ملكة الجن الحامل انجى الخطيب ج٢

“دي.. دي أمانة يا ماما. جارتنا تعبت فجأة ونزلت المستشفى، وسابته معايا لحد ما ترجع.”
أمي بصتلي بشك، وبعدين بصت للباب المتكسر وللشقة اللي كان شكلها كأن دخلها إعصار، وقالت وهي بتهز راسها ومش مستوعبة:
“وجارتك دي هدّت البيت وهي نازلة ولا إيه؟! قومي.. قومي شغلي النور الموبايل ونشوف المصيبة دي.”
عدت الليلة، والصبح طلع.
لما نزلت أسأل في العمارة عن الشقة اللي جنبنا، البواب بصلي باستغراب وقال لي إن الشقة دي مقفولة من أكتر من عشر سنين من ساعة ما أصحابها سافروا برة مصر، ومفيش أي حد ساكن فيها!
النهاردة عدى على الليلة دي سنتين كاملين.
الطفل كبر معانا، سميته “ياسين”. كبر زي أي طفل عادي، بيلعب ويضحك وبيملا البيت حركة وشقاوة.. أمي وأختي بيعشقوه وما يقدروش يستغنوا عنه، ومحدش فيهم يعرف أصله إيه.
كل حاجة رجعت طبيعية في حياتنا، والبيت اتصلح والأبواب اتغيرت.. بس فيه حاجة واحدة بس هي اللي بتفكرني كل يوم بإن الحكاية ما انتهتش.
كل يوم وقت المغرب، لما بكون قاعدة في البلكونة، بشوف أربع قطط سود واقفين على السور الموازي لبلكونتنا.. بيقفوا في هدوء تام، عيونهم متثبتة عليا وعلى ياسين وهو بيلعب، ولما بقرّب منهم، بيلفوا ويمشوا في سكات.. كأنهم لسه بيحرسوا العرش، أو مستنيين اللحظة اللي ييجي فيها الدور عليا عشان أرد الدين.
اليومين دول ياسين كمل ثلاث سنين.
ولد زي العسل، شعره أسود سواد الليل، وعينيه أوسع من اللزوم شوية، بس أي حد يشوفه يقول عليه طفل جامد وملوش حل جمالة يخطف العين وخفة دمة ملهاش حدود ولماضتة وكلامة اكبر من سنة. بس السكون اللي في البيت ده كان سكون ما قبل العاصفة، وأنا كنت عارفة ده ومستنياه.
في يوم، كنت واقفة في المطبخ بعمل أكل، وسمعت ياسين بيلعب في الصالة وبيضحك بصوت عالي. ضحكة صافية أوي، كأنه بيكلم حد وبيلاعب حد.
طلعت راسي من باب المطبخ ببطء عشان أشوفه…
لقيته قاعد في نص الصالة، مدي ضهره ليا، ورافع إيده الصغيرة في الهوا كأنه ماسك إيد حد أكبر منه، وبيهز إيده وبيقول بلسانه الأتأت:
“جدي … جدي جه.”
الدم اتجمد في عروقي. السكينة اللي كانت في إيدي وقعت على الأرض وعملت صوت يرن في الشقة كلها.
ياسين لف وشه ليا بسرعة، وبصلي بابتسامة… بس المرة دي، عينيه السودا العادية، كانت بتبرق بينها وبين السواد الشديد كل ثانية والثانية، كأن فيه حاجة جواها بتحاول تطلع.
مشيت ناحيته بخطوات مرعوبة، مسكته من كتفه وشيلته في حضني بسرعة:
“بتكلم مين يا ياسين؟! مين اللي هنا؟!”
شاور بصابعه الصغير على الركن الضلمة اللي جنب الدولاب في الصالة وقال ببرود مش بتاع أطفال خالص:
“الراجل أبو عباية بيضاء… بيقولي إن الوقت جه عشان أتعلم الطيران.”
بصيت للركن… مفيش حد. بس الهوا في النقطة دي بالذات كان ساقع زي التلج، وريحة بخور قديم وعتيق بدأت تفوح في المكان.
في نفس اللحظة، جرس الباب رن!
دقة واحدة… طويلة وممتدة، مش بتخلص.
أمي طلعت من أوضتها خايفة:
“إيه الصوت ده يا بنتي؟ ومين بيعلق على الجرس كده؟”
مسكت ياسين بكتفي جامد، وقلتلها بصوت بترعش:
“ماتفتحيش يا ماما… خليكي جوة مع سارة.”
قربت من الباب، وبصيت من العين السحرية.
المرة دي مش ست بعباية حمرا، ولا راجل ببدلة كحلي…
اللي كان واقف قدام الباب كان شيخ كبير في السن، لابس جلابية بيضاء واسعة، ولحيته بيضاء طويلة واصلة لصدوره، ماسك في إيده سبحة خشب كبيرة حباتها بتتحرك لوحدها.
رفع عينه وبص للعين السحرية مباشرة… كأنه شايفني!
وقال بصوت هادي وعميق هز عضم صدري:
“افتحي يا ابنتي… أنا مش جاي آخد ياسين، أنا جاي أحميه. العشيرة الحمرا عرفت مكانه، والقطط الأربعة اللي بره ما بقوش كفاية.”
بصيت للطفل في حضني… ياسين حط راسه على كتفي وغمض عينيه، وهز راسه بهدوء وقال بصوت واطي جداً:
“افتحيلوا يا ماما… ده جدي.”
الكلمة طلعت من بؤ ياسين زي خنجر اتغرس في قلبي. “جدي!”.. الكلمة هزت الشقة كلها.
بلعت ريقي وأنا حاسة إن رجلي مش شيلاني. أمي طلعت من الأوضة هي وسارة، وجوههم أصفر من الخوف، وأمي مسكت في كتفي وهي بتترعش:
“مين ده يا بنتي؟ والصوت ده طالع منين؟ ولدك بيقول إيه؟!”
ما ردتش عليها. مديت إيدي المرتعشة وفتحت الباب بالراحة.
أول ما الباب اتفتح، ريحة عود وبخور عتيق ملأت الصالة. الشيخ أبو جلابية بيضا خطى خطوة لجوه، والسبحة الخشب في إيده فضلت تسبّح بحركات سريعة ومظبوطة كأن إيد خفية هي اللي بتحركها.
بص لأمي وأختي، وعمل حركة بسيطة بإيده في الهوا.. وفي ثانية، أمي وسارة دخلوا في حالة ذهول تام، وقفوا مكانهم وعينيهم اتثبتت كأن الزمن اتوقف عندهم.
الشيخ بصلي بنظرة هادية جداً مليانة حكمة، وبعدين بص لياسين.
الولد نزل من حضني وبدأ يمشي ناحيته بخطوات ثابته، ووقف قدامه ونزل راسه. الشيخ حط كفه الكبير الدافي على راس ياسين، وقرأ آيات بصوت واطي ومسموع.. صوت كان بيخلي الحيطان المتربة تهدأ والقشعريرة تسيب جسمي ببطء.
بصلي الشيخ وقال بنبرة حازمة:
“الولد ده فيه سر العشيرتين.. النور والضلمة. أمه لما هربت وسابتهولك، كانت عارفة إن العشيرة الحمرا مش هتسيبه يعيش، بس هي ما كانتش تعرف إن أبوه من طين وبشر.. وإن الولد ده فيه روح بشرية نقية تقوى على الضلمة لو اتعلمت.”




