جوهرة البنهاوى

الجو في قصر البنهاوي كان مكهرباً، ريحة العطر الفرنسي الغالي كانت بتختلط بريحة الغل اللي طالع من نفس ثريا هانم. كانت واقفة قدام المراية بتعدل عقد الألماظ بتاعها، ووشها مليان استنكار وكأنها بتشم ريحة مزعجة وسط القصر. ثريا بصوت حاد زي المشرط: “إنت عاوز تقنعني إن الجاهلة دي، اللي جاية من وسط الريف والزرايب، هتشرف ابني؟ ادم البنهاوي، اللي بنات الهوانم بيقفوا طوابير عشان نظرة منه، يتجوز الفلاحة اللي مابتفكش الخط؟ دي أكيد ريحتها مش هتعجب سوزي المثقفة، إزاي هتقعد معاها في مكان واحد؟”
مصطفى بيه، اللي كان قاعد ورا مكتبه الأبنوس، بصلها بنظرة خلت الكلمات تقف في زورها. نظرة رجل صعيدي الأصل، عارف يعني إيه أصول ويعني إيه كلمة عيلة. مصطفى بصوت هادي ومرعب: “الفلاحة دي يا هانم، هي اللي شايلة اسم أخويا أحمد البنهاوي.. أنضف وأرجل راجل شفته في حياتي. فاتن دي جوهرة مكنونة، ولو جزمة فاتن لمست عتبة القصر ده، فهي بتشرفه. الجواز بعد شهر، وفاتن هتعيش هنا ملكة، ولو سمعت منك كلمة واحدة تجرحها، أنتي عارفة كويس أنا ممكن أعمل إيه.. أنا ممكن أرميكي برا القصر بالهدوم اللي عليكي، وأرجعك لفقرك القديم!”
ثريا سكتت، والغل بياكل في قلبها.. في سرها قالت: “ماشي يا مصطفى، أنا هقبل المهزلة دي عشان خاطر الملايين والورث، بس أول ما الورق يمضي، هرمي الفلاحة دي، وهخلي أيامها صعبة.”
المشهد الثاني: صفقة سوزي
في المكتب التاني، كان آدم قاعد مع سوزي خطيبته اللي شكلها يوحي بالرقة، بس قلبها عبارة عن آلة حاسبة. سوزي بدلال: “يا حبيبي اهدي.. إحنا اتفقنا إن دي مصلحة. الجد كتب الوصية كدة، الجواز من فاتن شرط عشان تستلم الـ 500 مليون جنيه والشركات. اتجوزها شهر، شهرين، خد الفلوس، وبعدين طلقها ونرجع لبعض ونعيش ملوك.”
آدم بضيق: “أنا قرفان يا سوزي.. قرفان إني هجبر على جوازة من واحدة مابتفهمش في أصول المدن، إزاي هبص في وشها؟”
سوزي ضحكت: “معلش يا بيبي.. الفلوس تستاهل الضحية.”
آدم راح لمكتب والده وهو حاسس إنه مساق للمذبح. وافق ببرود، لكن والده حذره تحذير أخير: “مصطفى، لو دمعة واحدة نزلت من عين فاتن بسببك، هنسى إنك ابني.. فاتن أمانة، والوصية دي مش عشان الفلوس، دي عشان تنقذ رقبتك من الوحل اللي إنت عايش فيه مع سوزي وأمك.”
المشهد الثالث: ليلة الزفاف
تاني يوم.. القصر كان متزين، بس الوجوه كانت كئيبة. ثريا كانت واقفة بتبص للساعة بانزعاج، وآدم كان لابس بدلته السوداء وكأنه رافض يقابل حد.
وفجأة.. الباب الكبير للقصر اتفتح. دخل مصطفى بيه وهو ماسك إيد العروسة. آدم مكنش عاوز يبص، كان باصص في الأرض وبيردد في سره: “يا رب تخلص الليلة دي.”
لكن فجأة، سمع صوت شهقة مكتومة من أمه، وصوت وقع كوباية العصير من إيد سوزي. رفع عينه ببطء.. وفجأة، الزمن وقف. قدامه كانت واقفة بنت.. ملامحها نور رباني. عيون واسعة مكحلة بجمال طبيعي، بشرة صافية، وفستان بسيط جداً بس خلى حضورها يبان راقي ومميز.
مصطفى بيه ابتسم بسخرية: “دي الفلاحة اللي كنت خايف منها.. دي اللي جدك وصاك عليها بروحك.”
المشهد الرابع: النار تحت الرماد
فاتن قربت من آدم، وبصت في عينه بنظرة قوية، نظرة خلت آدم يحس بصغر حجمه لأول مرة في حياته. مكنتش خايفة ولا مكسورة زي ما تخيل، كانت شموخ بيمشي على الأرض.
فاتن بصوت هادي، رزين، ولهجة فيها نبرة ريفية أصيلة: “ألف مبروك يا ولد عمي.. يظهر إن الطريق كان طويل، والناس اللي مستنياني كانت فاكرة إني جايبة معايا غبار الأرض.. بس الأرض مابتجيبش إلا الطيب.”
ثريا كانت تموت من الغيظ، الحضور ده هيهدد وجودها ووجود سوزي. سوزي قربت من فاتن بابتسامة صفراء: “أهلاً يا توتة.. أنتي أكيد تعبانة من السفر والبهدلة، تعالي السواقة هتوريكي أوضتك في الدور الأرضي جنب المطبخ، عشان ترتاحي.”
فاتن بصت لسوزي من فوق لتحت، وقالت برود يبرق: “أوضتي في جناح جوزي يا ست سوزي.. أنا مش ضيفة، أنا صاحبة بيت.”
آدم فتح بوقه من الذهول.. البنت دي هادئة وواثقة في نفسها وما بتهابش حد.
المشهد الخامس: في الجناح
دخل آدم وفاتن الجناح بتاعهم. آدم كان لسه مش مستوعب الصدمة.
آدم بقسوة مصطنعة عشان يداري ارتباكه: “اسمعي يا بنت الناس.. أنتي هنا عشان الورث وبس. جوازنا صوري، وأول ما الورق يخلص، كل واحد يروح لحاله. فاهمة؟”
فاتن بصت له بهدوء وقالت: “أنا كمان مش عاوزاك يا آدم.. أنا جاية هنا عشان وصية جدي، وعشان أحمي أرض أبويا من طمع الغرباء.. بس فيه حاجة لازم تعرفها.. أنا مابحبش الخيانة، ولو عرفت إنك لسه بتكلم البنت اللي كانت واقفة برا دي وإحنا في بيت واحد.. هخليك تندم على اليوم اللي سمعت فيه اسم فاتن البنهاوي.”
آدم قرب منها بحدة: “بتهدديني؟ أنتي متعرفيش حتى تمضي اسمك، هتعملي إيه؟”
فاتن ضحكت بهدوء، وطلعت من شنطتها الصغيرة شهادة مطوية.. فتحتها قدام عينه. صدمة آدم كانت زلزال.. الشهادة كانت ليسانس حقوق بتقدير امتياز من جامعة القاهرة!
فاتن: “مين قال إني مابعرفش أقرأ وأكتب؟ أنا عشت في المدينة سنين عشان دراستي، وكنت برجع البلد في الإجازة أزرع الأرض بايدي.. أنا محامية يا آدم بيه.. يعني لو حبيت ألاعبك بالقانون، هخليك تطلع من المولد بلا حمص.”
آدم تراجع لورا بذهول، وفي اللحظة دي، جرس الباب رن.. كانت ثريا ومعاها سوزي ومعاهم طلبات لتوتير الجو في أول يوم!
رواية جوهرة البنهاوي (الجزء الثاني والأخير)
المشهد السادس: الحقيقة تظهر
آدم كان واقف مصدوم من شهادة الحقوق، وفاتن كانت بتبص له بابتسامة نصر باردة. في اللحظة دي، خبط الباب ودخلت ثريا وسوزي. سوزي كانت شايلة صينية عليها كاسين عصير، ووشها مرسوم عليه براءة مزيفة.
ثريا بدلع مصطنع: “يا عرايس.. قولنا نجيب لكم عصير يروق دمكم.. اشربي يا فاتن يا حبيبتي، ده مخصوص عشانك.”
سوزي وهي بتقدم الكاس لفاتن: “اشربي يا توتة.”
فاتن، بذكاء المحامية اللي بتلمح التفاصيل، لاحظت إن سوزي عيناها بتهرب منها، ولاحظت وجود رواسب خفيفة في قاع الكأس. بصت لآدم، وبعدين بصت لثريا.
فاتن بهدوء: “كثر خيرك يا خالتي.. بس أنا مابشربش العصير ده. إيه رأيك يا ست سوزي، تشربي أنتي الكأس ده مكاني؟ إنتي شكلك مجهدة أوي.”
سوزي اتنفضت ووشها اصفر: “لأ.. لأ شكراً، أنا لسه شاربة.”
فاتن قامت وخدت الكأس، وحطته قدامها بصرامة: “لو العصير ده سليم، اشربيه إنتي.. ولا أنتي خايفة من حاجة إنتي عاملاها بإيدك؟”
ثريا حاولت تتدخل: “جرى إيه يا بنتي! بتغصبي على ضيفتي؟”
فاتن صرخت بحزم هزت الجناح: “الضيفة دي برا أوضتي حالا! والعصير ده هخده بكرة الصبح لمعمل التحاليل عشان أتأكد من محتواه!”
آدم فاق من صدمته، وبص لأمه وسوزي بشك: “فيه إيه يا ماما؟”
ثريا سحبت سوزي وخرجوا يجري من الأوضة قبل ما الأمور تكشف، وفاتن رمت الكأس وبصت لآدم وقالت: “ده أول درس يا ابن عمي.. اللي تعيش معاك لازم تحميك من عقارب بيتك.”
المشهد السابع: في قلب الشركة، المواجهة الكبرى
تاني يوم الصبح.. آدم نزل عشان يروح الشركة، واتفاجئ بفاتن لابسة طقم فورمال أنيق جداً، ولامة شعرها، وشايلة شنطة لاب توب.
آدم بذهول: “أنتي رايحة فين؟”
فاتن ببرود: “رايحة شغلي.. أنا شريكة بـ 50% من أسهم الشركة دي بموجب وصية جدي، ومن حقي أراقب كل مليم بيدخل ويخرج.”
في الشركة، سوزي كانت قاعدة في مكتبها بتخطط لسرقة عقد صفقة العمر عشان تبيعها لشركة منافسة وتهرب بالفلوس. دخلت فاتن الشركة، والموظفين كلهم وقفوا احترام لهيبتها. آدم كان ماشي جنبها وهو حاسس بالفخر.
دخلت فاتن مكتب سوزي من غير استئذان. سوزي بغيظ: “أنتي إيه اللي جابك هنا؟ دي شركة عالمية، مش مكان عشوائي!”
فاتن رمت ملف تقيل على المكتب: “المكان العشوائي هو اللي أنتي بتديريه.. الملف ده فيه تقرير بالصادر والوارد في آخر سنة.. فيه 5 مليون جنيه ناقصين من حسابات العلاقات العامة اللي أنت مسؤولة عنها.. تحبي نطلب النجدة ولا تعترفي بمكان الفلوس؟”
سوزي بدأت تترعش: “ده.. ده تزوير! آدم، الحقني!”
آدم دخل المكتب، وبص لفاتن وبعدين لسوزي. فاتن طلعت فلاشة وشغلتها على شاشة المكتب.. ظهرت سوزي وهي بتقابل منافس لآدم في كافيه، وبتاخد منه شنطة فلوس مقابل تسريب أسرار المناقصة الجديدة!
آدم وشه تغير من الغضب، وبص لسوزي ببرود وقرف: “أنا كنت هضيع مستقبلي وأخسر أبويا عشان واحدة خاينة زيك؟”
فاتن ببرود: “آدم، اهدى.. الشرطة برا مستنيناها.. والمدام ثريا هانم كمان مطلوبة للتحقيق لأن الحساب اللي كانت بتتحول عليه الفلوس، كان باسمها!”
المشهد الثامن: سقوط الأقنعة
في القصر.. المواجهة كانت حاسمة. مصطفى بيه كان قاعد، وفاتن جنبه بتمثل القانون، وآدم واقف وراها. ثريا كانت بتعترض بصوت عالي: “أنا كنت بعمل كدة عشانك يا آدم! عشان أأمن مستقبلك!”
مصطفى بيه بقرف: “تأميني مستقبله بالسراقة يا ثريا؟ تأمني مستقبله وأنتي بتموتي أبوه بالبطيء بالأدوية الغلط اللي كنتي بتديهالي؟”
نظرة الذهول كانت على وش الكل.. فاتن هي اللي اكتشفت إن ثريا كانت بتبدل دوا الضغط بتاع مصطفى بيه بمواد تانية تخليه دايماً متعب عشان يسهل عليهم السيطرة على أملاكه.
فاتن بقوة: “التحاليل أثبتت كل حاجة يا ثريا هانم.. أنتي وسوزي كنتم بتخططوا تستولوا على كل حاجة.. بس جدي الله يرحمه كان عارف أصلكم، وعشان كدة حط شرط الوصية.”
الشرطة جت وخدت ثريا وسوزي. القصر فجأة بقا هادي.
المشهد التاسع: بداية جديدة
بالليل.. آدم كان قاعد في الجنينة، باصص للسما ومكسوف من نفسه. فاتن قربت منه، كانت لابسة فستان ناعم وهادئ.
آدم بصدق: “فاتن.. أنا مش عارف أقولك إيه.. أنا كنت غبي، كنت فاكر إن القيمة في المظاهر.. مكنتش أعرف إن الجمال الحقيقي هو النفس الصافية والعقل الراجح.. أنا مأستاهلش كل ده.”
فاتن بابتسامة رقيقة: “آدم.. أنا مابحبش الراجل اللي بيعتذر بالكلام.. أنا بحب الراجل اللي أفعاله تثبت إنه بنهاوي بجد.. جدي وصاك عليا، بس أنا اللي جيت عشان أصونك وأصون اسم عيلتنا.”
آدم قرب منها، ومسك إيدها بكل احترام وحب: “فاتن.. أنتي مش بس مراتي بالوصية، أنتي بقيتي نبض قلبي.. تسمحيلي نبدأ من جديد؟ من غير ورق، ومن غير صفقات؟”
فاتن بضحكة هادئة: “بشرط واحد يا ابن عمي.”
آدم بلهفة: “أؤمري!”
فاتن: “تذاكر لي القانون كويس.. عشان بكرة عندنا قضية كبيرة في المحكمة، ولازم نكسبها سوا.”
آدم ضحك من قلبه، ووسط فرحة مصطفى بيه اللي كان بيراقبهم من الشباك وهو بيقول: “عفارم عليكي يا بنت أخويا.. صونتي البيت، وربيتي الراجل.”
المشهد الختامي:
بعد سنة.. فاتن وآدم بقوا أشهر ثنائي في عالم البيزنس والمحاماة. فاتن خلفت ولد، وسمته أحمد على اسم أبوها. ثريا وسوزي بقوا ذكريات ورا القضبان، والقصر بقا مليان ضحك وحياة. وفي يوم، آدم كان بيبص لفاتن وهي بتلعب مع ابنهم في الجنينة، همس لنفسه: “فعلاً.. الأرض مابتجيبش إلا الطيب.”
تمت.
“هذه القصة من وحي خيال الكاتب، وأي تشابه بينها وبين الواقع في الأسماء أو الأحداث هو محض صدفة غير مقصودة.”



