عام

مرات ابني امانى السيد

مرات ابني من أول يوم جواز وهي شايلة البيت كله فوق دماغها، عمرها ما قالت «تعبت»، ولا مرة اشتكت لابني من حاجة، بالعكس كانت دايمًا بتحاول تخلينا مرتاحين على قد ما تقدر.

كانت بتصحى الصبح بدري، تجهز بنتي للمدرسة، تعمل لها الساندوتشات وتحضر شنطتها، وتنزل توصلها بنفسها، ولما ترجع تكون جايبة معاها الفطار لينا كلنا.

تحضر الفطار، وتصحيّنا نفطر، وبعدها جوزها يروح شغله وهي تشوف إيه اللي وراها في البيت وتخلصه واحد ورا التاني، ولما اليوم يخلص تطلع شقتها وهي بالكاد واقفة على رجليها.

وأنا كنت شايفة كل ده عادي. كنت بقول في نفسي: «ما هي مرات ابني، وده بيتها برضه».

لحد اليوم اللي دخلت عليَّ فيه وهي مترددة وقالت:

ـ ماما، أنا عايزة أروح أشوف بابا النهارده… هو تعبان أوي وماما قالتلي أجيلهم.

بصيت لها وقلت بمنتهى العادية:

ـ النهارده بالذات؟ بناتي جايين، وإنتِ عارفة إننا هنتغدى كلنا هنا. خلصي اللي وراكي وبعدين روحي.

سكتت شوية، وبعدين قالت بصوت مكسور:

ـ بس بابا تعبان وماما قالتلي أروح له.

ـ وأنا مالي؟ ما تخلصي اللي وراكي الأول.

من وقتها وهي بتشتغل، لكن واضح جدًا إنها بتعمل كل حاجة غصب عنها. إيديها بتتحرك، لكن عقلها كان في مكان تاني.

مرة وقفت تبص للموبايل، ومرة مسكت التليفون كأنها مستنية مكالمة، ولما لقيتها بتتنهد كتير قلت لها بعصبية:

ـ إنتِ بتعملي الأكل من غير نفس ليه؟! الأكل هيطلع وحش كده!

بصتلي ودموعها نزلت:

ـ أنا مش قادرة يا ماما… أنا عايزة أروح لبابا.

ـ خلصي وبعدين روحي.

ـ بس ماما كل شوية بتكلمني وبتستعجلني.

ـ خلاص بقى! اقفلي الموبايل وخلصينا.

فضلت تبكي وهي بتشتغل، وكل شوية موبايلها يرن. لحد ما أعصابي فلتت منها، أخدت التليفون من إيدها وقفلتُه وحطيته جنبي.

ـ لما تخلصي هديهولك. دلوقتي ركزي في اللي في إيدك.

رفعت عينيها ليّ، وكان شكلها وقتها عمره ما هيروح من بالي. كانت بتبصلي وكأنها عايزة تقول حاجة، لكن ما قالتش.

كملت شغلها، وأنا واقفة على راسها، كل ما تتأخر في حاجة أقول لها:

ـ يلا… بناتي جايين.

ـ خلصي السلطة.

ـ شوفي الرز.

ـ متكروتيش الأكل.

لحد ما خلصت كل حاجة. بناتي جم، اتغدوا، وهي قامت شالت السفرة وغسلت المواعين ونضفت المكان، كأنها كانت بتنفذ آخر حاجة مطلوبة منها في الدنيا.

وقتها ادتلها الموبايل. مسكته بإيد بتترعش وفتحه. أول ما فتح، لقت عشرات المكالمات الفائتة من أمها.

بصتلي بسرعة، وبعدين اتصلت بيها.

ما لحقتش تقول «ألو» حتى، إلا وصوت أمها انفجر في السماعة بالبكاء:

ـ إنتِ فين؟!

اتجمدت مرات ابني مكانها.

ـ في إيه يا ماما؟!

صوت أمها كان بيتقطع من العياط:

ـ أبوكي مات يا بنتي… الحقيه، سبنا ومشي!

الكلمة نزلت عليها كالصاعقة.

الموبايل وقع من إيدها على الأرض، وبقت سامعة صوت أهلها وعياطهم الجاي من الناحية التانية. وقفت مكانها مذهولة، جسمها كله بيرتعش من الصدمة، وعينيها مفتوحة على الآخر من هول الخبر.

ثواني معدودة وكانت صرخة وجع وقهر طالعة من جوه قلبها بتملأ الشقة.

بصتلي بعيون مليانة دموع، نظرة وجع عمرها ما هتمسح من ذاكرتي، وقالت وهي بتشاور عليَّ بصوت بيترعش:

ـ حسبي الله ونعم الوكيل فيكي! حرمتيني منه وهو في آخر لحظاته… حرمتيني أطلب منه إنه يسامحني لو زعلته في يوم، وأشوفه آخر مرة! ربنا يسامحك، لكن أنا مش هقدر أنسى اللي حصل.

ومن غير ما تستنى تسمع مني حرف، ومن غير ما تلتفت لبناتي اللي كانوا قاعدين، جرت على الباب.

فتحته ونزلت السلالم بسرعة، كأنها بتحاول تلحق أهلها وتكون جنبهم في أصعب لحظة، وسايباني واقفة مكاني.

بعد ساعة رجع ابني من الشغل، دخل البيت وبص حواليه باستغراب، وسأل بصوت قلقان:

ـ مال البيت ساكت كده ليه؟ وفين مراتي؟ مش عادتها تتأخر لحد دلوقتي!

سبقت بالكلام عشان أبعد اللوم عن نفسي، وقررت أقوله اللي حصل:

ـ مراتك أبوها مات.

وبعدين حاولت أبرر موقفي:

ـ ومش فاهمة ليه فضلت تدعي عليّ وتزعق وجريت في الشارع وهي في الحالة دي!

وقف مكانه، الشنطة وقعت من إيده على الأرض، وعينيه اتفتحت بصدمة، وبصلي بذهول وقال بصوت مرتعش:

ـ بتقولي إيه؟! أبوها مات؟! وإنتِ… إنتِ بتقولي إيه؟!

ـ طيب محدش كلمني ليه؟ أسيب الشغل وأروح لهم. يلا بينا دلوقتي نروحلهم بسرعة. أنا هدخل أغير، وإنتِ كمان، وهكلم بابا عشان يجيلنا هناك.

بلعت ريقي بصعوبة، وحاولت أبان عادية وأنا بقوله بتردد:

ـ نروح فين يا ابني؟ ما هم وسط أهلهم، وزمان البيت زحمة دلوقتي بالناس اللي جاية تعزي، وإحنا هنقرفهم وسط زحمتهم. لما يهدوا نبقى نروح واجب. ولا أقولك؟ روح لوحدك اطمن عليهم وتعال!

بصلي نظرة أول مرة أشوفها في عيونه، نظرة مليانة شك وحيرة، وقال بصوت حاسم ما فيهوش نقاش:

ـ واجب إيه وكلام إيه؟! دي مراتي يا أمي، وأبوها توفى، وأهلها دلوقتي في أصعب حالتهم ومش لوحدهم! مفيش وقت للكلام ده.. قومي البسي عبايتك يلا بينا. مش هسيب مراتي وأهلها في الظروف دي لوحدهم. حتى لو مش محتاجين، وقفتنا جمبها واجب علينا!

حاولت أتلكك تاني وأتهرب:

ـ يا ابني البس إنت واطلع على هناك، وأنا تعبانة ومش قادرة على الزحمة…

قاطعني وهو بيفتح باب الشقة:

ـ بقولك قومي البسي يا أمي! بلاش كلام كتير، مش هروح لوحدي وأسيبك، يلا!

حسيت إن شكوكه زادت، وإن إصراره بقى يعورني من جوه، فما لقيتش قدامي حل غير إني ألبس عبايتي وأنا بجر في رجليا من كتر الخوف والإحراج اللي مستنياني هناك.

ركبنا العربية، وطول السكة وأنا قلبي بيدق بسرعة، لحد ما وصلنا بيت أهلها.

الشارع كان مليان ناس، وطلعنا الشقة اللي كانت كلها حزن وبكاء. أول ما دخلنا، قابلنا أخوها أو حد من أهلها بالدموع، وابني دخل قدامي بخطوات مكسورة.

دخلنا جوه، ولقيتها قاعدة على الأرض، وشها باهت وعينيها حمرا ورموشها لازقة من كتر العياط، وحولها الحريم بيحاولوا يهدوها.

أول ما عينيها جت في عيني، وطلت في وشي، كأن شرارة ولعت فيها. نطت من مكانها، وقفت قدامي وهي بتترعش، وبصوت مجروح ومبحوح قالت في وسط الكل:

ـ إنتِ جيتي هنا تاني؟! إيه اللي جابك هنا؟! جاية تشمتي فيا صح؟!

جاية تشوفي إيه اللي حصل بعد ما حرمتيني منه؟! امشي من هنا.. امشي مش عايزة أشوف وشك! إنتِ السبب.. إنتِ اللي حرمتيني من وداعه!

الكل في الشقة اتجمد، والستات بصولنا بذهول، وابني وقف في النص باصصلي وباصص لها، عيونه متسعة من الصدمة، ومش فاهم حاجة خالص من اللي بيتقال!

قرب منها ابني بخطوات بطيئة، وشه أصفر ونبرة صوته بتترعش من الخضة والذهول اللي شافه:

ـ اهدي يا حبيبتي… اهدي واطلعي من اللي إنتِ فيه، وفهميني بالراحة.. إيه اللي حصل؟ وليه بتقولي الكلام ده لأمي؟

رفعت عينيها ليه، ودموعها نازلة بغزارة، وصوتها المبحوح هز القلوب:

ـ أمك يا محمود… أمك منعتني أشوف أبويا في آخر لحظاته عشان أخدمها هي وبناتها، وأنضف البيت بعد ما ياكلوا، كأني واحدة شغالة عندها!

وقفت وهي بتتكلم بصوت مليان ألم، وشارت عليّ بإيدها:

ـ فضلت تضغط عليّ طول اليوم وتستعجلني، وكل ما أمي تتصل بيا وتطلب مني أروح له، أمك أخدت التليفون من إيدي وقفلته وحطته جنبها!

حرمتني من أبويا في آخر لحظاته.. حرمتني أودعه وأشوفه آخر مرة.. أبويا توفى وأنا هنا بخلص شغل البيت يا محمود! توفى من غير ما أسمع صوته ولا أقوله سامحني!

وقعت الكلمات على ابني زي الصواعق المتتالية.

وقف مكانه متجمد، عينه اتسعت من شدة الصدمة، وبصلي بذهول مش مصدق اللي ودانه سامعاه.

لف ناحيتي، وبصلي بنظرة اتغير فيها كل شيء، وقال بصوت واطي وخشن من كتر الصدمة:

ـ كلامها صحيح ياما؟! عملتي فيها كده وهي أبوها في آخر لحظاته؟!

وقفت مكاني، لساني اتشل في بقي، وحسيت إن الأرض بتلف بيا. بصيت لابني اللي عيونه مليانة غضب وحزن، والكل حوالينا بيبصلي بنظرات لوم وعتاب قطعت في قلبي.

بلعت ريقي بصعوبة وبتلجلج في الكلام:

ـ يا… يا ابني اسمعني… أنا كنت… كنت…

قاطعني بصوت عالي هز حيطان الشقة كلها، صوت لأول مرة في حياتي أسمعه منه، كأن روحه بتطلع مع كل كلمة:

ـ أسمع إيه؟! أسمع إيه تاني ياما؟! إنتِ أذيتِ مراتي وحرمتِها من أبوها وهي في أمس الحاجة تكون جنبه!

إنتِ قسيتي عليها لحد ما وصلتيها للحالة دي؟!

بصلي بنظرة أخيرة مليانة كسرة وقهر، وقال ببرود وجعني أكتر من صراخه:

ـ ليكي حق تقعدي لوحدك… ويوم ما تحسي باللي عملتيه، ابقي افتكري إنك خسرتي ثقة ابنك كمان.

سابني واقفة في وسط الشقة، والكل بيبصلي بعتاب، وراح لمراته اللي كانت منهارة في العياط، وساعدها تقوم وخرج بيها عشان تهدا بعيد عن وشي.

وأنا بقيت واقفة لوحدي في وسط الناس، والكلمات بترن في ودني، وحسيت ساعتها إن الندم جه متأخر أوي، وإن القسوة ما بتجيبش غير الخراب والوحدة.

فاتت الأيام، لكن الإحراج والوحدة كانوا هما الضيف الثقيل اللي ما بيروحش.

حاولت أطلع لمرات ابني كذا مرة عشان أعتذر لها وأحايلها، وأقول يمكن قلبها يلين وتسامحني، بس أول ما كانت تشوفني كانت تبصلي بنظرة باردة وتقولي بصوت قاطع:

ـ ارتاحي.. مفيش بينا كلام تاني. ولا أنا هقدر أخدمك ولا أدخل بيتك تاني. اكتفي باللي حصل زمان، وسيبيني في حالي.

قفلت بابها في وشي نهائي، ورفضت تخدمنا أو تحط إيدها في البيت عندنا تاني، كأنها كانت طيف وراح.

اللي صدمني بجد هو بنتي الصغيرة؛ دي اللي كانت مرات ابني بتشيلها في عينيها وتجهزها للمدرسة، طلعت بتحبها بجد، وبقت تسيبني لوحدي وتطلع تجري على شقة مرات ابني عشان تقعد معاها وتساعدها في اللي تقدر عليه، وكأنها لقت الأمان هناك بعيد عن قسوتي.

أما ابني… فده اللي وجع قلبي بجد. بقى طول الوقت قاعد في شقته فوق، نازل على شغله وطالع على بيته ومراته، كأنه مش شايفني أصلاً.

لا كلمة حلوة، لا قعدة صفا، ولا حتى بيبص في وشي وهو نازل.

حتى بناتي الكبار، اللي كنت مفكراهم سند ليا، بقوا ييجوا زي الغربا، قاعدين متجهمين، وبيعاملوني بجفاء وعتاب صامت لأنهم شافوا اللي حصل بعينهم، ولما بطلب منهم طلب صغير بقوا يتهربوا مني.

لقيت نفسي لوحدي تماماً في بيت واسع، بشرب من نتيجة القسوة اللي زرعتها بإيدي.

بقيت أخدم نفسي بنفسي، أعمل لقمة لوحدي، وأكلم الحيطان من كثرة السكوت.

فهمت متأخر أوي إن الظلم عاقبته مرة، وإن المكان اللي كنت قاعدة فيه أتحكم في الناس من خلاله، اتهد بيا، ومبقاش ليا لا سند ولا ضهر، غير وجع ضمير ما بيخلصش.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى