ملكة الجن الحامل انجى الخطيب ج٢

قلت وأنا بلهث والدموع في عيني:
“يعني إيه؟! أنتم عايزين منه إيه؟! ده ابني.. أنا اللي ربيته وسهرت معاه!”
الشيخ ابتسم ابتسامة حنونة وقال:
“ومحدش هيختافكِ فيه يا بنتي. أنتي أمه بالعهد وبالتربية.. بس الخطر المرة دي مش جاي من العين السحرية ولا من البلكونة. الخطر جاي من جوا البيت.”
أتخضيت ورجعت خطوة لورا:
“جوا البيت إزاي؟!”
الشيخ شاور بسبحته ناحية الأرضية اللي وتحت سجادة الصالة.. وفجأة السجادة بدأت تتلف لوحدها!
تحت السجادة، على البلاط القديم، كانت فيه كتابة سودا خفيفة مكتوبة بدم جاف.. رسمة نجمة وشعارات العشيرة الحمرا اللي كانت على صدر البيبي وهو صغير!
قال الشيخ:
“الست الجنية لما حطت ايدها على الأرض ليلة ولادتها.. سابت الختم ده هنا. الختم ده كان بيسحب من روح أمك وأختك طول السنتين اللي فاتوا عشان يغذي الولد.. وعشان كده هما كانوا دايماً تعبانين ونايمين.”
بصيت لأمي وسارة بذهول ودموعي نزلت:
“يعني أنا كنت بحمي الولد وأنا بدمر أهلي؟!”
الشيخ رفع سبحته وضرب بيها على الأرضية في نص الرسمة. صوت فرقعة زجاج عالية رنت في الشقة، والرسمة السودا بدأت تتحرق وتتحول لرماد أبيض اختفى في الهوا.
في نفس اللحظة، أمي وأختي أخدوا نفس عميق جداً كأنهم كانوا مخنوقين، ولون وشهم أترد فيه الدم والرشد من جديد!
ياسين مسك في جلابية الشيخ وبصلي بعينين بني صافية مية في المية.. مفيهاش أي سواد أو رعب لأول مرة في حياته.
الشيخ بصلي وقال:
“الختم اتفك، والولد بقى بشري خالص بس بروح حارسة. العشيرة الحمرا مش هتقدر تلمسه تاني ولا تقدر تقرب من الشقة دي.. بس بشرط.”
سألته بصوت مخنوق:
“شرط إيه؟”
الشيخ حط إيد ياسين في إيدي، وقال وهو بيلف ورايح ناحية الباب المفتوح:
“إنك تسامحي أمه.. وماتنسيش إن الخوف هو الباب الوحيد اللي بيدخلهم منه. طول ما قلبك قاصد الخير ومستقوي بالله.. محدش في الكون ده يقدر يمسكم بسوء.”
الشيخ خرج من الباب، ومشت وراه أربع قطط بيضا المرة دي.. مش سود!
أول ما عدوا باب العمارة، اختفوا كأنهم ما كانوش موجودين أصلاً.
الباب اتأفل لوحده بهدوء.
أمي وقفت على حيلها وبصتلي وهي بتضحك:
“إيه يا بنتي الواقفة دي؟ وياسين واقف ساكت ليه؟ قومي نعمل غدا يلا الوقت تأخر!”
بصيت لياسين.. الولد جاري عليا وحضن رجلي بابتسامة طفولية بريئة.
حضنته بكل قوتي، ولأول مرة من 3 سنين.. حسيت إن الشقة دافية، وإن الليلة المرعبة دي انتهت للأبد.
مرت السنين ورا السنين، والهدوء اللي دخل شقتنا ما فارقهاش لحظة.
ياسين كبر، وبقى شاب طول وعرض، ملامحه هادية وعينيه البني فيها طيبة الدنيا، بس فيها ثبات وحكمة أكبر بكتير من سنه. محدش في المنطقة كلها كان يشوفه إلا ويحبّه، كان حنين على أمي وسارة، وسند ليا في كل خطوة.
أمي كبرت في السن وتوفت بسلام وهي راضية عننا، وسارة أختي اتجوزت وعاشت حياتها. فضلت أنا وياسين في نفس الشقة، الشقة اللي شهدت أغرب وأرعب ليلة في حياتي.
في يوم، كنت قاعدة في البلكونة وقت المغربية، نفس الوقت ونفس الشمس اللي بتميل للغروب. الهوا كان خفيف وبارد، وبصيت على سور البلكونة القديم.. افتكرت اليوم اللي شفت فيه القطة الحامل لأول مرة، وافتكرت الجملة اللي كنت بقولها بهزار وقلبت حياتنا رأساً على عقب.
ابتسمت بحزن خفيف على كل السنين اللي مرت، وسمعت خطوات ياسين جاية من ورايا.
دخل البلكونة وهو شايل كوبايتين شاي بنعناع، حط كوباية قدامي وقعد على السور بثبات وهدوء.
بصلي وابتسم وقال:
“بتفكري في إيه يا أمي؟”
بصيتله وقلت له بصوت حنون:
“بفكر في الحكاية كلها يا ياسين.. بفكر في الليلة اللي جيتلي فيها، وإزاي كلمة واحدة مني غيرت قدرنا كلنا.”
ياسين بص للفراغ وشرب شفطة من الشاي، وبعدين لفت نظره حاجة على سور البلكونة بتاع الجيران.
بصيت معاه.. لقيت قطة بيضا جَميلة جِدًا واقفة على السور، بتبصلنا بهدوء. ما كانش في عينيها رعب ولا سواد، كانت نظرة أمان وسكينة خالص.
ياسين ابتسم للقطة، والقطة هزت راسها ببطء، ولفت ومشت في سكات.
بصلي ياسين وقال نبرة دافية مليانة يقين:
“الخوف اللي دخل بيتنا زمان يا أمي، كان وسيلة عشان أعرف إن الحب والعهد الصادق هم القوة الوحيدة اللي بتغلب أي ضلمة في الدنيا. أنتي ما أنقذتنيش بس من العشيرة.. أنتي أنقذتي روحي وعملتي مني بني آدم.”
حطيت إيدي على إيده وقلت له:
“وأنت كنت النور اللي دخل حياتي يا ياسين.”
في اللحظة دي، حست إن الديرة اتقفلت تماماً. الحكاية اللي بدأت بخوف ورعب وعوالم مجهولة، انتهت ببيت دافي، وابن بار، وسكينة ما تتقدرش بتمن.
الشمس غربت، والنور أطفا في البلكونة، بس الشقة كانت منورة بأمان حقيقي.. أمان مش هيهزه أي صوت، ولا هيعكره أي جرس يرن في نص الليل.
تمت




