عام

شهادة حق منى السيد ج٢

التليفون وقع من إيد منار على سجادة الصالة، وصوت الصدمة عمل صدى في الشقة كلها. فضلت باصة للشاشة اللي اسودت كأنها مش مستوعبة، شفايفها كانت بتترعش من غير ما يطلع منها صوت، وبعدين فجأة شهقت شهقة طويلة كأن روحها بتتسحب، وصرخت:

ـ عصام! عيالي… يا لهوي يا أبو يوسف!

رجليها مالت وخانتها وكانت هتقع على وشها، لكن مدّيت إيديا الاتنين ولحقتها بالعافية. كان جسمها كله بينتفض من شدة الخوف، وأنا دموعي كانت مغرقة وشي ورعبي بيصرخ جوايا. كل ده بسببي… كل الخراب ده عشان كدبة، عشان قطة، عشان سمك كان لازم أنطق عشانه!

ـ اهدي يا منار والنبي، البسي طرحتك، هننزل دلوقتي… هننزل سوا، والله ما هسيبك!

قلت الجملة دي وأنا مش عارفة بجيب القوة منين، بس كان جوايا إحساس غريب إن دي اللحظة الأخيرة؛ لو سكتت تانية واحدة كمان، البيت مش بس هيتخرب، ده هينهار فوق دماغ الكل ومش هتقوم له قومة أبداً.

نزلت منار تجري على السلم وأنا في ديلها، كانت نازلة حافية وبتعدل طرحتها على السلم وهي بتنهج. أول ما وصلنا مدخل العمارة، لقينا نسوان الحتة متجمعين حوالين شقة حماتي.

الباب كان مفتوح على آخره، وصوت صريخ وبكا طالع من الصالة، وأم إبراهيم جارتنا واقفة على العتبة بماية بسكر وبترش على وش حماتي اللي كانت ممدة على الكنبة، والضغط واطي وموشوش عليها.

أول ما النسوان شافوا منار، العيون كلها اتعلقت بيها بنظرات عتاب وهمهمات توجع القلب.

واحدة همست للتانية:

ـ مش دي اللي طردوها بعد العصر؟ راجعة ليه؟

منار وقفت متخشبة على الباب، وشها مطعون ومكسور، كأن كل خطوة بتدوس على كرامتها.

بس حماتي في اللحظة دي فتحت عينيها بتثاقل، ولما لمحت منار، الدم رجع في عروقها على شكل غضب وصوت مرتفع:

ـ جاية ليه يا غراب البين؟! جاية تشوفي عمايلك في ابني؟! ابني في المستشفى بسببك وبسبب المشاكل اللي حصلت!

ـ الناس كلها بتتكلم عنك وعن موضوع السمك، ولما راجل غريب كلمه بكلمتين حصلت مشكلة كبيرة! اطلعي برا بيتي… اطلعي برا، وشك فقر ونحس على عيالي!

الكلمات نزلت على منار زي السياط، رجعت خطوتين لورا وسندت على كتفي، دموعها كانت بتنزل ساكتة…

السكوت اللي بيوجع أكتر من الصريخ.

وفي اللحظة دي، حسيت بحاجة طقت في نافوخي. الخوف اللي كان شالني من الصبح اتبخر فجأة، وحل مكانه غضب أعمى من نفسي ومن الظلم اللي بيحصل قدام عيني.

شوفت وش منار المكسور، وشوفت عيالها الصغيرين اللي كانوا جايين بيجروا من أول الشارع بعد ما أم مريم جابتهم، وشوفت يوسف ابنها الكبير داخل بيعيط وهو ماسك في عباية أمه ويقول:

ـ ماما… بابا مات؟ بابا مش هيرجع تاني؟

المنظر ده حرق كل جبن جوايا.

زقيت الباب برجلي ودخلت في نص الصالة بصوت هز الجدران، صوت عمري ما طلعته في بيت العيلة من يوم ما دخلته عروسة:

ـ كفاية بقى! كفاية ظلم وتجريح ورمي بلا!

الكل سكت في ثانية.

النسوان بصولي بذهول، وحماتي عدلت ضهرها وعينيها برقت بشرارة:

ـ إنتي بتقولي إيه يا مقصوفة الرقبة؟! اتجننتي ولا خلاص مابقاش ليكي كبير؟!

ـ لا، متجننتش يا مرات عمي، أنا فوقت!

قربت منها ووقفت قصادها وش لوش، إيديا كانت بتترعش بس صوتي كان ثابت:

ـ منار مخدتش سمكاية واحدة، منار مش حرامية، ومنار أشرف من أي كلمة اتقالت في حقها النهاردة!

حماتي بصتلي باستنكار وضحكت باستهزاء:

ـ وبتحلفي عليها ليه يا محامية الغبرا؟ هو إنتي اللي شريتي ولا إنتي اللي وزنتي؟! السمك كان ناقص كيلو بحاله!

ـ السمك كان تلاتة كيلو مظبوطين على الميزان وطلعوا قدامي فوق السطوح!

صرخت وأنا بمسح دموعي بقهر:

ـ أنا اللي ضيعت السمك! أنا اللي ولعت الفرن ونسيت الولاعة، ونزلت وسيبت الصينية، ولما طلعت لقيت قطة السطوح أكلت من تلات سمكات كبار وبهدلتهم!

ـ أنا الجبانة اللي خفت من لسانك ومن لومك. قلت هتقولي عليا مهملة ومش قد المسؤولية، فرميت التلات سمكات في برميل الزبالة وشويت الباقي ونزلت بيه وسكتت!

الصالة اتملت بسكون رهيب، سكون تقيل زي طوبة اتحدفت في ماية عكرة.

النسوان حطوا إيديهم على بؤهم من الصدمة، وحماتي فكت بؤها وبصتلي وهي مبرقة عينيها ومش مصدقة اللي بتسمعه.

كملت وأنا ببكي بحرقة وبشاور على منار:

ـ سكتت وخليتكم تظلموها وتتشككوا في أمانتها! سكتت وخليت جوزها يمد إيده عليها ويطلقها عشان خوفي!

منار دورت ورايا وطلعت السمك من زبالة السطوح وعرفت السر وجاتلي شقتي تعاتبني، ومرديتش تفضحني قدام تامر!

ـ لو في حد يستاهل يطرد من البيت ده فهو أنا… مش هي!

حماتي لسانها ارتبك، حاولت تبلع ريقها وتجمع كلمتين، ملامحها اتغيرت من الغضب للارتباك والإحراج قدام الجيران، وقالت بصوت مهزوز مش طالع زي الأول:

ـ وإنتي… إنتي إزاي تسيبي البيت يوصل لكده وتسكتي يا سمر؟! إزاي تهوني عليكي تفرقي بين راجل ومراته عشان حتة سمك؟!

ـ عشان خفت منك!

رديت عليها وأنا ببص في عينيها من غير خوف:

ـ عشان إنتي مابتسامحيش في هفوة، عشان دايمًا ماسكة لنا على الغلطة وبتستني أي حاجة عشان تضغطي علينا بيها!

ـ بس الخوف ده ضيع راجل وشتت عيال، ودلوقتي ابنه في المستشفى ومش عارفين حالته إيه… مبسوطة دلوقتي؟! ارتحتي لما البيت اتخرب؟!

حماتي سكتت، وبصت في الأرض للمرة الأولى من سنين طويلة، ملقيتش كلمة واحدة ترد بيها قدام عيون الجيران اللي بقت كلها نظرات لوم وعتاب ليها.

منار قربت مني ومسكت إيدي، كانت بتبصلي بذهول وعينيها مليانة دموع، بس المرة دي ماكنتش دموع قهر… كانت دموع راحة، كأن جبل انزاح من على صدرها قدام الكل.

ـ يلا نروح المستشفى يا سمر… قالتها بصوت واطي ومكسور. عصام هناك لوحده، يلا نلحق الراجل.

سيبنا البيت وسيبنا النسوان وحماتي غرقانين في خجلهم وندمهم، وخدنا تاكسي على المستشفى العام.

الطريق كله كان عبارة عن سباق مع الزمن ودعاء مبيقفش.

كنت ببص لمنار وأنا حاسة بالخجل يقطعني، بس في نفس الوقت كان قلبي خفيف، الذنب مابقاش خنقة في زوري، بقى وجع بتمنى أصلحه بأي تمن.

جرينا في الطرقة الطويلة لحد ما لمحنا تامر قاعد على كراسي الانتظار برا أوضة العلاج، هدومه كان عليها آثار بسيطة من اللي حصل، وإيديه بين راسه.

أول ما شافنا قام مفزوع:

ـ منار! سمر! جيتوا إزاي؟

منار جريت عليه ومسكت دراعه بلهفة:

ـ عصام حصله إيه يا تامر؟! انطق بالله عليك، الراجل حصله إيه؟!

تامر اتنهد تنهيدة طويلة ومسح وشه بتعب:

ـ الحمد لله… لطف ربنا كان كبير. حصلت له إصابة في رأسه وأخد تمنتاشر غرزة، وكان عنده اشتباه في ارتجاج خفيف، بس الدكتور لسه خارج وقايل إنه فاق ونقلوه أوضة عادية. الإصابة كانت قوية بس عدت على خير.

منار نزلت على الأرض من شدة التأثر من غير ما تفكر، وفضلت تبكي وتشكر ربنا.

تامر بصلي باستغراب وهو شايفني بمسح دموعي، فقرب مني وسألني بهمس:

ـ في إيه يا سمر؟ أمي عاملة إيه تحت؟ والعيال فين؟

ـ العيال عند أم مريم يا تامر… وأمك عرفت كل حاجة.

بصلي بتوجس:

ـ كل حاجة إزاي؟ يعني إيه؟

حكيت لتامر كل كلمة باختصار، حكيتله عن القطة وعن كدبتي وعن اعترافي قدام الحتة كلها.

تامر فضل باصصلي، ملامحه كانت بتتنقل بين الصدمة والعتاب، وزعل كبير لمع في عينيه:

ـ للدرجادي يا سمر؟ للدرجادي الخوف كان هيضيع أخويا وبيته؟

نزلت راسي في الأرض:

ـ حقك تزعل مني يا تامر… أنا غلطت، وأنا مستعدة أصلح اللي حصل، بس المهم نصلح اللي بين عصام ومنار، الراجل لازم يعرف الحقيقة منه هو كمان.

تامر اتنهد بوجع وربت على كتفي بخفة:

ـ حسابنا بعدين في بيتنا يا سمر… بس أحمد ربنا إنك نطقتي في الآخر ومسبتيش منار تتحمل حاجة هي مالهاش ذنب فيها. تعالي ندخلهم.

دخلنا الأوضة بهدوء.

عصام كان نايم على السرير، راسه مربوطة بشاش أبيض كبير، وشه شاحب وعينيه مجهدة جدًا.

أول ما الباب اتفتح، لف وشه ببطء، ولما شاف منار، ملامحه اتغيرت، وبص الناحية التانية كأن كبريائه المكسور منعه يبص في وشها.

منار مشيت بخطوات بطيئة ناحية السرير، وقفت جنبه وعينيها مغرقة وشها.

مسكت إيده الباردة اللي كانت محطوطة على الملاية، وقالت بصوت يقطع القلب:

ـ ألف سلامة عليك يا أبو يوسف… فداك الدنيا كلها يا أخويا، المهم إنك بخير ووسط ولادك.

عصام حاول يسحب إيده بضعف، وصوته طلع مبحوح ومكسور:

ـ جاية ليه يا منار؟ جاية تشمتي فيا بعد ما حصل كل اللي حصل والشارع كله اتكلم عن مشاكلنا؟ جاية لواحد غلط في حقك وطلقك؟

ـ مش شمتانة يا عصام…

قالتها منار وهي تبكي:

ـ أنا عمري ما أشمت فيك. ده أنت سندي وأبو عيالي.

بكت بحرقة وهي بتضغط على إيده:

ـ بس أنت ظلمتني، والظلم وحش، والنبي يا عصام أنت ظلمتني وصدقت فيا كلام ما يرضيش ربنا.

في اللحظة دي، تامر قرب من السرير، وحط إيده على كتف أخوه، وقال بصوت حاسم ورزين:

ـ اسمع مني يا عصام، وركز في كلامي كويس عشان تقفل الصفحة الصعبة دي.

ـ مراتك مظلومة، ومنار أشرف من أي كلام اتقال عليها، ومخدتش مليم ولا سمكاية واحدة من ورا ضهرك.

عصام اتعدل بصعوبة وهو بيغمض عينيه من الصداع:

ـ يعني إيه يا تامر؟ وأمي… والسمك اللي كان ناقص؟

تامر شاور عليا وقال بنبرة هادية بس فيها حزم:

ـ سمر هي اللي غلطت.

ـ والسمك القطة أكلته فوق السطوح، وهي خافت من أمك ورمته في الزبالة وسكتت.

ـ وسمر اعترفت قدام أمي وقدام الجيران كلهم في مدخل العمارة، ووضحت الحقيقة، وأمي سكتت ومبقاش عندها كلام تقوله.

عصام اتصدم.

عينيه وسعت وهو بيبص بيني وبين تامر وبين منار، فضل باصص لفراغ الأوضة لثواني طويلة كأن عقله بيعيد شريط اليوم كله:

الكلمة القاسية اللي قالها لمنار… صريخ العيال… كلام أمه… الكلام اللي اتقاله في القهوة… والمشكلة اللي حصلت بعد كده…

كل ده عشان قطة وسكوت غبي!

نزلت دموع نادرة من عين الراجل القاسي ده، بص لمنار اللي كانت واقفة تبكي جنبه، ومد إيده التانية ومسك كفوفها بقوة، وقال بصوت مخنوق بالندم:

ـ حقك عليا يا أم يوسف… حقك عليا يا بت الناس. أنا غلطت في حقك وظلمتك، وصدقت كلام من غير ما أتأكد.

منار مسحت دموعه بطرف طرحتها وابتسمت وسط البكا:

ـ مسامحاك يا عصام… مسامحاك عشان خاطر العيال وعشان خاطر العشرة، بس عهد بيني وبينك قدام أخوك ومراته، كرامتي متهنش تاني في البيت ده، والكلمة متطلعش من بؤنا إلا بالحق.

عصام هز راسه بتعب ورضا:

ـ عهد الله يا منار… والكلام اللي قلته وقت الغضب هنتصرف فيه بالطريقة الصح، وبكرة الصبح هنسأل أهل العلم ونسوي كل حاجة رسمي قدام الكل.

أنا وقفت في زاوية الأوضة، دموعي بتنزل بصمت.

كنت حاسة بجرح عميق من كل اللي حصل، بس في نفس الوقت اتعلمت الدرس اللي هيكفيني لآخر يوم في عمري.

الخوف من الناس بيصنع مصايب أكبر بكتير من الغلطة نفسها.

والسكوت على الظلم مش حكمة ولا أدب، ده تصرف ممكن يخرب بيوت ويفرق ناس عن بعض.

قربت من السرير وبصيت لعصام ومنار، وقولت بصوت واطي ومخلص:

ـ سامحوني… والله العظيم اتعلمت، وعمري ما هسكت على حق تاني حتى لو كان الأمر صعب.

منار بصتلي وهزت راسها بنظرة فيها تسامح مخلوط بذكريات اليوم الصعب، وقالت:

ـ المسامح كريم يا سمر… المهم إننا اتعلمنا إن البيت اللي مبيتبناش على الصراحة والوضوح، شوية ضغط يفرقوه… وشوية سمك يهزوا أركانه.

خرجنا من المستشفى مع خيوط الفجر الأولى.

كانت شمس يوم جديد بتطلع على الحارة، شمس نورت العمارة من أول وجديد، بس المرة دي كل واحد فينا كان عارف مقامه، والحق رجع لأصحابه بعد ليلة كانت هتكون الأطول والأقسى في حياتنا كلنا.

النهاية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى