ثمن القناع ج٢ منى السيد

صوت تكة الكالون الجديد وهو بيقفل كان عامل زي لحظة فاصلة قطعت كل حبل كان رابط طارق بالبيت ده.
طارق فضل متسمر في مكانه لثواني، عقله عاجز يستوعب إنه بره الشقة، في مدخل السلم، بفوطة مبلولة على وسطه وشعره بينقط مية على كتفه من شدة البرد. البرد لسع ضهره، بس إحساس الإحراج كان أقوى بكتير.
مد إيده بتردد، مسك أوكرة الباب المصفح وهزها بكل قوته، لكن الأوكرة كانت ثابتة ومابتتحركش.
“بسمة! افتحي يا بسمة! افتحي الباب ده، كفاية كده! افتحي بدل ما أضطر أتصرف!”
ما كملش جملته، ولقى باب شقة الحج فتحي، في الدور الرابع، بيتفتح بالراحة.
الحج فتحي، راجل على المعاش مابيعديش حاجة في العمارة، طلع نضارته من جيب جلابيته الصوف ولبسها، وبص لطارق من فوق لتحت بذهول.
“لا حول ولا قوة إلا بالله.. خير يا باشمهندس طارق؟ إيه اللي موقفك كده على السلم بعد المغرب؟ هدومك فين يا بني؟!”
طارق وشه احمر، وسحب طرف الفوطة يغطي بيه نفسه، وصوته طلع متوتر:
“لا يا حج فتحي.. مفيش حاجة.. الباب اتقفل عليا بالغلط وأنا كنت بنقل حاجة.. بسمة جوة ومسمعتش.”
الحج فتحي بص للكراتين والشنط المرصوصة على بسطة السلم وقال:
“باب مين اللي اتقفل يا بني؟ والكراتين دي كلها مرمية هنا؟ دي حاجتك كلها تقريباً! الشنط دي إيه يا طارق؟”
في اللحظة دي بالظبط، تليفون طارق، اللي كان مرمي في جيب الجاكيت الكحلي فوق واحدة من الكراتين، رن بنغمة مخصوص عاملها لأمه.
الشاشة نورت باسم “ست الحبايب”.
طارق وطى بسرعة على الكرتونة، كتم الموبايل في إيده، وبص للحج فتحي وقال بصوت منخفض:
“ثواني يا حج بعد إذنك.. مكالمة مهمة.”
دخل طارق ناحية الزاوية اللي جنب ماسورة الغاز عشان يتكلم براحة، وفتح الخط بصوت متوتر:
“أ.. ألو.. أيوة يا ماما.”
صوت مديحة طلع من السماعة مستعجل وفيه نبرة الأمر المعتادة:
“إنت فين يا طارق؟! السواق مستني تحت بيتك بقاله نص ساعة! إنت نسيت إن عزومة بكرة تجهيزها يبدأ من الليلة؟ الأجبان لازم تترص واللحمة تتجهز! إنت لسه ما نزلتش بالحاجة ليه؟ الضيوف هيجوا الضهر، عايز تخليني في موقف محرج؟!”
طارق بلع ريقه، وعينه راحت ناحية باب الشقة اللي وراه الأكل اللي اشتراه مخصوص للعزومة.
“يا أمي.. اسمعيني بس.. حصل ظرف كده..”
مديحة قاطعته بسرعة:
“ظرف إيه؟! إنت بتهزر؟! أنا قايلة للناس إن ابني مهندس كبير وجايب حاجات مخصوص للصالون! اتصرف، خد تاكسي أو أجر عربية، المهم الحاجة تكون عندي قبل الساعة عشرة.”
الخط قطع في وشه.
طارق حس إن الدنيا بتلف بيه.
قعد على واحدة من الكراتين وهو ماسك راسه بإيديه، والبرد بيزيد حواليه.
بص على كرتونة هدومه، وطلع بنطلون ترنج قديم كان فوقها، لبسه بسرعة، وقعد يخبط على باب شقته تاني، لكن المرة دي بصوت مليان رجاء:
“بسمة.. افتحي عشان خاطر العيال.. نتفاهم جوة. الموقف بقى محرج قدام العمارة كلها. افتحي وخدي اللي إنتي عايزاه، بس خلينا نتكلم.”
من ورا الباب المصفح، صوت بسمة طلع هادي ومستقر:
“الشارع ده هو اللي إنت كنت عايز ترمي فيه كرامتي وكرامة ولادك لما قلت ياكلوا رز وعدس عشان والدتك متدخلش بإيدها فاضية.”
سكتت لحظة، وبعدين كملت:
“مفاتيحك وحاجتك كلها عندك. انزل خد تاكسي وروح لوالدتك، وقولها إن ابنها جه وإيده فاضية، لأنه اختار يصرف على المظاهر على حساب عياله.”
طارق رد بسرعة:
“والفلوس اللي دفعتها في الأكل ده كله؟ دي فلوس كنت محوشها وسلفيات استلفتها عشان العزومة! هتروح عليا كده؟!”
بسمة ردت من خلف الباب:
“الأكل ده دخل تلاجة ولادك يا طارق. اعتبره جزء من اللي المفروض كنت بتصرفه عليهم. ولادك أولى بالأكل من أي عزومة.”
صوت رجلين طالعة على السلم خلا طارق يخرس تماماً.
كان البواب، عم شعبان، طالع وفي إيده مقشة وجردل، ووراه ابن الحج فتحي الصغير.
عم شعبان وقف مستغرب:
“يا ساتر يا رب.. إيه ده يا باشمهندس طارق؟! هو حضرتك بتعزل في نص الليل كده ليه؟! والحاجات دي كلها معطلة السلم!”
طارق حس إن الموقف بقى أصعب.
الراجل اللي كان زمان بيتعامل مع البواب بثقة، واقف دلوقتي وسط كراتينه وشنطه ومش عارف يقول إيه.
“مفيش يا عم شعبان.. بنرتب الشقة بس.. شيل الشنط دي تحت على الرصيف لحد ما أطلب عربية.”
عم شعبان هز راسه باستغراب:
“طب والست والعيال مش معاك؟”
طارق رد بسرعة:
“نزل الحاجة وإنت ساكت يا عم شعبان.”
نزل طارق السلم ورا الشنط خطوة بخطوة.
كل درجة كان بينزلها كانت بتحسسه إنه بيدفع ثمن قراراته.
لما طلع للشارع، الهوا البارد لطش وشه، وقعد على كرتونة من كراتينه على الرصيف مستني العربية.
الناس اللي رايحة وجاية من صلاة العشا في الجامع اللي في أول الشارع كانت بتبص عليه باستغراب.
جوة الشقة، الدنيا كانت مختلفة تماماً.
بسمة سندت ضهرها على الباب بعد ما سمعت خطواته وهي بتبعد.
أخدت نفس طويل، نفس كان محبوس جواها بقاله ست سنين كاملة.
حست إن الشقة اللي كانت ضيقة وخانقة فجأة بقت أوسع، والسقف اللي كان ضاغط عليها بقى أخف.
راحت أوضة الأطفال، لقت مازن صحي وقاعد على السرير بيفرك في عينيه.
“ماما.. هو مين اللي كان بيخبط جامد كده؟ بابا جه؟”
بسمة قعدت جنبه، مسكت وشه بين إيديها وباست جبينه.
“ده الهوا يا حبيبي.. الباب اتحرك بس. نام إنت وارتاح.”
مازن سألها:
“هو بكرة في موز يا ماما في اللانش بوكس؟”
بسمة ابتسمت بدموع خفيفة ومسحتها بسرعة:
“بكرة في موز وتفاح أحمر، وجبنة بتحبها، وفراخ ولحمة.. بكرة هناكل كل اللي نفسك فيه يا قلب أمك.”
الولد ابتسم ونام وهو مطمن، ومريم جنبه كانت نايمة بهدوء.
بسمة قامت ودخلت المطبخ.
ولعت النور، وبصت للتلاجة الكبيرة.
فتحت القفل الصغير بالمفتاح اللي في جيبها، وفتحت البابين على وسعهم.
الرفوف كانت مليانة أكل: اللحوم، والجبن المستوردة، والحلويات، والمكسرات والفاكهة.
مدت إيدها، طلعت تفاحة حمرا كبيرة، غسلتها وأكلت منها.
طعمها كان مختلف؛ لأنها المرة دي كانت بتاكل من غير ما تحس إنها محرومة هي وولادها عشان ترضي حد تاني.
قعدت على ترابيزة المطبخ وفتحت اللاب توب بتاعها.
الشغل هو اللي سندها، وهو اللي هيفضل يساعدها.
كتبت رسالة لمحامي العيلة، الأستاذ سعيد، اللي كان صاحب أبوها برضه:
“مساء الخير يا أستاذ سعيد.. أنا غيرت كالون الشقة، ومعايا عقد الإيجار الأصلي باسمي وإيصالات السداد. طارق ساب البيت الليلة، وعايزة أبدأ الإجراءات القانونية المناسبة بخصوص الانفصال والنفقة للصغار بما يتناسب مع دخله الحقيقي، ومعايا المستندات اللي تثبت التزاماته المالية. مش هتنازل عن حق ولادي.”
قفلت اللاب توب وحست براحة غريبة.
راحة الست اللي قررت تحمي نفسها وولادها، وتاخد الطريق القانوني بدل ما تستنى الظروف تتغير لوحدها.
في الناحية التانية من القاهرة، في حي مصر الجديدة، وتحديداً في شقة الست مديحة، كانت الساعة داخلة على واحدة بعد نص الليل.
الصالون المذهب كان بيلمع، والمفارش الأنيقة مفروشة على السفرة الكبيرة، والفضيات مرصوصة، لكن السفرة كانت فاضية تماماً.
مديحة كانت رايحة جاية في الصالة، عمالة تتصل بالتليفون:
“ما بيردش ليه ده كمان؟! ده زمان الضيوف بيتصلوا يأكدوا الميعاد! الست فوزية، وناهد هانم.. أقولهم إيه بكرة؟! إن السفرة مفيهاش غير شاي وبسكوت؟!”
فجأة، جرس الباب رن رنات متقطعة.
مديحة جرت على الباب وفتحته وهي بتتكلم بعصبية:
“كل ده تأخير يا طارق؟! إنت بتلعب بأعصابي.. فين الحاجات؟!”
وقفت الكلمة في زورها، ورجعت خطوة لورا وهي مستغربة:
“إيه اللي حصل لك يا بني؟!”
طارق كان واقف قدامها، شعره منكوش، والملابس اللي لبسها متبهدلة، وتحت عينيه علامات الإرهاق.
وراه على بسطة السلم كانت الكراتين والشنط.
مديحة بصت له باستغراب:
“طارق.. فين الأكل؟ فين الحاجات اللي قلتلي عليها؟ فين اللحمة والجبن؟!”
طارق دخل الشقة وجر رجليه بالعافية، وقعد على أقرب كرسي، وصوته طلع متعب:
“طردتني يا أمي.. رمتني بره وغيرت الكالون.”
مديحة برقت وعينيها وسعت:
“مين دي اللي تطردك؟! بسمة تطرد ابني؟! وإنت سكتلها؟!”
طارق رد بصوت منخفض:
“الشقة باسمها يا أمي.. والعقد باسمها، وأبوها كان متكفل بيها من زمان.. والجيران اتجمعوا والبواب كان ممكن يستدعي الشرطة.”
مديحة سكتت لحظة، وبعدين قالت:
“الشقة باسمها إزاي؟! وإنت كنت بتدفع الإيجار ليه كل شهر؟!”
طارق بص في الأرض ومردش.
مديحة رجعت تسأله:
“والأكل؟! الحاجة فين يا طارق؟! قولي إنك سايب الشنط في العربية! قولي إن الأكل جاي!”
طارق رفع وشه، وعينيه امتلأت بالدموع:
“الأكل عند ولادي يا أمي.. بسمة حطت كل حاجة في التلاجة وقفلت عليها، وقالتلي إن ولادي أولى بيها من أي عزومة.”
مديحة مسكت دماغها وقعدت على الكنبة وهي متوترة:
“أنا بكرة عندي صالون ثقافي فيه ناس مهمة! أقولهم إيه لما ييجوا؟! أقولهم ابني حصل له كده؟!”
طارق بصلها في اللحظة دي لأول مرة بنظرة مختلفة.
شاف الست اللي قضى سنين يحاول يرضيها على حساب بيته وولاده.
ما سألتهوش: “إنت تعبان؟”
ولا قالت له: “هتعيش فين؟”
كل اللي كان فارق معاها هو شكلها قدام الضيوف.
طارق ابتسم ابتسامة حزينة:
“هو ده اللي فارق معاكي يا أمي؟ الصالون؟ طب انزلي الصبح هاتي لهم عيش وفول وفلافل وقولي لهم ده أكل شعبي، عشان أنا مرتبي خلص، ومش معايا فلوس دلوقتي.”
مديحة بصت له بضيق وقامت:
“قوم يا طارق من على الصالون.. قوم نزل الكراتين دي في البلكونة اللي ورا، وبعدين ادخل نام في أوضة التخزين الصغيرة لحد ما نشوف الموضوع ده هيتحل إزاي.”
طارق قام من مكانه، وشال أول كرتونة وهو ساكت.
بعد مرور ستة شهور..
في شقة بسمة، كانت الشمس داخلة من البلكونة ومنورة الصالة كلها.
ريحة البيت كانت مخبوزات طازة وفانيليا.
ترابيزة السفرة، اللي كانت زمان شاهدة على التوتر والحرمان، كان عليها فطار بسيط ومليان بركة: بيض مسلوق، جبنة قريش بالنعناع وزيت الزيتون، طماطم وخيار، وعصير برتقال طازج.
مازن كان قاعد لابس مريلة المدرسة الجديدة، بياكل الساندوتش بتاعه وبيضحك مع أخته مريم اللي كانت بتلعب بالمكعبات الملونة على السجادة.
جرس الباب رن.
بسمة راحت فتحت.
كان الأستاذ سعيد المحامي، لابس بدلته وشايل شنطة جلد في إيده.
“صباح الخير يا بنتي، جمعة مباركة.”
“صباح الفل يا عم سعيد، اتفضل.. تشرب شاي ولا قهوة؟”
“تسلم إيدك يا بنتي، قهوة مظبوط لو مفيش تعب.”
قعد الأستاذ سعيد وطلع ملف من شنطته وحطه على السفرة.
“جبتلك أخبار كويسة يا بسمة.”
بسمة قعدت قدامه، وعينيها فيها ثقة وهدوء ما كانوش موجودين من سنين.
“خير يا عم سعيد؟”
“الحمد لله، الإجراءات القانونية خلصت، وصدر الحكم النهائي لصالحك، وانتي دلوقتي حرة تماماً. وكمان صدر حكم النفقة، والمحكمة ألزمت طارق بدفع مبلغ شهري للصغار وأجر مسكن، وتم اتخاذ الإجراءات الرسمية لتحصيل المبلغ من دخله.”
بسمة اتنفست بارتياح:
“والوَصل اللي كان عند والدي الله يرحمه؟”

