عام

حكايات زهرة ٢

حكايات زهرة ٢

عندما عدتُ إلى المطبخ لضبط النار، شطحت في نفسي ريبة غريبة من حركة الغطاء. رفعت الغطاء وشتمت رائحة نفاذة للخل لا تمت للمحشي بصلة، وعندما ذقت الصوص بالملعقة، كان الطعام قد فسد تماماً وصار مستحيلاً للأكل، والضيوف على وشك الوصول خلال نصف ساعة!
وقفت للوهلة الأولى مصدومة، وعرفت فوراً من وراء هذه الجريمة الخسيسة. أطلقت إيمان بصرها من باب شقتها في الدور الثاني وهي تبتسم ابتسامة شامتة تقطر بالانتصار، ظانةً أنها وضعتني في زاوية حرجة ستفقدني اعتباري أمام العائلة والضيوف، وستجعلني أظهر بمظهر الفاشلة التي لا تجيد إدارة المطبخ.
لكنها لم تكن تعلم أن المعاناة والظلم اللذين شربتهما منها في البداية قد صنعا مني امرأة أخرى لا تنكسر بسهولة، وأن الرد على هذه الخديعة لن يكون بالبكاء أو العويل، بل بضربة قاضية لم تتوقعها في أحلامها.

نظرتُ إلى حلة المحشي المظلومة، ثم رفعتُ رأسي لألمح طيف إيمان وهو يتراجع خلف باب شقتها في الدور الثاني بابتسامة شامتة. في تلك اللحظة بالذات، انطفأت داخل قلبي أي بقية للرحمة أو الشفقة تجاهها. لم أفرك يدي ذهولاً ولم ينزل من عيني دمع واحد؛ بل تحول الذهول إلى جوهر صلب من التفكير السريع والبارد

.
الضيوف سيلجون الباب بعد عشرين دقيقة، والتراجع يعني أمامها وأمام حماتي. أخذتُ الحلة فوراً بسرعة وثبات، وبدلاً من إهدار الوقت في الندب، قمتُ بتصفية المرق المالح والمر بالكامل، وسكبتُ على المحشي ماءً مغلياً لنشله من آثار الخل، ثم أنزلته في الصواني بسرعة، ورششتُ على وجهه قطع السمن البلدي ورشة من المكسرات والنعناع الجاف، وأدخلته الفرن تحت شواية عالية ليتشرب وينشف ويتحمر، ليتحول بقدرة قادر من مجرد “محشي بالشوربة” إلى “صينية محشي مشوي بلدي” ذات رائحة تحبس الأنفاس!
وفي نفس الوقت، سحبتُ من الفريزر أطباق الكبة والرقاق التي كنتُ قد جهزتها ونظفتها بنفسي مسبقاً لحالات الطوارئ، وقليتها في دقائق معدودة، لتصبح الطاولة كاملة ومبهرة وكأن شيئاً لم يكن.
عندما وصل الضيوف وقعد الجميع على المائدة، نزلت إيمان وهي تتصنع البراءة وتترقب لحظة بصق الضيوف للأكل وفضيحتي المدوية. وقفت تنتظر الصراخ، لكن الصدمة شلت أطرافها وهي ترى الخال والكبار يلتهمون الأكل بشغف، وحمايا يصيح معجباً: “إيه الحلاوة دي يا نور؟ محشي مشوي في الفرن بلدي على أصوله! عمرنا ما أكلنا بالتطريز والنظافة دي!”

سقط فك إيمان من الهول، وتغيرت ألوان وجهها كأنها تلقت سيلاً من المياه الباردة. لكن القاضية لم تكن هنا فحسب.
بعد أن انتهى الجميع من الطعام وخرج الضيوف، وقفتُ في وسط الصالة وأنا أحمل الطبق الشفاف الذي احتفظتُ فيه بمرق الخل والملح المركّز الذيصفّيته من الحلة قبل تعديلها. وضعتُ الطبق بثبات على الطاولة أمام حمايا وزوجي وحماتي، وبجانبه الهاتف الذي كان يسجل بوضوح حركة كاميرا المراقبة الصغيرة التي كنتُ قد وضعتها مخفية في زاوية المطبخ العلوية منذ حادثة الفيديوهات الأولى!
فتحتُ الفيديو أمام الجميع… وظهرت إيمان بوضوح تام وهي تتسلل كاللص، وتسكب سائل الخل والملح بغلّ وحقد في حلة الطعام لتقطع عيش البيت وتخرب العزومة!
عمّ الصمت المكان صمتاً مرعباً يشبه صمت ما قبل الزلزال.
وقف حمايا من مكانه، ووجهه يتوقد جمرًا من الغضب، ونظر إلى ابنه (زوج إيمان) وقال بصوت هز أركان البيت: “البيت ده بيت أصول، واللي يدخل فيه غل ووساخة وتخريب للأكل والنعمة، ملوش مكان وسطينا! مرتك دي تاخد هدومها وتروح بيت أبوها تتصرف معاها، ولحد ما تتعلم كيف تحترم النعمة وناس البيت، ما تحطش رجلها هنا!”

حاولت حماتي أن تتكلم أو تدافع، لكن زوجي قاطعها بصرامة لم أرها فيه من قبل: “خلاص يا أمي، نور استحملت القرف والمهانة ولحد هنا والخط أحمر. يا إيمان يا تتعلمي النظافة والأصول وتربي بنتك، يا كل واحد يروح لحاله!”
انفجرت إيمان بالبكاء والنواح، وبكت بحرقة ليس ندمًا، بل لسقوط أقنعتها كلها دفعة واحدة وتعرية غلها أمام الجميع. أخذها زوجها في نفس الليلة إلى بيت أهلها مكسورة، تاركة خلفها بيتاً تطهر أخيراً من العك والقرف.
مرت الأيام، وعاد الهدوء إلى بيت العيلة. حماتي أصبحت تعاملني باحترام وهيبة لم أكن أحلم بهما، والمطبخ أصبح تحت إدارتي المطلقة بالنظافة والنظام. أما إيمان، فلم تعد إلى البيت إلا بعد أشهر طويلة، عادت فيها امرأة أخرى… مقهورة الشوكة، تغسل يدها ألف مرة قبل أن تلمس كوب ماء، وتعرف جيداً أن الذوق وإن كان قد ينتهي، فإن للكرامة والحدود سيفاً لا يرحم!

الصفحة السابقة 1 2

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى