عام

ملكة الجن الحامل انجى الخطيب ج٢

الخشب بتاع باب الشقة بره بدأ يتفلق بصوت يكسر القلب، والخبطات نازلة عليه زي المطارق. زجاج البلكونة كان بيرتعش من الهوا الساقع اللي طالع من حركة الست وهي طايرة قدامه، وشعرها الأسود المفرود في الهواء كان كأنه كائنات حية بتتحرك لوحدها.

الطفل اللي في حضني حط كفه الصغير على زوري، وفي اللحظة دي حسيت بتيار سخن بيجري في عروقي، كأن نبضات قلبه بقت هي اللي بتشغل قلبي أنا. الخوف اللي كان شالني اختفى فجأة، وحل مكانه غضب مكتوم ومش مفهوم… كأن جسمي بقى ملك لشخص تاني بيحركني.

قربت من البلكونة بخطوات ثابتة بشكل يرعب. مديت إيدي وفتحت الباب الزجاج.

الهوا الشديد دخل الأوضة ولطش في وشي، وطير الستاير للسقف. الست الجنية انخفضت بجسمها ونزلت على سور البلكونة بثبات خفي، بصتلي وغمزت بعينيها الحمرا، وقالت بصوت واطي بس يخترق الدماغ:

“سلميهولي يا بنتي… عشان أنهي المهزلة دي وأمشي.”

بصيت لعين الست، وبعدين بصيت للعلامة المنورة في صدر البيبي. في حاجة جوايا قالتلي إن الست دي مش جاية تنقذ ابنها… العلامة اللي في صدره كانت بتنور أكتر كل ما تقرب منه، بس النور ده ما كانش نور حماية، كان كأن حيوية الولد بتتسحب منه لجمالها وشبابها هي!

صرخت فيها بصوت طلع أعلى وأقوى من صوتي العادي:

“أنتِ كدابة! أنتِ مش مستنية ولدك… أنتِ عايزة القوة اللي في جسمه!”

ابتسامة الست الناعمة اختفت في ثانية، وملامحها أتحولت لوش مرعب، جلدها اتشد وعينيها جابت آخر السواد وهي بتزعق:

“إنتِ فاكرة نفسك مين يا بنية الإنس؟! هاتي الولد بدل ما أهد البيت ده فوق دماغ أهلك!”

مدت إيدها الطويلة ناحيتي وضوافرها كبرت في الهوا، بس قبل ما تلمسني، باب الأوضة اللي ورايا اتكسر مع نصين بلحظة!

انفجار الخشب طيّر الشظايا في الأوضة كلها. من وسط الدخان، ظهر الراجل ذو البدلة الكحلي، بس ما بقاش راجل خالص… كان كائن طويل جداً، رقابته ملوية للجنب، وجلده الأسود المقشف بيلمع تحت نور الأوضة المكسور.

الراجل زأر بصوت هز أرضية الشقة، ونط ناحية البلكونة مباشرة وهو بيصرخ:

“الولد ده للعرش… مش ليكي يا خائنة!”

الست نطت من على السور وهاجمته في نص الأوضة!

الاتنين التبست أجسادهم في بعض، النور الأحمر والضلمة السودا اتصدموا بصوت زي ضرب الرعد جوه الأوضة. الحيطان شققت، والأسقف بدأ يقع منها بودرة جير.

مسكت الطفل بكتفي بكل قوتي، ونزلت تحت المكتب الخشب في زاوية الأوضة وأنا حاضناه.

القتال بينهم كان بيموت كل حاجة في المكان، زجاج الشبابيك اتدشم، والدوولاب اتقسم نصين. وفي وسط الهوجة دي، البيبي رفع إيده الصغيرة وشاور على صدر الست وهي بتضرب الراجل.

العلامة اللي في صدره ضربت شعاع أبيض قوي جداً، ضرب في نص الأوضة.

الست والراجل اتسمروا في مكانهم، وصوّتوا الاتنين بصرخة وجع واحدة حادة جداً لدرجة إن ودني جابت دم. أجسادهم بدأت تتحرق وتتحول لدخان أسود وشرار أحمر، بيتسحبوا ببطء لجوه العلامة اللي في صدر الطفل!

في خلال ثواني معدودة… الأوضة سكتت تماماً.

الدخان اختفى، الضوضاء وقفت، وما بقاش فاضل غير ريحة شياط خفيفة في الهوا.

قمت ببطء من تحت المكتب وأنا بترعش. الشقة كانت متبهدلة، أبواب متكسرة وحيطان مشققة. خرجت للصالة بالراحة… لقيت أمي وأختي نايمين على الأرض بيتنفسوا بهدوء، العروق السودا اختفت من وشهم ومرميين كأنهم في نوم عميق.

جريت عليهم، اطمنت إنهم عايشين وبيتنفسوا.

بصيت للطفل اللي في حضني… العينين السودا تحولت لعينين بني عادية جداً، زي أي طفل بشري جميل. العلامة اللي في صدره اختفت، ونام بثرثرة طفولية هادية في صدري.

سندت ظهري على الحيطة وقعدت على الأرض وأنا بلهث، مش مصدقة إن الليلة دي خلصت.

لكن وأنا بقفل عينيا عشان أتنفس… سمعت صوت خطوات خفيفة جداً، خطوات قطة بتمشي ببطء، جاية من ناحية البلكونة المفتوحة.

فتحت عيني بسرعة والدقات في صدري رجعت تضرب زي الطبول.

من فتحة البلكونة المكسورة، مشيت القطة ببطء شديد على الأرضية المليانة قزاز ومحار. كانت نفس القطة.. قطة جارتنا الحامل، بطنها كبيرة وبتمشي بالعافية.

قفت قدامي على بعد خطوات قليلة، وبصتلي بنفس النظرة الغريبة. لكن المرة دي، ما كانتش بتتحول، ولا كان فيه نور أحمر، ولا عيون سودا.

لفت وشها ناحية البيبي اللي في حضني، ونزلت راسها ببطء كأنها بتأدي التحية، وبعدين مواء خفيف جداً طلع منها.. مواء قطة عادية خالص، بس فيه نبرة وداع.

لفت وجريت ناحية السور، ونطت لبلكونة الجيران واختفت.

في نفس اللحظة، أمي بدأت تتقلب على الأرض وأخدت نفس غريق كأنها كانت تحت المية وبتحاول تتنفس. فتحت عينيها وبصت لسقف الصالة المتبهدل، وبعدين بصتلي بالراحة وقالت بصوت مجهد ومبشوش:

“إيه ده يا بنتي؟ هو فيه زلزال حصل ولا إيه؟ والنور قاطع ليه؟”

أختي سارة هي كمان قعدت وفركت عينيها، وبصت حواليها بدهشة:

“إيه الكركبة دي كلها؟! هو ايه اللي وقع الباب كده؟!”

الاتنين ما كانوش فاكرين أي حاجة من اللي حصلت. ولا الراجل، ولا العروق السودا، ولا الجنية، ولا حتى الصريخ. بالنسبة لهم، هما كانوا نايمين وفجأة صحيوا على صوت هبدة قوية في البيت.

أمي قامت بالعافية وهي بتتسند على الحيطة، ولما قربت مني، عينيها جات على الولد الملفوف في حضني.

اتجمدت مكانها ثواني، وبعدين بصتلي بذهول وقالت:

“مين ده يا بنتي؟! أنتِ جايبة بيبي مين في حضنك في نص الليل كده؟!”

سكتت لحظة، بلعت ريقي، وبصيت للطفل اللي كان نايم في جهالة وبراءة تامة، من غير علامات ولا عيون مرعبة، كأنه أهدى طفل في الدنيا.

قلت لأمي بصوت ثابت بالعافية:

1 2 3الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى