ليلة فرح بنتي ج٢

ـ احكيلي اللي حصل من أول ما خرجنا من الفرح! إنت كنت آخر واحد معاها! أهل مروان حاولوا يبعدوني عنه، لكن أنا صرخت: ـ محدش يلمسني! أنا عايزة أعرف بنتي حصل لها إيه! مروان كان بيبكي وبيقول ـ رجعنا الشقة، ريهام كانت مبسوطة جدًا. قعدنا نتكلم ونضحك، وبعدها قالتلي إنها تعبانة فجأة من إرهاق الفرح… حست بدوخة وتعب في قلبها، وما هي إلا ثواني ووقعت قدامي فاقدة الوعي.
سكت لحظة، وبعدين كمل:
ـ اتصلت بالإسعاف وجريت بيها المستشفى، لكن الدكتور قال إنها وصلت متوفاة نتيجة هبوط حاد.
بصيت له في عينه:
ـ وانت ما حاولتش تسعفها؟
ـ حاولت والله!
ـ طب ليه ما اتصلتش بيا فورًا؟
ـ أنا كنت منهار… ما كنتش عارف أقولك إيه ولا أبدأ منين.
فضلت أبص له من غير كلام.
كان في حاجة جوايا بتقول إن القصة ناقصة، وإن في حلقة مفقودة.
وفي وسط الصدمة، افتكرت حلمي الغريب قبل الفرح بكام يوم:
بنتي كانت بتدور على ورق مهم، ومش لقياها، وكانت خايفة وحزينة.
فجأة سألت:
ـ مروان… ريهام كانت متضايقة من حاجة في الفترة الأخيرة؟
اتوتر.
ـ متضايقة؟ مفيش… يعني كنا مترتبين للفرح وعادي.
ـ لأ، أنا بسألك بجد، هل كان في ضغوط عليها؟
سكت، والسكوت ده خوّفني أكتر من أي إجابة.
ـ رد عليا!
قال بصوت واطي:
ـ هي كانت قلقة شوية بخصوص بعض الديون اللي عندي، وطلبت مني فترة نهدى فيها.
بصيت له طويلًا، وإحساس الأم كان بيصرخ جوايا إن بنتي ما ماتتش لمجرد إرهاق، وإن في سر كبير بيخبيه.
طلبت من أخويا يتصل بالطبيب اللي استقبل ريهام في المستشفى، وبعد وقت قصير، الطبيب جه عشان يوضح لنا التقرير الطبي.
قال لنا:
ـ يا مدام، الفحوصات الأولية أثبتت أن الوفاة طبيعية نتيجة هبوط مفاجئ، بس للأسف لاحظنا إن في بعض المتعلقات الشخصية والأوراق الخاصة بالمرحومة اختفت من غرفتها بالمستشفى أثناء زحام الطوارئ.
سألت بصوت مكتوم:
ـ أوراق إيه؟
قال الطبيب:
ـ أوراق ملكية ودفاتر تخصها، وشكليًا كده، حد دخل وغفل الكل واخدها.
ساعتها دخل واحد من رجال الإسعاف وقال:
ـ أنا كنت موجود، ولاحظت شخص غريب بيحاول يدخل الغرفة في وسط الزحمة.
حسيت إن الدنيا بتلف بيا. الحكاية مش مجرد وفاة عادية؛ في حد كان مهتم يوصل لملكاتها وأوراقها فورًا!
وفي نفس اللحظة، سمعنا صوت حركة في الصالة.
خرجنا بسرعة، لقينا واحدة من قرايب مروان واقفة مرتبكة وفي إيدها شنطة صغيرة.
بصيت لها وسألتها:
ـ إنتي هنا بتعملي إيه؟ وبتاعت إيه الشنطة دي؟
اتلخبطت وقالت:
ـ أنا… أنا كنت داخلة آخد حاجات تخصني نسيتها.
مروان بص لها بغضب وقال:
ـ إنتي دخلتي الشقة من غير إذني ليه؟
هي ما ردتش، وتصرفها زاد الشكوك.
وأنا فجأة افتكرت كلام ريهام قبل فرحها بيوم لما قالت لي:
“ماما، لو حصل لي أي حاجة أو حسيت بتعب، خلي بالك من أوراق الشقة اللي كتبتها بأسمي، لأن في محاولات للضغط عليا.”
وقتها افتكرتها قلق تجهيزات الفرح، لكن دلوقتي كل كلمة بقت ليها معنى.
طلبت من أخويا يقفل الشقة تمامًا وما يخليش حد يقرب منها، وفعلاً راح مع أعمام ريهام واتأكدوا من قفلها.
وبعد ساعة، اتصل بيا أخويا وقالي بصوت مصدوم:
ـ تعالي بسرعة… لقينا حاجة خطيرة.
روحت الشقة، ودخلت أوضة ريهام.
كل حاجة كانت زي ما هي، فستان الفرح متعلّق، وطرحتها فوق الكرسي.
أخويا أشار لدرج سري في المكتبة، فتحه وطلع منه ظرف عليه اسمي.
فتحت الظرف، ولقيت ورقة بخط يد ريهام:
“ماما… لو بتقري الكلام ده، يبقى أنا معرفتش أقولك الحقيقة بنفسي. أنا اكتشفت إن مروان كان بيستغلني ماديًا، وإنه وقعني في فخ عشان أجبر على التنازل عن شقتي لصالحه لسداد ديونه. وحاولت أواجهه وأجيب أوراقي منه.”
جسمي كله اتنفض، وكملت قراءة:
“لو حصل لي مكروه، دوري على موبايلي القديم، مخبياه في صندوق بابا القديم في المخزن، عليه تسجيلات لكل المحادثات.”
جرينا على المخزن، وفتحنا الصندوق الخشب القديم.
لاقينا الموبايل، وفتحنا التسجيلات.
سمعنا صوت ريهام وهي بتقول وهي بتبكي:
ـ أنا مش قادرة أستحمل التهديد يا مروان، مش هبيع شقيري عشان تسدد ديونك!
وصوت مروان بيرد بقسوة:
ـ هتحبي ولا هتكرهي هتتنازلي عنها، وبكرة تندمي!
التسجيل انتهى على كده.
بصيت لأخويا وقلت:
ـ لازم نروح للشرطة فورًا بالدليل ده.
وبالفعل، توجهنا للجهات المختصة وقدمنا التسجيل والأوراق.
الشرطة تحركت سريعًا، وواجهت مروان وقريبته بالتسجيلات وبمحاولة سرقة الأوراق والضغط المالي والنفسي على الضحية.
انهار مروان واعترف إنه تسبب في حالة الانهيار العصبي الشديدة التي تعرضت لها ريهام ليلة الفرح نتيجة تهديداته المستمرة وضغطه المالي عليها لإجبارها على التنازل عن أملاكها، بينما اعترفت قريبته أنها دخلت لسرقة المستندات لإخفاء أدلة الابتزاز المالي.
وقتها وقفت قدام قبر بنتي بعد أيام.
حطيت إيدي على التراب وقلت:
ـ سامحيني يا ريهام… سامحيني إني ما عرفتش احميكي من البداية من طمَعهم.
ووسط دموعي، افتكرت حلمي القديم.
فهمت إن الحلم ما كانش مجرد صدفة، بل كان انعكاس لقلقها المستمر وخوفها الحقيقي من الضياع وفقدان الأمان.
ومن يومها وأنا مؤمنة إن إحساس الأم الصادق لا يخاب أبداً.
ريهام راحت في ليلة فرحها، لكنها سابت لي الحقيقة مكتوبة بإيديها، ودرستني إن المظاهر ممكن تخفي خلفها وجوهًا طماعة.
وأنا صحيح خسرت بنتي الوحيدة، لكن حقها ظهر، وانكشفت كل ألاعيبهم.
وبعد شهور، وأنا بفتح دولابها للمرة الأخيرة، لقيت صورة لينا وإحنا صغيرين.
خدتها في حضني وابتسمت وسط دموعي وقليت:
ـ وحشتيني يا بنتي… بس اطمني، ماما ما سابتش حقك، وحقيقتك ظهرت للكل.
“هذه القصة من وحي خيال الكاتب، وأي تشابه بينها وبين الواقع في الأسماء أو الأحداث هو محض صدفة غير مقصودة.”




