عام

حكايات منال على ج٣

حكايات منال على ج٣

الفصل الأخير

نزلت السلم بجنون، أنفاسي كانت متلاحقة وعقلي بيلف في دوامة مرعبة.
سبت حماتي بعد ما اتأكدت إن جارتنا في الدور اللي تحت، أم نهى، دخلت عندها وبدأت تفوقها بماية وسكر. مكنش قدامي غير خيار واحد: لازم أوصل شقة إمبابة قبل ما أحمد والمشتري يوصلوا، وإلا هتحصل كارثة ميعلمش مداها إلا ربنا.
ركبت تاكسي، وقلت للسواق بنبرة استعطاف ورعب:
— على إمبابة يا أسطى، بأقصى سرعة عندك الله يخليك!
الطريق كان كأنه دهر.. الإشارات، الزحمة، أصوات الكلاكسات، كل ثانية بتعدي كانت كأنها بتتسحب من عمري. كنت ماسكة شنطتي وفيها أكياس الأكل والدوا والمفاتيح اللي خطفتهم من البيت قبل ما أنزل.
ليه حماتي عملت كده؟ ليه السكوت والسرقة والتجويع؟ وليه أحمد ميعرفش؟ أسئلة كانت بتنهش في مخي طول الطريق.
وصلت العمارة القديمة في إمبابة.. عمارة متهالكة في حارة ضيقة. طلعت

الدور الرابع والسلالم مكسرة، ريحة الرطوبة والعفن مالية المكان.
وقفت قدام باب الشقة الحديدي المصدي.. إيدي كانت بتترعش وأنا بحط المفتاح في الكالون. حكايات منــال عـلـي
فتحت الباب بالراحة.. الشقة كانت غارقة في الظلام، مفيهاش غير شباك مكسور بيسرب ضوء شارع باهت.
وفجأة.. سمعت صوت أنين خافت جاي من الأوضة اللي في الوش.
قربت بخطوات بطيئة، ودخلت الأوضة..
المنظر اللي شفته مستحيل أنساه طول حياتي.
راجل في أوائل الأربعينات، وشه باهت وعظامه بارزة كأنه هيكل عظمي، نايم على مرتبة قديمة على الأرض، متغطي ببطانية مهترئة، وجنبه كباية ماية فاضية وعلبة دوا فاضية.
أول ما شافني، حاول يقوم برعب، وسند على الحيطة بإيد بترتعش من المرض:
— إنتِ.. إنتِ مين؟! أمي فين؟ أمي جرالها حاجة؟!
وقفت قدامه، لساني عاجز عن الكلام للحظات:
— إنت.. إنت طارق؟
الراجل دمعت عينيه، ونزل راسه للأرض بكسرة وانكسار:
— أيوه.. أنا طارق. إنتِ نادين.. مرات أحمد، صح؟ أمي كانت بتحكيلي عنك كل ما كانت بتيجي بالليل متخفية تطمن عليا..
قعدت على طرف كرسي مكسور، وحطيت أكياس الأكل والدوا قدامه:
— إنت عارف أمك كانت بتعمل إيه عشان تجيبلك الأكل ده؟ كانت بتشيل لقمتي ولقمة أحمد.. كانت بتسرق مصروفي وفلوسي عشان تديك علاجك وتخليك عايش هنا في السر!
طارق انهار في البكاء، بكاء راجل مريض ومكسور وضايع:
— والله العظيم ما كنت أعرف إنها بتاخد منكم من وراكم! أمي قالت لي إنها بتشتغل في تفصيل وتطريز عشان تصرف عليا.. قالت لي إنها مش قادرة تقول لأحمد عشان أحمد بيكرهني.. ومعه حق يكرهني! أنا دمرت حياته زمان، سرقت فلوسه وشقاه وجريت ورا الإدمان وضيعت نفسي وعيلتي.. أنا أستاهل الموت، بس أمي رفضت تسيبني أموت في الشارع بعد ما خرجت من السجن عاجز ومريض ضمور أعصاب!
سكت للحظة، وحسيت بنار الغضب اللي في قلبي بتتحول لشفقة وحزن عميق.
المأساة كانت أكبر من مجرد أكل اتسرق أو كدبة اتقالت.. دي مأساة عيلة اتفتت بسبب غلطة زمان، وأم حاولت تعالج الغلط بغلط أكبر منه.
وقبل ما أنطق بكلمة.. سمعت صوت خطوات سريعة بتطلع على السلم، وصوت مفاتيح بترن!
طارق اتفزع وبص للباب:
— ده أحمد! ده صوته!
الباب اتفتح فجأة، ودخل أحمد وهو بيقول:
— اتفضل يا حج، الشقة مقفولة بقالها سنتين ومحتاجة وش نضافـ…
الكلام وقف في زور أحمد فجأة.
شاف الشنط والأكل على الأرض.. شافني واقفة في الصالة.. وبص للغرفة لقى طارق قاعد على المرتبة وشه باهت ومكسور.
المشتري اللي مع أحمد اتخض لما لقى الموقف مش طبيعي، وقال بسرعة:
— شكل عندكم ظروف يا أستاذ أحمد.. أنا هستناك تحت على القهوة.
ونزل وجري وساب الباب مفتوح.
أحمد فضل واقف متجمد في مكانه، وشه اتقلب أصفر، عينيه وسعت بشكل مخيف، وصوته
لمحة نيوز

طلع متهدج ومخنوق:
— طـ.. طارق؟!
طارق مقدرش يبص في عينين أخوه، فضل يبكي بصوت مكتوم ويقول:
— سامحني يا أحمد.. سامحني يا أخويا..
أحمد مسك دماغه بإيديه الاتنين كأنه مش مستوعب الكابوس:
— إنت عايش؟! إنت ممتش في الحادثة؟! وماما كانت مخبياك هنا طول السنتين دول؟!
قربت من أحمد ومسكت إيده بهدوء:
— أحمد.. اهدى، اهدى واسمع..
أحمد زق إيدي وصرخ بصوت زلزل أركان الشقة:
— أهدى إزاي؟! أخويا اللي سرق كل شقا عمري ودمر مستقبلي، أمي كدبت عليا وقالت لي إنه مات.. وجاية تعيش معايا عشان تسرق أكلنا وبيتنا وفلوسنا وتأكله بيه في السر؟! إنتِ عارفة ده معناه إيه يا نادين؟! معناه إن كل يوم عشته في بيتي السنتين دول كان كدبة كبيرة!
وفي قمة الانفجار ده، ظهر خيال على باب الشقة المفتوح.
كانت حماتي.. الحاجة فاطمة.

كانت طالعة السلالم وهي بتنهج بشدة وساندة على الحيطة، ولما شافت أحمد واقف بين نادين وطارق، انهارت على الأرض عند عتبة الباب ومسكت رجل أحمد وهي بتصرخ بالدموع:
— اقتلني أنا يا أحمد! حاسبني أنا يا ابني.. متلمسش أخوك، أخوك مريض ومبيتحركش من مكانه ومستني الموت! أنا اللي عملت كل حاجة.. أنا اللي خبيت، وأنا اللي أخدت من أكلك وأكل مراتك.. اضربني أنا بس متسيبش الغل ياكل قلبك ضد أخوك العاجز!
أحمد بص لأمه المرمية عند رجليه، وبص لأخوه اللي قاعد على الأرض بيبكي بعجز ومرض، وبص لي وأنا واقفة بمسح دموعي.
الصمت نزل على المكان.. صمت ثقيل وموجع، صدمة كسرت كل الكبرياء والوجع.
أحمد نزل على ركبه قدام أمه، ومسك إيديها وقومها:
— ليه يا أمي؟ ليه مقولتليش؟ كنتِ فاكرة إني لو شفته مريض ومتبهدل كده هسيبه يموت في الشارع؟! أنا كنت زعلان من اللي عمله زمان، لكن مكنتش هبقى وحش وأسيبه يضيع قدام عينك! ليه خليتيني أعيش في كدبة؟ وليه ظلمتي نادين وخليتيها تحس إنها غريبة ومحرومة في بيتها؟!

حماتي دفنت وشها في صدر أحمد وبكت بكاء هستيري:
— كنت خايفة.. خايفة تخيرني بينك وبينه، وخايفة على بيتك يتخرب.. سامحني يا ابني، وسامحيني يا نادين يا بنتي.. حقك فوق راسي.
في اللحظة دي، حسيت إن الغضب اتبخر، ومبقاش فاضل غير ألم الواقع وحتمية الحل.
مسحت دموعي وقربت من أحمد وحماتي وقلت بهدوء:
— الشقة دي يا أحمد مش هتتباع.. طارق محتاج رعاية ومحتاج علاج في مصحة أو مستشفى متخصصة.. وإحنا اللي هنتكفل بده برضا وسماح، من غير سرقة ومن غير ما حد فينا ينام محروم أو جعان.
أحمد رفع راسه وبص لي بنظرة امتنان عميقة عمري ما هنساها. . وطارق قعد يبوس إيد أخوه وهو مش مصدق إن العذاب والكابوس انتهوا بعد سنين من الهروب والألم.
بعد مرور ستة أشهر..
شقة إمبابة اتنضفت وتصلحت وبقت مكان آدمي وصحي.
طارق بدأ جلسات العلاج الطبيعي وبقى قادر يتحرك على عكاز وبدأ يشتغل شغل بسيط على قده من البيت.
حماتي رجعت بيتها في إمبابة جنب ابنها المريض ترعاه بعينينا ومساعدتنا، بس المرة دي كل حاجة في النور والعلن.
أما أنا وأحمد، فرجعنا لبيتنا في فيصل.. بيتنا اللي رجع فيه الدفء والوضوح.
بقيت لما أرجع من شغلي، ألاقي أحمد مستنيني على الباب.. ومعاه الأكل اللي بنقسمه سوا بالحب والرضا، ونتأكد إن مفيش حد بينام وهو جعان.. لا في بطنه، ولا في مشاعره.
اتعلمت إن السر مش في كمية الأكل اللي في الحلة.. السر الحقيقي هو الصدق، وإن مفيش حقيقة مهما كانت مرة ومستخبية، بتفضل مدفونة للأبد.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى