انقذت حياته ج١

«لو بتحبيني بجد، مش هتسألي محتاجين كام كيس… هتساعدي وأنتِ ساكتة!»
ده كان اللي قاله لي حازم قبل ما الممرضة تبدأ إجراء التبرع بالدم. تبرعت عشان أساعد في إنقاذ حياته، بعد ما أصحابه اتصلوا بيا الفجر وقالوا إنه تعرض لحادث كبير.
لكن وأنا خارجة من المستشفى، سمعت صوت ضحكهم من ورا الباب:
«مش قادر أصدق إن داليا وقعت في الفخ للمرة الـ96!»
وقفت في مكاني، بصيت لعلامة الإبرة في ذراعي، وطلعت الموبايل.
اللي اكتشفته عن الـ3 سنين اللي عشناهم سوا، حوّل التبرع ده لبداية النهاية بالنسبة لهم.
ده كان آخر كلام قاله لي حازم قبل ما الممرضة تبدأ الإجراء بثواني.
بعد حوالي 40 دقيقة، خرجت من بنك الدم في مستشفى خاص في التجمع، ورجليا مش شايلاني، وذراعي عليها قطنة وبلاستر، وجوايا إحساس إني عملت حاجة عظيمة عشان أساعد الراجل اللي بحبه.
صحاب حازم كانوا مكلميني الفجر بصوت مرعوب، وقالوا لي إنه تعرض لحادث بعربية جديدة على طريق السخنة، ومحتاج فصيلة نادرة بسرعة عشان يدخل العلاج.
ما سألتش في تفاصيل كتير.
حازم كان خطيبي وجوز مستقبلي، وكنا مع بعض بقالنا 3 سنين، وكنت مستعدة أعمل أي حاجة عشان خاطره.
وأنا بدور على الأسانسير، لمحت ممرضة معدية وهي بتزق عربية صغيرة عليها صندوق تبريد طبي، ولمحت البطاقة اللي كانت على كيس الدم من دقائق.
كان مكتوب عليها اسمي بالخط العريض: «داليا مصطفى».
مشيت وراها من غير ما تحس.
الممرضة دخلت من باب جانبي، ولصدمتي، طلعت كيس الدم بتاعي وحطته في حاوية مخصصة للمستلزمات الطبية.
وقفت مكاني متخشبة.
افتكرت إن الدوخة زغللت عيني وبقيت بشوف خيالات.
لكن فجأة سمعت صوت ضحك عالي.
الصوت كان جاي من أوضة خاصة، والباب كان موارب شوية.
«مش قادر أصدق إن داليا صدقت الحكاية ووقعت في الفخ للمرة الـ96!»
قلبي وقف في صدري.
قربت من الباب ببطء شديد.
حازم كان قاعد على السرير بكل أريحية، شعره متظبط، مفيش عليه أي أثر للحادث، وحواليه شريف وكريم وباقي أصحابه.
نفس الصحاب اللي كلموني الفجر بصوت مرعوب!
«إحنا وصلنا لكام؟» سأل شريف وهو بيضحك.
كريم رفع صوابعه وهو بيعد بفخر:
«ستة وتسعين!»
وانفجروا كلهم في الضحك.
أنا حسيت إن الأرض بتتسحب من تحت رجليا.
وبدأوا يفتكروا المواقف اللي خدعوني فيها.
«حركة الأسورة الذهب بتاعة خطوبتها كانت تحفة!»
واحد منهم قال:
«لما فهمناها إن حازم ضيع هديتها، وهي قضت نص الليل تدور عليها تحت المطر! دي جالها تعب وقعدت في السرير أسبوع!»
وبعدها افتكروا المرة اللي فهموني فيها إن حازم دخل في حالة صحية صعبة، وقضيت الليل كله أدعي له وأطلب له السلامة.
وبعدين افتكروا الاتهام اللي اتعرضت له في آخر سنة في الكلية.
قضيت أيام بلف وأجمع مستندات عشان أثبت براءتي، وعشان كده وصلت متأخرة لحفلة تخرجي وما لحقتش أستلم شهادتي مع زمايلي.
أنا طول الـ3 سنين دول كنت فاكرة إن دي مجرد ظروف صعبة.
مشاكل، مواقف معاكسة، وحازم كان دايمًا يقولي إني حساسة زيادة وبكبر المواضيع.
لحد ما سمعت جملة واحدة غيرت حياتي للأبد.
«فاضل 3 بس»، قال شريف بنبرة ساخرة.
«99 مقلب وانتقام، ونكمل المية! وبعدها حازم يسيب داليا ويرجع لريـم!»
ريم!
حسيت بألم شديد في قلبي.
ريم الألفي كانت المرشحة الأولى والأقوى عشان تكسب مسابقة الرقص والتعبير الحركي على مستوى الجامعات من 4 سنين.
كانت من عيلة معروفة، وعندها دعم كبير، وكل الناس كانت متوقعة إنها تاخد المركز الأول.
بس أنا اللي كسبت.
داليا مصطفى، بنت الموظف البسيط والمدرسة.
افتكرت الليلة دي كويس أوي.
التصفيق العالي، أمي وهي بتعيط في أول صف، وأبويا وهو بيصور كل لحظة بموبايله القديم.
عمر ما جه في بالي إن ورا الكواليس، ريم كانت غاضبة جدًا بسبب النتيجة، وإن حازم اتفق معاها إنه يقرب مني ويكسب ثقتي، وبعدها يحاول يوقعني في مواقف صعبة.
حسيت إن الهوا اتقطع عن صدري.
3 سنين!
3 سنين بحاول أكون كفاية.
3 سنين بستحمل التجاهل والبرود، وأقول لنفسي: حازم طبعه صعب ومش بيعرف يعبر عن مشاعره.
وفي اللحظة دي، حازم اتكلم بنبرة خالية من الندم:
«ما تعملوش موضوع كبير.. هي اللي كانت بتصدق أي حاجة.»
مفيش ندم في صوته.
مجرد برود واستهانة.
مشيت بخطوات متعبة بعيد عن الباب قبل ما حد يشوفني.
طلعت وقعدت على أول دكة قدام المستشفى، حاطة إيدي على وشي وببكي بقهر.
موبايلي رن.
كانت أمي.
«داليا يا حبيبتي، بابا خلص أوراق الشقة بتاعة مرسى مطروح. إحنا مسافرين الأسبوع الجاي والورق جاهز. لسه عندك فرصة تيجي معانا وتسيبي القاهرة.»
على مدار شهور كنت برفض عشان خاطر حازم، وعشان حياتي اللي كنت متخيلة إنها هتكمل معاه.
بصيت للعلامة اللي في ذراعي.
افتكرت كيس الدم بتاعي وهو بيتحط في الحاوية.
افتكرت 96 موقف مؤلم اتحولوا لنكتة بيضحكوا عليها.
رديت بصوت ثابت وقوي لأول مرة:
«ماما.. احجزي لي معاكم، أنا جاية.»
قفلت مع أمي.
وبصيت للشاشة، لقيت رسالة جديدة من حازم:
«تعالي لي بكرة الشقة يا داليا. لسه فيه 3 حاجات محتاجين نخلصهم سوا.»
ما كانش يعرف إن الـ3 حاجات دول هيكونوا بداية النهاية بالنسبة له.
خرجت داليا من المستشفى وفي ذهنها صورة واضحة لما حدث.
لم تكن تبكي هذه المرة.
كانت عيناها ثابتتين، وعقلها يعمل بسرعة.
الخطوة الأولى كانت فهم الحقيقة كاملة.
حازم وأصحابه وريم لم يتعاملوا معها باحترام، لكنهم نسوا شيئًا مهمًا: إنها لم تعد مستعدة لتصديق أي شيء بسهولة.
مسحت داليا دمعة من على خدها، وفتحت هاتفها.
أول شيء فعلته لم يكن الرد على حازم، بل الاحتفاظ بالمكالمة التي تلقتها الفجر من شريف، وتسجيل بيانات المستشفى والتوقيت.
ثم أرسلت لحازم رسالة قصيرة:
«حاضر يا حازم، هكون عندك بكرة الساعة 12 الضهر. هجيب معايا شوية أوراق كنت عايزاك تشوفها.»
في تلك الليلة، لم تنم داليا.
فتحت جهاز الكمبيوتر الخاص بها، وبدأت في تجميع كل المستندات والمعلومات المتعلقة بما حدث خلال السنوات الماضية.
ومن خلال علاقاتها القديمة في الكلية وبعض زملائها في مجال التقنية، بدأت تبحث عن التفاصيل المتعلقة بريم الألفي وعائلتها.
اكتشفت المفاجأة الأولى.
والد ريم يدير شركة استيراد وتصدير كبيرة، وحازم يعتمد على علاقته بعائلة ريم في الحصول على عقود لمشروعه.
كما اكتشفت وجود التزامات مالية ومستندات مرتبطة بمشروعات لم تبدأ بعد.
بدأت الصورة تكتمل أمامها.
حازم لم يكن مرتبطًا بريم بسبب المشاعر وحدها، بل كانت هناك مصالح مشتركة ومستقبل مهني مرتبط بعائلتها.
في اليوم التالي، في تمام الساعة الثانية عشرة ظهرًا، وصلت داليا إلى شقة حازم في التجمع.
كان ينظر إليها بابتسامة مليئة بالاستخفاف، ويضع ضمادة صغيرة على ذراعه ليكمل تمثيل دور الشخص الذي خرج من حادث صعب.
قال حازم بنبرة تمثيلية:
«داليا حبيبتي.. تسلم إيدك على التبرع، الدكتور قال إن الفصيلة دي ساعدتني جدًا.. أنتِ بجد أصيلة.»
ابتسمت داليا بهدوء، وقالت:
«أهم حاجة سلامتك يا حازم.. كل حاجة تهون عشانك.»
جلس حازم على الكنبة، وسحب ملفًا من على الطاولة.
وقال:
«بصي بقى، الحادثة أخرتنا شوية، ومحتاج منك 3 حاجات عشان نخلص أوراق الشقة والشركاء الجداد.
أول حاجة: تعملي لي تنازل عن الشقة الصغيرة اللي كتبها باسمك باباكي قبل ما يسافر.
تاني حاجة: تمضي على ورقة إنك تنازلتي عن أي حقوق في مشروع التخرج اللي عملناه سوا.
وثالث حاجة: نأجل الجواز سنة كمان عشان الظروف.»
كانت هذه هي الخطوات الجديدة التي كان يخطط لها للضغط عليها وإنهاء كل ما يربطه بها.
نظر إليها حازم منتظرًا بكاءها أو اعتراضها كالعادة.
لكن داليا حركت رأسها بهدوء، وأخرجت من حقيبتها بعض الأوراق وقلمين.
وقالت:
«مفيش مشكلة يا حازم.. أنا موافقة على كل ده، بس بشرط واحد صغير.»
عقد حازم حاجبيه باستغراب:
«شرط؟ شرط إيه؟»
قالت داليا وهي تنظر في عينيه مباشرة:
«بابا وهو بيخلص أوراق مرسى مطروح، اكتشف إن الشقة المكتوبة باسمي عليها شرط متعلق بإجراءات التنازل، ولازم يتم استكماله بتوقيع الطرف التاني.»
وأخرجت داليا ورقة مطبوعة بعناية.
كانت قد أعدتها طوال الليل، وكانت تتضمن مجموعة من المستندات والإقرارات التي تحتاج إلى مراجعة قانونية دقيقة.
حازم، بثقته الزائدة، لم يقرأ التفاصيل كما ينبغي.
مسك القلم ووقع وهو يبتسم بسخرية:
«أدي التوقيع يا ستي.. ها، هتمضي لي أنتِ على التنازل وباقي الحاجات؟»
أخذت داليا الورقة، ووضعتها في حقيبتها بعناية، ثم وقفت بثبات وقالت:
«هكمل باقي الإجراءات بكرة.»
ارتبك حازم وسألها:
«بكرة؟ فين؟»
قالت داليا بابتسامة هادئة:
«في التجمع العائلي بتاع عيلة ريم الألفي.»
تغير وجه حازم.
«أنا عزمتك هناك؟»
أجابته:
«ريم نفسها بعتت لي الدعوة على الواتساب الصبح.»
هبطت دقات قلب حازم فجأة.
كيف علمت داليا بالدعوة؟
وقبل أن ينطق بحرف، كانت قد أغلقت الباب وراءها وغادرت.
في مساء اليوم التالي، كان أحد الفنادق في التجمع الخامس يشهد حفلًا كبيرًا أقامته عائلة الألفي بمناسبة نجاح مشروع جديد.
حضر الحفل عدد كبير من رجال الأعمال، بالإضافة إلى حازم وأصحابه.
كان حازم متوترًا طوال الليل، يقلب في هاتفه وينظر نحو الباب، خوفًا من أن تظهر داليا أو تحدث مشكلة أمام ريم وعائلتها.
وفجأة، صمتت الموسيقى في القاعة.
وانفتحت أبواب القاعة الرئيسية.
دخلت داليا.
لم تكن داليا القديمة ذات الملابس البسيطة والملامح المنهكة.
كانت ترتدي فستانًا أنيقًا، وتتحرك بثقة وهدوء، لفتا أنظار الحاضرين.
اقتربت ريم من حازم وقالت بانزعاج:
«إيه اللي جاب داليا هنا يا حازم؟»
حازم ابتلع ريقه بصعوبة:
«مش عارف.. هي قالت إنك أنتِ اللي عزمتيها.»
تقدمت داليا بخطوات ثابتة نحو المسرح الصغير حيث يقف والد ريم وحازم.
أخرجت من حقيبتها وحدة تخزين صغيرة، وسلمتها لمسؤول العرض التقديمي.
وقالت له:
«السيد الألفي طلب مني أعرض الملف ده قبل كلمته.»
المسؤول، معتقدًا أنها ضمن فريق التنظيم، وضع الوحدة في الجهاز.
وفجأة انطفأت أضواء القاعة.
وظهرت على الشاشة صورة واضحة من داخل الغرفة الخاصة في المستشفى.
ظهر حازم في التسجيل وهو يجلس بكامل صحته، ويضحك:
«مش قادر أصدق إن داليا صدقت الحكاية ووقعت في الفخ للمرة الـ96!»
ثم ظهر صوت شريف:
«فاضل 3 بس.. 99 مقلب، ونكمل المية! وبعدها تسيبها وترجع لريـم!»
ثم ظهر صوت حازم وهو يقول:
«ما تعملوش موضوع كبير.. هي اللي كانت بتصدق أي حاجة.»
عمّ الصمت في القاعة.
والد ريم كان ينظر إلى الشاشة بذهول.
والحاضرون بدأوا يتبادلون النظرات.
حازم تجمد في مكانه.
وأصحابه بدأوا يتراجعون للخلف.
لكن المفاجأة لم تكن التسجيل وحده.
أمسكت داليا بالميكروفون، وغيّرت الشاشة إلى مجموعة من المستندات.
وقالت بصوت واضح:
«مساء الخير جميعًا.
بما إننا في حفل احتفال بالنجاح، أحب أقدم لكم حقيقة المرة الـ96.
التبرع اللي قدمته لحازم كشف لي حقيقة الخدعة، وخلاني أعرف حاجات كنت غافلة عنها طوال 3 سنين.»
ثم التفتت إلى والد ريم وقالت:
«يا أستاذ الألفي، المستندات الموجودة قدام حضرتك بتوضح تفاصيل الالتزامات والمشروعات والحقوق المرتبطة بحازم، وكل الأوراق هتتراجع من خلال الجهات المختصة.»
صرخ حازم:
«كذابة! أنا ممضيتش على حاجة زي دي!»
أخرجت داليا هاتفها وشغلت التسجيل الصوتي:
«أنا موافق تمضي يا داليا، وهات التوقيع أهو.. أهم حاجة نخلص.»
ساد الصمت مرة أخرى.
والد ريم نظر إلى حازم بصدمة وغضب، ثم طلب من الأمن إخراجه هو وأصحابه من القاعة، مع اتخاذ الإجراءات الرسمية اللازمة.
وبدأت الجهات المختصة في مراجعة المستندات والتسجيلات والبلاغات المتعلقة بالموضوع.
ريم كانت في حالة انهيار من المفاجأة، بينما وقف حازم وأصحابه في حالة ارتباك شديدة.
نظرت داليا إلى ذراعها، إلى مكان الإبرة والأثر الأزرق البسيط.
ثم ابتسمت لأول مرة منذ سنوات.
لم تكن ابتسامة انتقام.
كانت ابتسامة شخص استعاد حقه في معرفة الحقيقة واتخاذ قرار جديد في حياته.
سحبت حقيبتها، ومشت بخطوات ثابتة نحو الباب الخارجي للفندق.
في الأسفل كانت سيارة والديها تنتظرها للانطلاق إلى مرسى مطروح.
تركت خلفها سنوات من الخداع والمواقف المؤلمة، وبدأت فصلًا جديدًا من حياتها.
فأحيانًا، موقف واحد كفيل بأنه يكشف حقيقة كاملة كانت مخفية لسنوات.
وداليا أخيرًا فهمت أن كرامتها ووقتها وثقتها بنفسها أغلى من أي علاقة لا تقوم على الصدق والاحترام.
النهاية


