عام

حكايات زهرة ٢

حكايات زهرة ٢

صعدت إيمان إلى شقتها وهي تتآكل من الغيظ والفضيلة التي لحقت بها أمام الضيوف، لكن كبرياءها العليل ونرجسيتها لم يسمحا لها بالاعتراف بالخطأ. في اليوم التالي، ظنت أن العاصفة مرت وأن الأمر مجرد سحابة صيف، فنزلت إلى الدور الأرضي في منتصف النهار بكامل عنجهيتها، محاولةً إعادة فرض سيطرتها على المطبخ وكأن شيئاً لم يكن، لتثبت لحماتي وللجميع أنها لا تزال “ست البيت” التي لا يُستغنى عنها.
لكن المعادلة كانت قد تغيرت تماماً. حماتي، التي كانت تشد على يدها وتغطي على قرفها لمجرد أنها “سريعة وتنجز المهام”، أصبحت تشعر بالخوف والحرَج من تكرار فضيحة العزومة أمام الغرباء، وفي الوقت نفسه كانت تريد الحفاظ على كرامة البيت وهيبتها أمام أولادها.

دخلت إيمان المطبخ وبدأت في تجهيز طعام الغداء بنفس الطريقة الفوضوية، مسحت يدها المتسخة في جلابيتها، وبدأت تتداول الأواني دون غسيل. في تلك اللحظة، لم أتدخل ولم أرفع صوتي. بل دخلت المطبخ ببرود تام، وشغّلت كاميرا هاتفي بدعوى أنني أرسل رسالة صوتية، وأخذت أتحرك في المطبخ بهدوء وأسجل فيديو قصيراً ودقيقاً لكل حركة تقوم بها: مسح أنفها بظهر يدها ثم إمساك الخضار، ترك بنتها الصغيرة تبصق في طبق السلطة، ووضع الأواني المتسخة مباشرة في الأكل.
في المساء، وأثناء تجمع العائلة كالعادة حول الصالة في الدور الأرضي لانتظار الطعام، وقبل أن يوضع الأكل على الطاولة، اقتربت من زوجي بحجة أنني أريد أن أرايه شيئاً “ظريفاً” على الهاتف. فتحت المقطع على أعلى صوت ودون مقدمات، وكان الصوت والصورة واضحين جلياً للجميع، حيث ظهرت إيمان وهي تعيد نفس سلوكياتها المقرفة والتفاصيل التي تزكم الأنوف.
عمّ الصمت المجلس، وسقطت الحقيقة كالصاعقة فوق رأس الجميع. زوجها، الذي كان دائماً يغض الطرف أو يظن أنني أبالغ، ثار غضبه وشعر بالإهانة في نضافته ونظافة أبنائه. وقف من مكانه وضرب الطاولة بيده قاهراً: “هو ده الأكل اللي بنحطه في بطوننا كل يوم؟! هي دي النظافة والسرعة اللي دوشانا بيها؟!”

حاولت إيمان الدفاع عن نفسها وتوجيه الاتهام لي بأنني أترصد لها وأستغل الثغرات للوقيعة بينها وبين العائلة، وقالت وهي تصرخ: “دي بتراقبني وبسجلّي! دي ساحرة وبتحفرلي عشان تطردني من البيت وتنفرد بيكوا!”
وهنا وقفتُ بكل ثبات وثقة، ونظرتُ في عين حماتي مباشرة وقلتُ بصوت متزن وواضح سمعته العائلة كلها: “أنا متجوزة هنا عشان أعيش بكرامتي وبآدميتي. السكوت عن القرف مش شطارة، واللي بيحصل ده مش مجرد قلة نظافة، ده إهداء لصحتنا وصحة ولادنا. أنا من النهاردة مش هحط لقمة واحدة من إيد إيمان في بؤي، ولا هسمح لجوزي ياكل حاجة مش مغسولة ومطبوخة على أصولها.”
ثم التفتُّ إلى حماتي وأضفتُ بنبرة حاسمة لا تحتمل النقاش: “يا حماتي، أنتي الكبيرة وعلى راسنا، بس صحتنا وصحة أولادنا مش لعبة. لو الوضع ده هيستمر بالطريقة دي تحت، يبقى أنا من بكرة هطبخ لينا فوق في شقتي، واللي عايز ياكل أكل نضيف ومخدوم بنظافة يشرّفني فوق، أما المهزلة دي لازم تنتهي فوراً.”
سادت حالة من الذهول، فنظرات زوجي وزوجها كانت تتوسل الحل، وحماتي وجدت نفسها لأول مرة في موقف ضعف؛ فهي تعلم تماماً أن خروجي من المطبخ وصعودي لشقتي يعني انهيار نظام “بيت العيلة” الذي طالما تفاخرت به أمام أهالي القرية، وسيصبح واضحاً للجميع أن الكنة الصغرى عزلت بسبب قرف الكنة الكبرى.

نظر حمايا إلى حماتي بصرامة وقال: “نور عندها حق. الصحة مفيهاش مجاملة ولا جبر خاطر. من النهاردة المطبخ ده يتنضف بالديتول والخل قبل ما يدخله أكل، واللي مش هيمشي على أصول النظافة ما يدخلش المطبخ ده تاني أبداً!”
انكسرت شوكة إيمان تماماً أمام هذا الموقف العاصف، ولأول مرة تسقط أسلحتها وبجاحتها لتواجه واقعها المقرف الذي حاولت تغطيته بسنوات من الادعاء والغرور. أصبحت تتجنب النظر في عيني، وارتسمت خطوط جديدة لقواعد التعامل في البيت، حيث أصبحت أنا من يحدد معايير النظافة والنظام، ولكن ذلك لم يكن سوى بداية مرحلة جديدة من المواجهة المستترة.

بعد تلك الليلة العاصفة، تراجعت إيمان إلى الخلف ظاهرياً، لكن غلها كان يغلي تحت الرماد. أصبحت تتحرك في البيت كالمطرودة، تنفذ الأوامر بنظرات مكسورة يملؤها السواد. لم تكن الصدمة بالنسبة لها في افتضاح أمرها فقط، بل في انسحاب بساط القيادة والنفوذ من تحت قدميها، وتحولي أنا في نظر الجميع إلى “عنوان النظافة والترتيب” بعد أن كانت تراعي فيّ الوسواس والبطء.

حاولت حماتي أن ترمم ما تبقى من شكل “بيت العيلة”، فجمعتنا في الصباح وقالت بنبرة محايدة تحاول بها حفظ ماء وجه إيمان: “اللي فات مات يا بنات، وإحنا أولاد النهاردة. المطبخ هينقسم بينكم بالأيام، يوم على نور ويوم على إيمان، وكل واحدة مسؤولة عن أكلها ونظافة مطبخها في يومها، ومفيش واحدة تتدخل في شغل الثانية.”
وافقتُ بابتسامة هادئة، بينما اكتفت إيمان بهز رأسها دون كلام. كانت تلك الخطة بالنسبة لإيمان هي فرصة الانتقام الكبرى؛ فرصة لتثبت للجميع أنني “ناعمة” ولا أتحمل المجهود الشاق، وأنني سأفشل عندما أكون المسؤولة الأولى عن الإطعام والخدمة اليومية.

في الأيام التي كانت من نصيبي، تحول المطبخ إلى ساحة للنظافة والانضباط. الأكل معطر بنكهة الطهي الأصيل، الأواني تتلألأ، والطاولة تُفرش كالصالونات الفخمة. كان زوجي وحمايا يأكلان بشغف وشبع لم يعهداه من قبل، حتى حماتي نفسها لم تستطع إخفاء إعجابها، وكانت تمسح طبقها وتدعو لي بالصحة والبركة.
هذا النجاح الباهر كان بمثابة الخنجر في قلب إيمان. وفي يومها، كانت تتعمد تقديم الطعام بأسلوب ينتقص من النظافة بطرق خبيثة وغير مباشرة، كأن تترك العجين مكشوفاً في الهواء ليتجمع عليه الذباب، أو تتعمد تقليل الملح وتخريب الطعم لتثبت أن أكلها السابق هو الذي كان يعجبهم، لكن المحاولة باءت بالفشل؛ فالجميع قاطع أكلها ولم يعودوا يلمسون ما تطبخه.
عندما أدركت إيمان أن سلاح الطبخ قد سُحب منها تماماً، انتقلت إلى الخطة الخبيثة الأخيرة: “الحرب النفسية والتخريب المستتر”.

في يوم نوبتي، وكانت لدينا عزومة مصغرة لبعض أقارب حمايا، قمت بإعداد حلة كبيرة من المحشي المكلّف المشكل، ووضعتها على النار بعد جهد استمر ساعات من الصباح الباكر. خرجت من المطبخ لعدة دقائق فقط لأغير ملابسي وأتجهز لاستقبال الضيوف.
تسللت إيمان في تلك الدقائق القليلة كالأفعى إلى المطبخ. لم تستطع وسيلة لتخريب الأكل جهاراً لأنها تعلم العواقب، ففتحت حلة المحشي وهي تغلي، وقامت بسكب كمية كبيسة من الملح الخشن والخل العكر داخل الحلة، ثم حركتها بسرعة وغطتها وخرجت ببرود دون أن يراها أحد.

1 2الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى