حكاوى شيمو ج٢

فتحت لي الباب، وبصت لي وهي بتعيط، وقالت:
“أنا كنت مستنية تيجي… بس قبل ما أرجع، لازم تعرفي أنا كنت بتكلم مع ولادك بالطريقة دي ليه.”
دخلت وقعدت قدامها، وقلبي كان مقبوض.
قلت لها:
“قولي… أنا جاية أسمعك للآخر، من غير ما أقاطعك.”
مسحت دموعها وقالت:
“أنا عمري ما كرهت ولادك… بالعكس، والله كنت بحبهم، وكنت بفرح لما ييجوا عندنا.”
بصيت لها باستغراب.
قالت:
“بس في حاجة حصلت من وراكي، وإنتِ ما تعرفيهاش.”
سكتت شوية، وبعدين قالت:
“كل مرة كنتي بتيجي فيها عند مامتك، كانت ماما بتسيب لي حاجات كتير أعملها، وأنا كنت بعملها من غير ما أتكلم. مش عشان أنا خدامة، ولا عشان الشغل هو اللي مضايقني… لكن عشان كنت بقول دي أم جوزي، وأنا لازم أستحمل.”
قلت لها:
“طب ولادي دخلوا في الموضوع إزاي؟”
قالت وهي بتبكي:
“كان في يوم ابنك الصغير دخل المطبخ، ووقع حاجة من غير قصد. ماما وقتها اتعصبت جدًا، وقالت لي: إنتِ مش شايفة ولاد أخت جوزك بيعملوا إيه؟ كل يوم نفس الحكاية، وأنا اللي بشيل الليلة.”
أنا اتصدمت.
قالت:
“أنا يومها اتضايقت جدًا، مش عشان ماما قالت كده… لكن عشان حسيت إن وجود ولادك في البيت بقى سبب جديد للوم عليا.”
سكتت.
وبعدين قالت:
“ومن يومها، كل ما ولادك ييجوا، كنت بخاف يحصل أي حاجة، وماما تزعل مني. فبدل ما أتكلم معاكي أو معاها، كنت بعصب عليهم.”
بصيت لها وقلت:
“يعني كنتِ بتتكلمي معاهم بحدة عشان خايفة من ماما؟”
هزت راسها.
“أيوه… ودي أكتر حاجة أنا ندمانة عليها.”
سكتنا شوية.
وبعدين قالت:
“بس في حاجة تانية.”
قلبي دق.
قالت:
“يوم الخناقة اللي حصلت بيني وبينك، أنا سمعت ماما وهي بتقول لك: البيت بيتك، تعالي في أي وقت، وولادك يدخلوا ويخرجوا براحتهم.”
وبصت لي وقالت:
“أنا وقتها فهمت إن مفيش مكان ليا في البيت ده.”
قلت لها:
“بس ماما ما كانتش تقصد كده.”
قالت:
“أنا عارفة دلوقتي… بس وقتها كنت مخنوقة ومتراكمة جوايا حاجات كتير، ففهمت كلامها بالطريقة الغلط.”
وبعدين بصت في الأرض وقالت:
“أنا حتى قلت لأخوكي إني مش عايزة أسيبكوا… أنا كنت عايزة أعيش معاه بس في بيت أحس إنه بيتي أنا كمان.”
سكتُّ شوية.
وبصراحة، لأول مرة حسيت إن كل واحدة فينا كانت شايلة وجع، وكل واحدة كانت فاكرة إن التانية هي السبب.
قلت لها:
“وأنا كمان غلطت.”
رفعت عينيها لي.
قلت:
“أنا غلطت لما حكمت عليكي من غير ما أسمعك. وغلطت أكتر لما كل مرة كنتي بتتكلمي مع ولادي بحدة كنت بشوفها كراهية، وما فكرتش أسألك إيه اللي مضايقك.”
دموعها نزلت.
وقالت:
“وأنا غلطت لما طلعت عصبيتي على ولادك. دول مالهمش ذنب.”
قلت لها:
“ولا أنا كنت عايزاكي تبقي مسؤولة عن كل حاجة في بيت أمي.”
ضحكت وسط دموعها وقالت:
“وأنا ولا كنت عايزة أكون مسؤولة عن كل حاجة.”
ضحكنا إحنا الاتنين.
وفي اللحظة دي، ماما دخلت علينا.
وقفت عند الباب وقالت:
“ممكن أدخل؟”
بصينا لها.
قعدت جنبنا، وقالت:
“أنا سمعت كل حاجة.”
وبصت لمرات أخويا وقالت:
“أنا آسفة.”
مرات أخويا اتصدمت وقالت:
“ماما، لا…”
قاطعتها:
“لأ، اسمعيني. أنا كنت فاكرة إن اللي بعمله طبيعي، وإنك مرات ابني ولازم تساعدي. بس نسيت إنك في الآخر إنسانة ليها طاقة وليها حدود.”
وبعدين بصت لي وقالت:
“وإنتِ كمان يا بنتي، أنا غلطت لما كنت بسيب لك البيت مفتوح على الآخر وأقول لك تعالي براحتك، من غير ما أحس إن ده ممكن يضغط عليها.”
سكتنا كلنا.
وبعدين ماما قالت:
“من النهارده كل واحدة ليها حياتها، ومحدش له فضل على التاني.”
مرات أخويا مسكت إيد ماما وقالت:
“أنا مش عايزة أسيبك… أنا بس كنت عايزة أحس إن ليّا مكان.”
ماما حضنتها وقالت:
“مكانك محفوظ يا بنتي… بس مش على حساب راحتك.”
بعدها رجعنا البيت.
وأخويا كان واقف مستنينا على الباب. أول ما شاف مراته، جري عليها.
قال لها:
“هترجعي؟”
بصت لي الأول، وبعدين لماما.
وقالت:
“هرجع… بس المرة دي مش عشان أنا مضطرة.”
أخويا قال:
“أمال؟”
ابتسمت وقالت:
“عشان حسيت إن البيت ده ممكن يبقى بيتنا كلنا… من غير ما حد يلغي وجود التاني.”
ومن يومها اتفقنا على حاجات بسيطة جدًا، لكنها غيرت حياتنا:
ماما مسؤولة عن حاجتها، ومرات أخويا مسؤولة عن حاجتها، وأولادي لما ييجوا يبقى أهل البيت كلهم متفقين إنهم ضيوف وليهم احترامهم.
وأنا كمان فهمت درس عمري ما هنساه:
مش كل واحدة بتتكلم بعصبية تبقى سيئة… ومش كل واحدة ساكتة تبقى راضية.
أوقات الإنسان بيكون ساكت لأنه مش عارف يقول إنه تعب.
وأوقات المشكلة الكبيرة مش بتبدأ من الخلاف نفسه…
بتبدأ من حاجات صغيرة اتراكمت، وكل واحد فضل ساكت لحد ما ظهرت المشكلة على السطح.
وأنا لحد النهارده لما أفتكر أول جملة قالها أخويا:
“ماما… هي قالت لك كل حاجة؟”
بضحك وأقول:
“يا ترى لو كنت سمعتها من الأول، كان زماننا وفرنا على نفسنا كل الوجع ده.”
الحمد لله إننا اتكلمنا قبل ما نخسر بعض.
ولو في حاجة اتعلمتها من الحكاية دي، فهي إن البيت مش بيتهدم بسبب مشكلة واحدة…
البيت بيتأثر لما كل واحد يفضل ساكت عن وجعه لحد ما الوجع يتحول لخلاف.
اللهم صلِّ وسلم وبارك على نبينا محمد ﷺ
#حكاوي_شيمو #احكي_مشكلتك_وفضفض #حكايات_واقعية #الصلاة_على_النبي



