عام

ندبة الخيانة شروق خالد ج٢

فينسنت بلع ريقه بصعوبة، وخطوة واحدة رجعها لورا ووشه متغرق عرق بارد: “جـ.. جابرييل؟! إنت.. إنت قمت إزاي؟!”جابرييل وقف على رجليه بالراحة. كان طوله وهيبته كافية تسد الأوضة كلها. كل خطوة كان بيمشيها ناحيتهم كانت طالعة بثبات ورزانة تخلي الركب تتسحب منها القوة.

 

الدكتور أدريان كان بيترعش لدرجة إن نظارته اتزحلقت على مناخيره، وبص لـ لوكا يستنجد بيه، بس لوكا وقف وراهم عند الباب وقفل الطريق تماماً، وإيده على مسدسه.”كنت فاكر إنك أذكى من كده يا فينسنت،” جابرييل قالها بصوت هادي جدًا. . هدوء يسبق العاصفة.

قرب منهم ورمى الشريحة المعدنية على أرضية الرخام تحت رجلين فينسنت. رنّتها كانت زي صوت رصاصة في الأوضة المقفولة.”شريحة تأثير على الأعصاب وتلاعب طبي؟” جابرييل بص للدكتور أدريان، وفجأة إيده الضخمة انطلقت وزقّته من رقابته لفوق، زنقه على الحيطة لدرجة إن طراطيف جزمته بقت طايرة في الهواء!

الدكتور بدأ يخنق ويتكتك: “أنا.. أنا مليش دعوة! هو.. هو اللي دفعلي! فينسنت هو اللي جاب الشريحة وطلب مني أزرعها!”فينسنت أخد خطوة تانية ورا وصرخ برعب: “كداب! هو اللي اقتَرَح الفكرة! قال إن الجرح هيبان طبيعي والتسمم هيتاخد على إنه حمى طوارئ!

“جابرييل ساب الدكتور فوقع على الأرض يكَحّ ويلهث من التعب. لف جابرييل لـ فينسنت، وعينيه أعمق وأقسى من أي وقت فات: “كنت فاكر لما تتخلص مني بالبطيء هتاخد الشركة والبنتهاوس وتعيش ملك؟”فينسنت نزل على ركبه بقلة حيلة، وجسمه كله بيترعش: “سامحني يا جابرييل! الشيطان دخل بيننا.. أنا.. أنا دمك!

“الدم اللي يخون.. مصيره المحاسبة الحقيقية يا فينسنت،” جابرييل قالها من غير ما يرمش. بص لـ لوكا وقال بنبرة حاسمة: “خد الاتنين دول.. وديهم المزرعة القديمة في الفيوم. لحد ما أفضالهم وأعرف مين تاني في المجلس كان متواطئ معاهم.

“لوكا شد فينسنت من ياقة بدلته وبص للدكتور بنظرة حادة: “قوم قدامي منك ليه.. الحركة الجاية هتكلفكم كتير.”أول ما لوكا أخد الاتنين وخرج بيهم على الأسانسير، الأوضة رجعت هادية تماماً. جابرييل أخد نفس عميق، وقف يبص للشباك لحظة، وبعدين لف رقبته وبص لباب الأوضة المفتوح سنة صغيرة.

“تقدر تخرجي يا نورا،” قالها بنبرة هديت تماماً وتغيرت 180 درجة. نورا فتحت الباب وخرجت بثبات، ماسكة شنطتها الطبية في إيدها. مكانش على وشها أي مظاهر خضة أو اندهاش، وكأن اللي حصل ده جزء طبيعي من يومها. قربت منه وبصت لرجليها بثقة: “مشيت كويس، بس الحركة الكتير دلوقتي غلط. الجرح لسة متخيط ولازم تتغير عليه كل 12 ساعة.”

جابرييل بص في عينيها لفترة طويلة. عينيه السودا الحادة كانت بتحاول تقرأ الست دي.. القوية، اللي ما اهتزتش قدام سلاح، ولا خافت من الموقف، ولا أخدت الكلام اللي اتقال عليها بعين الاعتبار، وأنقذت حياته في الوقت اللي أقرب الناس ليه كانوا بيأذوه.

“إنتِ مين بالظبط؟” جابرييل سألها بصوت واطي وخالي من أي تعالٍ. نورا ابتسمت ابتسامة خفيفة جداً، ورفعت شنطتها على كتفها: “أنا نورا بينيت.. الممرضة المحترفة.”جابرييل طلع محفظته الجلد وبص لها: “شيك بمليون جنيه يرضيكي؟

“نورا بصلته ببرود وقالت: “أنا باخد حق شغلي بالجنيه والقرش.. مش جاية أبيع وأشتري فيك. أجري العادي مع زيادة الساعات والتغيير الجراحي، وتاخده الوكالة وتديني مستحقاتي.”جابرييل اندهش، ولأول مرة من سنين طويلة، تظهر على وشّه ابتسامة حقيقية. ابتسامة فيها إعجاب شديد واحترام.

“لو مشيتي دلوقتي، مين هيغيرلي على الجرح بالليل؟” جابرييل سألها وهو بيحط إيده في جيبه. نورا بصت لـ ساعة إيدها وقالت بثبات: “نوبتي تخلص الساعة 8 الصبح. هاجي الساعة 8 بالليل عشان أغير على الجرح، وتكون ارتحت وخدت مضاد حيوي.”

لفت عشان تمشي ناحية الأسانسير، بس جابرييل نادى عليها بصوت دافي: “نورا.”لفت وبصلته: “نعم؟”جابرييل بص لها بعيون حادة وقوية وقال: “من النهاردة.. إنتِ الشخص الوحيد اللي مسموح له يدخل العمارة دي من غير استئذان.”

نورا هزت رأسها بهدوء وقالت وهي بتفتح باب الأسانسير: “نشوف الموضوع ده لما أجي بالليل يا سيد جابرييل.. سلام.”الساعة جات تمانية بالليل بالظبط. شارع النيل كان زحمة وأضواء العربيات منورة على المية، ونورا بينيت كانت طالعة في الأسانسير للدور الـ 58، ماسكة شنطتها الطبية الكبيرة في إيدها.

أول ما أبواب الأسانسير اتفتحت، لقيت الجو مختلف تماماً عن الصبح. المكان كان هادي، والهدوء ده مكانش هدوء خوف.. كان هدوء سيطرة. لوكا كان واقف عند الممر، أول ما شافها نزل إيده من على سلاحه وابتسم ابتسامة خفيفة فيها احترام واضح، ووسع لها الطريق من غير ما ينطق كلمة.

نورا مشيت بثبات ودخلت أوضة النوم الواسعة. جابرييل كان قاعد على الكنبة الجلد العريضة، لابس قميص أسود مفتوح أول زراير منه، قدامه لاب توب وأوراق شغل، وفي إيده كوباية قهوة سادة. أول ما شافها، قفل اللاب توب وحطه على الترابيزة.

“جيتي في معادك بالظبط،” جابرييل قالها بصوت هادي وراسي. نورا حطت شنطتها على الترابيزة وقالت وهي بتخلع الجاكيت: “أنا ممرضة محترفة يا سيد جابرييل، والمواعيد عندي مش رفاهية. اقلع القميص واقعد على السرير عشان أغير على الجرح.”جابرييل قام وقف بالراحة. الحركة كانت أسهل كتير عن الصبح، وجسمه بدأ يسترد قوته وحيويته الطبيعية. قلع القميص وقعد على طرف السرير وداها ضهره. نورا لبست القفازات المعقمة، وبدأت تفك الرباط الضاغط والشاش بهدوء ومهارة. الجرح كان نضيف، التورم قل بنسبة كبيرة، واللون الأحمر الملتهب بدأ يروح.

“الحرارة كام الوقتي؟” جابرييل سأل وهو حاسس ببرودة المطهر على جلده.”37.1.. طبيعية جداً،” نورا ردت وهي بتطهر المكان بالراحة. “والجرح التئم بشكل ممتاز. كمان يومين هنفك الخياطة.”جابرييل سكت لحظة، وبعدين قال وهو باصص قدامه: “لوكا حكالي على اللي حصل إمبارح بالليل.. حكالي عن الكلام اللي اتقال عليكي قبل ما يمشي.”

نورا ما وقفتش إيدها، وفضلت شغال بثبات: “الكلام ببلاش يا سيد جابرييل، والأشكال اللي زي دي مش بتاخد من وقتي ثانية تفكير.”جابرييل لف رقبته وبصلها بطرف عينه: “بس الناس بتستغل طيبتك وقوتك ضدك.”

“نورا حطت الشاش الجديد وثبتته بالبلاستر الطبي، وبعدين قلعت القفازات ورمتها في الكيس. بصت في عينيه وقالت بوضوح: “الناس بتحكم باللي شايفاه من برة لأن معندهاش عمق يفهموا بيه اللي جوة. أنا عارفة أنا مين، وعارفة أقيم نفسي كويس.”

“ابن عمي والدكتور اتعاملوا،” جابرييل قالها ببرود وهو بيلبس قميصه. “والشركة رجعت تحت سيطرتي الكاملة من العصر.”نورا لمّت حاجتها وحطتها في الشنطة: “ده شأنك الخاص.. أنا يهمني صحتك وبس. بكره هاجي الساعة 8 الصبح عشان الجرعة الأخيرة من المضاد الحيوي، وبعدها نوبتي معاك تنتهي والوكالة تبعتلك ممرض للغيار العادي.”

1 2الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى