ندبة الخيانة شروق خالد ج٢

جابرييل وقف وقرب منها خطوتين، وطوله وهيبته مالية المكان، بس عينيه كان فيها نبرة رجاء دافية: “أنا مش عايز ممرض تاني يا نورا.. أنا عايزك تمسكي الرعاية الطبية الخاصة بيا وبكل مؤسساتي، بالمرتب والتقدير اللي تحدديه.”نورا بصتله بابتسامة خفيفة، فيها كبرياء وكرامة: “أنا بشتغل بالتعاقد وباحترامي. لما أخلص عقدي مع الوكالة، نبقى نتكلم في العروض.”
شالت شنطتها على كتفها وبصتله بثبات: “ارتاح كويس الليلة دي، وماتجهدش رجلك. تصبح على خير.”لفت ومشت ناحية الباب بثقة، وجابرييل فضّل واقف مكانه يراقب ظهرها وهو بيسحب نفس عميق، وابتسامة إعجاب حقيقية على وشّه. عرف إن الست دي دخلت حياته مش بس عشان تنقذ جسمه، لكن عشان تغير نظرته للحياة كلها.
#حكايات_شروق_خالد
مرّ أسبوعان. جرح جابرييل التأم تماماً، وفُكّت الخياطة الجراحية دون أي مضاعفات، ورجعت له قوته الكاملة وصار يتحرك في بنتهاوس شيكاغو بنفس الهيبة والشراسة السابقة، لكن بشيء واحد مختلف: نظراته وطريقة تفكيره.
خلال هذه الفترة، رفض جابرييل أي ممرض آخر، وأجبر الوكالة على تمديد عقد نورا Bennett بالمرتب الذي تطلبه، شرط أن تشرف هي بنفسها على متابعته الطبية. وفي ليلة هادئة من ليالي سبتمبر الباردة، كانت نورا تُنهي زيارتها الأخيرة للمراجعة النهائية. جمعت أدواتها وضعتها في الحقيبة الطبية، ثم أغلقتها بصوت دقة خفيفة.
“الجرح التأم تماماً، والتحاليل الأخيرة ممتازة،” قالت نورا وهي تقف وتعدل معطفها، “من النهاردة، زياراتي الطبية انتهت يا سيد جابرييل.. مش محتاج ممرضة تاني.”كان جابرييل يقف عند الشباك الكبير الممتد للسقف، ينظر إلى أضواء شيكاغو. لف رقبته ونظر إليها ببطء، ثم مشى خطوتين بثبات وقوة، حتى وقف أمامها مباشرة.
“أنا فعلاً مش محتاج ممرضة،” قال جابرييل بصوت دافئ وعميق، خالي تماماً من أي رسميات. نورا رفعت حاجبها: “أومال؟”أخرج جابرييل ملفاً أزرق أنيقاً من جيبه وحطه على الترابيزة بينهما. “ده عقد إنشاء مركز طبي خاص لرعاية الحالات الحرجة وطوارئ الإصابات الصعبة.. باسمك، وتحت إدارتك المباشرة والكاملة. التمويل مني، والإدارة والقرارات الطبية كلها ليكي أنتِ بس.”
نورا بصت للملف بذهول هادي، وبعدين رفعت عينيها ولقت عينيه السودا بتبصلها باحترام شديد.”ليه؟” سألته نورا بوضوح.”عشان العالم ده مليان ناس سطحية بتتكلم كتير وما بتشوفش القيمة الحقيقية،” جابرييل قالها بثقة، “وأنتِ أثبتِ إن القوة مش في المظهر، ولا في الخوف.. القوة في العقل والكرامة. أنتِ أنقذتي حياتي، وأنا ما بسيبش دَين عليّا.”
نورا ابتسمت ابتسامة هادية حقيقية، ابتسامة امرأة عرفت قدر نفسها وقيمتها وما عادتش محتاجة تثبت حاجة لأي حد. مدت إيدها وأخدت الملف: “هقراه.. ولو الشروط عجبتني، هنبدأ شغل من بكره.”جابرييل ابتسم ومد إيده لمسكت إيدها بثبات وقوة: “اتفقنا يا دكتورة نورا.”
خرجت نورا من البنتهاوس ومشيت بثقة في الممر، وراها كانت أبواب الأسانسير بتقلّها للأسفل.. خرجت للشارع والهواء البارد بيلف حولين معطفها، وهي مرفوعة الرأس، عارفة إن الفصل الصعب من حياتها انتهى، وأن القصة الحقيقية لقوتها ونجاحها تبدأ حالاً.
مرّت ستة أشهر على ذلك اللقاء. في قلب مدينة شيكاغو، وفي واحد من أرقى أحياء المستشفيات والمراكز الطبية، افتُتح “مركز بنّيت للرعاية الحرجة والطوارئ”. مكان مصمم بأحدث الأجهزة الطبية، وبفريق تمريض وأطباء اختارتهم نورا بنفسها.. على أساس الكفاءة والأمانة والإنسانية، بعيداً عن الشكل أو المظاهر.
نورا كانت واقفة في مكتبها الواسع بالدور الأخير، لابسّة بالطو أبيض أنيق، بتبص من الشباك على الشارع تحت. مكانتش بتبص بحسرة على السنين اللي ضاعت من عمرها وهي بتحاول ترضي الناس، لكن بنظرة ست عرفت قيمتها، وفرضت احترامها على الكل. باب المكتب خبط خبطة خفيفة، ودخل جابرييل موريتي.
كان لابس بدلة سودا أنيقة، وشه رجع فيه اللون والقوة، ومشيته بثبات يملأ المكان هيبة. بس أول ما عينيه جت في عين نورا، ملامحه الحادة هديت تماماً.”الافتتاح ماشي زي الساعة،” جابرييل قالها وهو بيحط ملف على الترابيزة. “كل الصحف الطبية بتتكلم عن المركز وعن نورا بينّيت.. الممرضة اللي أثبتت إن الخبرة والكرامة أهم من أي مظهر.”
نورا ابتسمت ابتسامة هادية ورزينة: “الصحافة بتحب القصص المثيرة يا جابرييل.. أنا يهمني المريض اللي يدخل هنا يخرج على رجليه.”قرب جابرييل وقعد على الكرسي قدام مكتبها، وبصلها بعيون فيها احترام وعاطفة صادقة: “وأنا يهمني إنك تكوني مرتاحة.. وعارفة إن حمايتك وحماية المركز ده خط أحمر بالنسبة لي.”
نورا بصتله بذكاء وقالت: “فينسنت والدكتور أدريان أخبارهم إيه؟”جابرييل رد ببرود وهدوء: “القضاء أخد مجراه بالدلائل والشريحة.. الاتنين يقضون عقوبتهم بتهمة التآمر والمحاولة العمدية.”
أخد نفس عميق، وبعدين طلع من جيبه علبة مخملية صغيرة وحطها على الترابيزة قدام نورا. نورا رفعت حاجبها وبصت للعلبة: “إيه ده؟”جابرييل بصلها بثبات وقال بصوت دافي وعميق: “ده مش أجر، ولا شيك جديد.. دي دعوتي ليكي لعشاء بالليل. من غير أطباء، ومن غير ملفات شغل.. مجرد جابرييل ونورا.”
نورا بصت للعلبة، وبعدين بصت في عينيه بثقة وابتسمت ابتسامة خفيفة فيها رضا: “الساعة تمانية بالظبط يا جابرييل.. وأنا مش بتأخر على مواعيدي.”جابرييل وقف وابتسم ابتسامة حقيقية، وساب المكتب وهو متأكد إن الست دي مكانتش مجرد ممرضة أنقذت حياته.. كانت الشريكة والقوة اللي غيرت مجرى حياته كلها للأبد.
#حكايات_شروق_خالد




