حكايات اسراء هاشم

كنت راجعة من عند ماما بدري عن معادي بساعتين، قولت أعمله مفاجأة وأجهز لقمة حلوة نتغدا بيها سوا. فتحت باب الشقة براحة من غير ما أعمل صوت، دخلت الصالة، لقيت الشنطة بتاعة أختي “شيرين” مرمية على الكنبة. استغربت.. هي شيرين هنا؟ ومقالتليش ليه؟
مشيت في الممر اللي يودي على أوضة النوم، وكل ما أقرب، أسمع صوت همس.. صوت ضحكات مكتومة أنا عارفاها كويس. ضحكة جوزي “شريف” اللطيفة اللي كانت بتطمني، وضحكة أختي اللي المفروض إنها حتة مني.
وقفت قدام الباب، إيدي بتترعش على الأكرة. قلبي كان بيدق لدرجة حسيت إنه هيقف. فتحت الباب براحة، والمنظر اللي شفته كان كفيل يهد حياتي كلها في ثانية.
شيرين واقفة قدام التسريحة، لامة دهبي كله في كيس قطيفة أسود، وبتلبس غويشتي وفرحانة بيها، وشريف واقف وراها، حاضنها من ضهرها وبيضحك ويقولها: “خلاص يا روحي، كله هيبقى ليكي، الدهب والشقة.. وصاحبة الشقة كمان هانت وتغور من حياتنا، أنا مبقتش طايقها.”:
شيرين لفت له بدلع وقالتله: “يعني خلاص يا شريف؟ هتطلقها وتتجوزني أنا؟ أنا ياما غيرت منها ومن عيشتها، وأهو جيه اليوم اللي هاخد فيه كل حاجة كانت معاها.. حتى أنت!”
الدنيا لفت بيا. الموقف مكنش مجرد سرقة دهب، دي كانت سرقة عمر.. سرقة أخت وسرقة جوز. الاتنين اللي كنت بأمنهم على نفسي وعلى سري، واقفين بيبعوني في سوق بالرخيص.
حسيت بنار قايدة في صدري، الدموع اتجمدت في عيني واتحولت لشرار. ملقيتش نفسي غير وأنا بزق الباب بكل قوتي لدرجة إنه خبط في الحيطة وعمل صوت زلزل الأوضة.
حكايات_إسراء_هاشم
الاتنين اتنفضوا. الكيس الأسود وقع من إيد شيرين والدهب اتبعتر على الأرض وعمل رنة سخرية.. رنة بتعلن نهاية كل حاجة حلوة كانت بينا.
شريف وشه اتخطف وبقى زي الأموات، وشيرين حطت إيدها على بوقها بر. عب.
بصيتلهم وأنا مربعة إيدي، وبكل برود العالم اللي اتقلب جوايا لبركان، قولت بصوت واطي ومسموع:
“أهلاً.. منورين يا خونة. كملوا.. كملوا كنتوا بتقولوا إيه بقا؟”
وقفت مربعة إيدي، وبكل برود العالم اللي اتقلب جوايا لبركان، قولت بصوت واطي ومسموع:
“أهلاً.. منورين يا خونة. كملوا.. كملوا كنتوا بتقولوا إيه بقا؟”
الصمت اللي سيطر على الأوضة كان أتقل من جبل. شريف وشه جاب ألوان؛ من أبيض، لأصفر، لأزرق، كأنه ميت متحنط مكانه. الكلمة وقفت في زوره، وعينيه بتتحرك يمين وشمال كأنه بيدور على باب سحري يبلعه ويخلص من الموقف ده. أما شيرين، أختي.. حتة مني.. اللي المفروض إنها سندي في الدنيا، كانت بتبصلي برعب، إيديها بتترعش، ونفسها طالع نازل بصعوبة، كأنها حرامي غسيل اتمسك متلبس.
نزلت عيني على الأرض، بصيت على غوايشي وسلاسلي اللي متطورة على السجادة، واللي المفروض إنها “شقايا وتعبي”، ورفعت عيني ليهم تاني.
شريف حاول يبلع ريقه، وبصوت مهزوز ومكسور قال:
— “إسراء.. إنتي.. إنتي رجعتي بدري ليه؟ أقصد.. إنتي فهمتي غلط، والله العظيم إنتي فاهمة غلط، دي شيرين كانت…”
قاطعته بضحكة عالية، ضحكة كلها وجع وقهر، ضحكة خليته يسكت خالص:
— “شيرين كانت إيه يا شريف؟ كانت بتقيس الدهب عشان تتأكد إنه على مقاسها قبل ما تسرقوه؟ ولا كانت بتجرب حضنك عشان تتأكد إنه دافي قبل ما تتجوزك؟ فهمت غلط إيه يا أخي؟ ده أنا اللي كنت طول عمري غبية وفاهمة غلط، ولسه حالا، في اللحظة دي بس، فهمت كل حاجة صح!”
بصيت لشيرين اللي بدأت دموع التماسيح تنزل من عينيها، وقولتلها وأنا بقرب منها خطوة بخطوة:
— “وإنتي يا حنينة.. يا اللي طول عمرك بتعملي فيها الملاك البريء اللي بيخاف عليا.. بتسرقي دهبي؟ وبتسرقي جوزي؟ شقة إيه اللي عاوزة تاخديها وتغوريني منها؟ ده أنا اللي مدخلاكي بيتي ومآمناكي على عرضي وشرفي وسري! الكره والغل ده كله كان متخبي فين؟”
شيرين لما لقت إن مفيش مفر، وإن مسرحية البراءة سقطت، ملامحها اتغيرت. الرعب اللي في عينيها اتحول لغل وحقد دفين، وردت عليا بصوت مليان وقاحة:
— “أيوة يا إسراء.. أيوة بكرهك وبغير منك! من وإحنا صغيرين وإنتي اللي بتاخدي كل حاجة حلوة.. إنتي اللي متفوقة، إنتي اللي اتجوزتي جوازة عدلة، إنتي اللي معاكي فلوس ودهب وعايشة برنسيسة، وأنا إيه؟ دايماً في ضلك! دايماً شيرين أخت إسراء.. شريف حبني أنا، وارتاح معايا أنا، عشان أنا بحسسه برجولته اللي إنتي طامساها بغرورك!”
مقدرتش أتمالك نفسي، رفعت إيدي وبكل قوة وحرقة قلب نزلت على وشها بقلم رن في الأوضة كلها. قلم طلع كل القهر اللي حسيته. وقعت على الأرض من شدة الضربة، وحطت إيديها على خدها مذهولة.
شريف حاول يتدخل ويعمل فيها راجل:
— “إنتي اتجننتي يا إسراء؟ بتمدي إيدك عليها قدامي؟”
بصيتله نظرة خليته يرجع خطوتين لورا، وقولتله وأنا بشاور بصابعي في وشه:
— “إخرس خالص! إياك أسمع صوتك يا حشرة! أنت أجبن وأصغر من إني أرد عليك. أنت مكنتش راجل معايا عشان تبقى راجل معاها. أنتوا الاتنين لايقين على بعض.. زبالة واتلمت على بعضها.”
الفضيحة الكبرى: مكالمة الحسم
طلعت موبايلي من جيبي، وشريف أول ما شافني بفتح الأرقام، جرى عليا يحاول يمسك إيدي:
— “إسراء أبوس إيدك بلاش جنان، خلينا نحل الموضوع ودي، بلاش فضايح والنبي، دي أختك برضه!”
زقيته بكل قوتي لدرجة إنه خبط في التسريحة:
— “أختي ماتت النهارده.. وأنت كمان مت. واللي ماتوا مابيتزعلش على فضيحتهم.”
اتصلت ببابا. رن مرتين ورد عليا بصوته الحنين:
— “ألو يا حبيبة قلب أبوكي، لحقتي توحشيني.”
الدموع اللي كنت حابساها خانتني ونزلت، بس صوتي كان صارم وقاطع:
— “بابا.. تجيلي حالا على شقتي.. أنت وماما وأخويا أحمد. حالا يا بابا.”
قفل الخط وهو مخضوض. وبعدها اتصلت بحمايا (أبو شريف)، وقولتله نفس الكلمتين:
— “عمي، لو يهمك تعرف ابنك بيعمل إيه في بنات الناس، تعالالي شقتي حالا.”
قعدت على الكرسي اللي في الصالة، حطيت رجل على رجل، وبصيتلهم وهما واقفين في أوضة النوم زي الفيران المبلولة. شيرين بتعيط بجد المرة دي لأنها عرفت إن أبوها وأخوها لو جم مش هيرحموها، وشريف بيلف حوالين نفسه وبيشد في شعره.
”لمي الدهب من على الأرض يا حرامية إنتي وهي وحطيه قدامي هنا على الترابيزة!”
زعقت فيها بصوت رعبها، فنزلت على ركبها تلم الدهب وهي بتترعش، وحطيته قدامي.
محكمة العائلة: انهيار الجدران
نص ساعة وكانت العيلتين في الشقة. بابا دخل مخضوض، وماما وراه، وأحمد أخويا كان باين عليه القلق. وبعدهم بدقايق دخل أبو شريف وأخوه الكبير.
بابا أول ما شافني قاعدة وشريف وشيرين واقفين بعيد مكسورين، سألني برعب:
— “في إيه يا بنتي؟ قلقتيني، حد حصله حاجة؟”
وقفت وابتسمت ابتسامة وجع، وقولتله:
— “مفيش يا بابا.. بس كنت حابة أعزمكم على مسرحية حلوة أوي، أبطالها جوزي المصون وأختي المتربية.”
ماما شهقت: “أختك؟ مالها شيرين؟”
حكيتلهم كل حاجة. من أول ما فتحت باب الشقة، لحد الهس، لكلامهم عن سرقة دهبي والشقة، لخطتهم إنهم يغوروني ويتجوزوا. كل كلمة كنت بقولها كانت بتنزل زي خنجر في قلب أبويا وأمي.
أحمد أخويا مسمعش للآخر، هجم على شريف ضربه بوكس وقعه على الأرض، وفضل يضرب فيه لحد ما أبو شريف نفسه منعه، بس مش عشان يدافع عن ابنه، لأ.. ده شال أحمد، وراح هو نازل بالقلم على وش شريف وقاله:
— “يا خسارة تربيتي فيك يا واطي! تخون مراتك مع أختها؟ بتوطي راسي قدام الراجل اللي أمنك على بنته؟”
أما بابا، فكان واقف باصص لشيرين. نظرة بابا كانت كفيلة تموتها. مكنش فيها غضب على قد ما كان فيها كسر وخيبة أمل. شيرين رمت نفسها تحت رجليه بتعيط:
— “سامحني يا بابا.. شيطان وعماني.. والله العظيم شيطان.”
بابا سحب رجله منها بقرف، وقالها بصوت مبحوح:
— “أنا معنديش غير بنت واحدة اسمها إسراء.. أما إنتي، فإنتي بالنسبة لي متي. لا إنتي بنتي، ولا أعرفك، ولا عايز أشوف وشك ليوم الدين.”
ماما وقعت من طولها وأغمى عليها من الصدمة، والبيت اتقلب صريخ وانهيار.
وقفت في وسط كل ده، وقولت بصوت عالي:
— “خلاص! المسرحية خلصت. شريف، إنت طالق بالتلاتة، وورقتي توصلي بكرا الصبح. هدومك تتلم في شنطة زبالة وتترمي بره بيتي، لأن الشقة دي، اللي كنتوا بتخططوا تاخدوها، مكتوبة باسمي بفلوس ورثي من جدي، وأنت عارف ده كويس. أما إنتي يا شيرين.. خدي الباب في إيدك، ومبروك عليكي الراجل اللي بيخون عشان الفلوس، بكرة يخونك عشان الأرخص.”
الانتقام البارد: القانون والكرامة
الأيام اللي بعدها كانت من أصعب أيام حياتي. الوجع مكنش وجع طلاق، ده كان وجع خيانة مركبة. قلبي كان بينزف من جوه، بس عقلي كان شغال زي المكنة. مكنتش هسمح ليهم يكسروني أكتر من كده.
لجأت لمحامي شاطر جداً. ورفعت على شريف قضايا بكل حقوقي المادية، وتبديد منقولات (قايمة)، وقض..ية خلع لو فكر يماطل في الطلاق. شريف حاول يساومني، حاول يبعت ناس تتوسط عشان يتنازل عن نص القايمة في مقابل الطلاق، بس أنا كنت قاطعة زي السيف:
“يا كل حقوقي لحد آخر مليم.. يا هحبسك بتبديد العفش.”
عيلته اتبرت منه تماماً، وأبوه رفض يدفعله قرش أحمر. اضطر شريف إنه يستلف من طوب الأرض عشان يدفعلي حقي ويسدد قيمة القايمة، عشان ميتسجنش ويفقد وظيفته.
أما شيرين، فبابا طردها من البيت. راحت قعدت عند واحدة صاحبتها فترة، وكانت فاكرة إن شريف هيروح يتجوزها ويعيشوا قصة حبهم اللي مبنية على دمار حياتي.
الكارما: الجحيم اللي صنعوه بإيديهم
زي ما بيقول المثل: “ما بني على باطل فهو باطل”. شريف وشيرين اتجوزوا فعلاً، بس جوازهم كان عبارة عن جحيم على الأرض.
بعد ما شريف دفعلي كل فلوسي، مبقاش حيلته حاجة. أجروا شقة صغيرة في منطقة عشوائية، وضعها يصعب على الكافر. شريف كان متعود على عيشتي أنا؛ النضافة، الدلع، الأكل الجاهز، الحياة المرتبة، والفلوس اللي كنت بساعد بيها في البيت من شغلي. لقى نفسه فجأة شايل مسؤولية كاملة مع واحدة مابتعرفش تسلق بيضة، وكل همها المظاهر والغيرة.
الخناقات بقت يومية: شيرين كانت بتعايره إنه مبقاش معاه فلوس يعيشها زي ما كان معيشني، وإنه ضحك عليها وخلاها تخسر أهلها ومستقبلها.
الشك القاتل: شريف كان دايماً بيشك فيها. كان بيقول لنفسه ولصحابُه في الشغل: “اللي تخون أختها وتسرقها.. مش هتخوني أنا؟” وهي كمان كانت بتفتش في موبايله ليل نهار لأنها عارفة إنه عينه زايغة وخاين.
النهاية المتوقعة: مكملوش سنة مع بعض. شريف طلقها ورماها في الشارع بعد ما ضربها وكسر لها دراعها في خناقة كبيرة بسبب المصاريف. رجعت شيرين تعيط لبابا وتترجاه يسامحها، بس بابا قفل الباب في وشها، وقالها: “اللي يبيع لحمه، ملوش دية عندنا.”
شيرين انتهى بيها الحال شغالة في محل ملابس بمرتب يادوب يكفيها تاكل وتشرب، منبوذة من عيلتها، ومكروهة من كل اللي يعرفوا قصتها. وشريف غرق في الديون، واترفد من شغله بسبب كتر غيابه ومشاكله، وعايش منبوذ حتى من أهله.
ميلاد جديد: الضربة اللي مابتموتش بتقوي
أما أنا.. إسراء.. فبعد ما العاصفة هديت، قعدت مع نفسي وقفة صدق.
الشهور الأولى كانت عذاب، كنت بصحى من النوم أفتكر ضحكتهم في الأوضة، وأحس بنار بتاكل في صدري. بس اكتشفت إن ربنا سبحانه وتعالى كشفهم ليا بدري رحمة بيا، عشان مكملش حياتي مخدوعة في أقرب الناس ليا.
بدأت أركز في نفسي، وفي شغلي.
في الشغل: أخدت دورات تدريبية، وطورت من مهاراتي، وفي خلال سنتين بقيت مديرة قسم كبير في الشركة اللي بشتغل فيها، ومرتبي اتضاعف.
في الحياة الشخصية: غيرت ديكور الشقة بالكامل، مسحت أي ذكرى لشريف أو لشيرين منها. جددت حياتي، سافرت، عملت عمرة ووقفت قدام الكعبة دعيت ربنا يعوضني خير ويبرد نار قلبي، وفعلاً رجعت من هناك إنسانة تانية، روحها خفيفة وقلبها صافي.
العوض: ربنا رزقني بانسان محترم، زميل ليا في الشغل، كان دايماً بيشوفني مثال للمرأة القوية المحترمة. لما عرف قصتي، زاد احترامه ليا، واتقدملي. وافقت بعد ما اتأكدت من أخلاقه وأصله الطيب. اتجوزنا، وعشت معاه الحياة اللي بجد كنت أستاهلها، حياة مبنية على الصدق، الاحترام، والأمان الحقيقي اللي مفيش فيه طعنات في الضهر.
الخلاصة اللي اتعلمتها من التجربة دي:
الضربة اللي بتيجي من القريب بتكسر الظهر، لكنها بتفتح العين. بتخليك تشوف الدنيا على حقيقتها، وتعرف إن الأمان الحقيقي مش في الأشخاص، الأمان في ربنا سبحانه وتعالى وفي نفسك اللي بتبنيها.
الغيرة والحقد نار بتاكل صاحبها. شيرين دمرت حياتي مؤقتاً، بس دمرت حياتها هي للأبد.
النهايات أخلاق، والخيانة اختيار. شريف اختار الطريق السهل الرخيص، فدفع التمن غالي جداً من كرامته ومستقبله.
العوض بتاع ربنا ملوش حدود. لما بتصبر وتحتسب، وتقف على رجلك بكل كبرياء وقوة، ربنا بيسوقلك رزق وفرحة ينسوك كل لحظة وجع عيشتها.
قفلت الصفحة دي من حياتي للأبد، وبقيت بفتكرها بس عشان أحمد ربنا على نعمته إنه نجاني من مستنقع الخيانة، وطلعني منه إنسانة أقوى، أنجح، وأسعد. دي كانت حكايتي، حكاية “إسراء هاشم”، اللي رفضت تكون ضحية، واختارت تكون بطلة قصتها الجديدة.



