الى الصالة مره أخرى ليجدها بهذه الوضعية المثيرة للشفقة ، تنهد بوجع لا يعلم سببه واقترب منها قائلا بلهجة حنون :
” تالا ، اهدي من فضلك ومتخافيش..”
” انا اسفة والله ، بجد مكانش قصدي ..”

قالتها والدموع اللاذعة بدأت تهبط من مقلتيها ليشعر أمير بإنقباضة قوية داخل قلبه ما إن رأى دموعها ..
لم يفهم بعد سبب تأثره الغريب بها وببكائها وخوفها لكنه وجد نفسه يهدئها :
” خلاص اهدي ، متعيطيش ..”
ثم جذبها من كف يدها وأجلسها على الكرسي قبل أن يتجه نحو المطبخ ليحضر لها كوبا من الماء ..
أعطاها كوب الماء لتأخذه منه وتتناوله على دفعه واحدة بشكل طفولي جعله يبتسم لا إراديا فكانت تبدو عطشة للغاية ..
انتهت من تناول كوب الماء لتعطيه إياه فأخذه منها وأعاده الى المطبخ ..

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى