
6
سلفتي مقرفه جدا بطريقه ترجع النفس ، المصيبه اننا اكلنا وشربنا سوا طول اليوم والغريب ان جوزها وحماتي محدش منهم بيلفت نظرها لده ولا مهتم ، حاولت اتكلم معاها قالتلي انتي غيرانه، وقتها عرفت ان الذوق ملوش لزوم معاها ، وبنفسي حطيت حد لعكها وقرفها ؟؟
أنا عايشة في بيت عيلة في الأرياف حماتي قاعدة في الدور الأرضي، وأنا وسلفتي “إيمان” واخدين شقتين قصاد بعض في الدور التاني. بس الشقق فوق دي معموله للمبيت بس! بننزل من أول ما الشمس تطلع، ومابنطلعش شققنا غير بالليل عشان ننام. الأكل، الشرب، القعدة، وحتى النفس… كله تحت عند حماتي.
أنا وإيمان المفروض الشغل والمطبخ والأكل والشرب كله بيننا بالنص. بس أنا من أول يوم دخلت فيه البيت ده، وحياتي اتحولت لجحيم، والسبب مش الحمل التقيل ولا خدمة البيت… السبب كان إيمان نفسها.
إيمان دي عنوان العك والقرف! ست مش بتعرف يعني إيه نضافة من الأساس. لا بنضافة جسمها ولا بنضافة ولادها ولا بنضافة الأكل اللي بنحطه في بطننا. تصحي الصبح، تنزل طيران على المطبخ بجلابية النوم اللي نايمة بيها، مفيش حتى نقطة مية بتيجي على وشها. واضح جداً إنها بقالها أيام ماشافتش حنفية المية بتنزل مية إزاي، وتنزل بجلابية تقعد بيها تلت أربع أيام لحد ما يظهر عليها طبقات جير ووساخة، وبعدين تغيرها!
المصيبة الأكبر بقى جوة المطبخ… تدخل تعمل الأكل إيدها زفرة، مشمئزة، طين، مش فارق معاها. تقف تطبخ من غير ما تغسل إيدها. تيجي تاخد الحلة أو الطبق من المطبخ أقولها: “يا إيمان، اشطفي الطبق ده الأول قبل ما تحطي فيه الاكل”، تكركر بالضحك وتقولي ببرود يفرس: “أشطفه ليه يا ختي؟ هو احنا مش غاسلينه ورافعينه في الدلاب؟”
أقولها بالراحة وبكل ذوق “يا بنتي معلش، الدنيا صيف، يمكن جه عليه ترابة، حشرة مشيت عليه، نملة، لازم تشطفي الحاجة قبل ما تحطي فيها الأكل.”
تضحك بصوت عالٍ وتقولي: “يا اختي لو مشيت بطريقتك ووسواسك ده، مش هنخلص العشا قبل الفجر! سيبك سيبك، النار بتطهر كل حاجة!”
مرة كنا بنضف بط وفراخ للعيلة، وأنا مسكت البطة وعمالة أنضف بالواحدة وأشيل الريش الصغير والزفر ده خالص عشان شوربتها تطلع نضيفة. فجأة لقيتها شدت البطة من إيدي وقالتلي: “إيه اللي بتعمليه ده؟ كده مش هنخلص النهاردة والرجالة زمانهم جايين جعانين! الريش الصغير ده بيختفي في التحمير محدش بياخد باله منه!”
وقطعتها وطبختها بالريش والزفر بتاعها، وحمرتها… والغريب والمصيبة إن الرجالة وحماتي قعدوا ياكلوا ويقولولها: “تسلم إيدك يا إيمان، … وأنا قاعدة باصة للبطة ومش قادرة أحط لقمة في بؤي، وبقول في بالي: هو أنا اللي مجنونة ولا الناس دي مش بتحس؟
فضل الحال ده على قلبي زي الصخر لحد ما في يوم.
كانت بتعجن فطير مشلتت عشان نسويه للفطار. إيمان كان عندها زكام وربنا ما يوريك، مناخيرها سايبة. وأنا واقفة جنبها في المطبخ، ألاقيها بكل قرف تمسح مناخيرها بضهر إيدها، ومن غير ما ترمش حتى، ترجع تحط إيدها في العجين وتعجن!
أنا في اللحظة دي معدتي اتقلبت، كنت هصوت وأرجع ملقيتش نفسي غير وأنا بزعق: “إيه القرف ده يا إيمان؟! انتي بتعملي إيه؟! إزاي ناكل عجين بعد ما عملتي كدة بجد؟!”
وقفت وقفة تحدي، وحطت إيدها المتهببة بالعجين في وسطها، وبصتلي بمنتهى البجاحة وقالتلي: “جرى إيه يا بت انتي؟ حاطة نقرك من نقري ليه من ساعة ما دخلتي البيت؟ اكمني كل ما أعمل حاجة الرجالة والحاجة يقولوا تسلم إيدك يا إيمان وأكلك مفيش منه؟ ده قاهرك وكاويكي صح؟”
بصيتلها بذهول ومش مصدقة العقلية: “أنا كاويني؟ انتي قصدك إيه يا إيمان؟ أنا بكلمك في نضافة وفي أكل هنا كله بياكله!”
قالتلي بثقة تستفز بلد: “قصدي واضح! غيرة السلايف دي أنا مش فضيالها يا اختي، وفري كلامك لنفسك.” ورجعت تكمل عجن عادي جداً ولا كأن حاجة حصلت!
جه بالليل، والفطير طلع من الفرن، والكل قعد ياكل بمنتهى الانبساط، وحماتي وجوزها وجوزي نازلين في الفطير ويمدحوا: “الله يا إيمان، تسلم إيدك، مفيش حد بيعمل فطير مورق وطري زي فطيرك!”
وهي تضحك و تقولهم: “بالهنا والشفا على قلوبكم يا رب، مطرح ما يسري يمري!”
أنا طبعاً مقدرتش ألمس الفطير ولا أحط حتة صغيرة في بؤي. القرف كان خنقني. قمت عملت لنفسي طبق سلطة خضرا غسلت خضاره بنفسي ، وأكلته بس عشان أسد جوعي.
عدت أيام وأنا كل ما تشوف إيدها محطوطة في حاجة أقرف أكلها، بقيت عايشة على بواقي العيش الناشف والجبنة، لحد ما جعت وتعبت ومبقيتش قادرة أتحمل.
قلت مفيش غير حماتي، هي الكبيرة وهي اللي هتوقف القرف ده عند حده وتلفت نظرها.
نزلت لحماتي وكانت قاعدة لوحدها، قلتلها “بصراحة يا حماتي، أنا مش قادرة على الوضع ده… إيمان بتطبخ بطريقة مقرفة جداً ومش بتهتم بنضافتها ولا نضافة الأكل، وأنا معدتي مش مستحملة وبموت من الجوع.” وحكيتلها تفاصيل اللي بتعمله بالظبط عشان تنبهها.
بس حماتي بصتلي بصه كلها خبث ولؤم، وابتسمت نص ابتسامة وقالتلي: “. انتي عايزة تعزلي وتاكلي وتشربي لوحدك فوق في شقتك، مش كده يا نور؟”
اتصدمت! الكلمة نزلت عليا زي المية الساقعة: “أنا؟ لا والله يا حماتي مقصدتش كده خالص، أنا بكلمك عن النضافة!”
لقيتها قامت وزعقت في وشي “ولا تقصدي ! اسمعي كويس… أنا معنديش حد هيعزل هنا ولا ياكل لوحده! كله هياكل ويشرب مع بعضه هنا وسلفتك دي ست بيت شاطرة وبتخلص نفسها ومابتضيعش وقت، مش زيك تاخدي في الحاجة سنة … ولو مش عاجبك أكل سلفتك وعمايل إيدها… متاكليش يا ختي! محدش تحايل عليكي تاكلي!”
دموعي اتجمعت في عيني، وكنت هبكي من القهر. هو أنا بس اللي اتجننت في البيت ده؟ هو أنا بس اللي شايف إن اللي بيحصل ده قرف وميرضيش ربنا ولا يتقبله بني آدم؟ معقول الكل مش هامه؟
ساعتها، حافظت على هدوئيوقولتلها بصوت هادي جداً: “تحت أمرك يا حماتي، اللي تشوفيه.”
سيبتها ودخلت المطبخ …
لقيت إيمان واقفة قدام البوتاجاز بتعمل الصلصة. وبكل قرف، ألاقيها غطست صباعها جوة الحلة المغلي فيها الصلصة عشان تدوقها، وبعدين لحست صباعها ورجعت تحطه في الحلة تاني عشان تدوق ملحها!
وبنتها الصغيرة واقفة على كرسي جنبها، عمالة تكبش بإيدها الوسخة من حلة الرز وتأكل نفسها، وشعرها منكوش وهدومها مبقعة، وإيمان بتزعقلها ببرود: “الرز سخن على إيديكي يا بت الهبلة يا بنت الهبلة!”
المنظر كان يقلب البطن، بس المرة دي أنا مأقرفتش… المرة دي أنا ابتسمت.
ابتسمت ابتسامة هادية جداً، وقربت منها بخطوات واثقة، وقولتلها بصوت ناعم ومختلف تماماً عن كل مرة:
“تسلم إيدك يا إيمان… بصراحة، الكل تحت بيحب أكلك ممكن تعلميني بقى سرك في الطبخ؟ عشان أطلع شاطرة وبخلص بسرعة زيك؟”
إيمان بصتلي من فوق لتحت وابتسمت بغرور وقالتلي: “أيوه كده! اتعدلي معايا ، وأنا أعلمك وأظبطك وأخليكي ست بيت على أصوله!”
قربت منها اكتر واللي عملته وقتها… قلب الموازين كلها في البيت ده، وعرفت إزاي أحط حد للقرف ده للأبد!
ابتسامة الغرور التي ارتسمت على وجه إيمان في تلك اللحظة كانت بدايتي؛ كانت الشباك التي دخلت منها لأقلب السحر على الساحر. تظاهرت بالانصياع التام، وقررت أن أرفع عن كاهلي مصادمتها، وأنسحب من لعب دور “المصلح” الذي ألصق بي تهمة الغيرة والوسواس.



