روايات وقصص

الرحيل الاخير ج٣

الساعة كانت أربعة الفجر، والصالة كانت نضفت تمامًا.

الأقفاص اختفت.

وريحة أكل العصافير اختفت.

والحيوانات الخايفة اختفت.

طفيت شموع كريم، وحطيت مفاتيح البيت على الترابيزة جنب جواب مطوي.

الجواب ماكانش اعتذار.

كان مكتوب فيه:

ـ «حسن، لما تقرأ الجواب ده، ماتتصلش علشان تعاتبني. اتصل بمحاميك.»

الساعة خمسة ونص، التاكسي كان في طريقه لميناء ميامي.

الجو كان لسه ضلمة، وضباب خفيف مغطي الطريق.

ولأول مرة من سنين، الحاجة الوحيدة اللي كنت محتاجة أمسكها بإيدي كانت جواز سفري.

داليا اتصلت الأول.

وبعدها حسن.

وبعدها داليا تاني.

سيبت الموبايل يهتز فوق رجلي، وأنا ببص من الشباك للسفينة البيضاء الكبيرة اللي ظهرت قدامي، كأنها مدينة عائمة مستنياني علشان تاخدني بعيد.

وقبل ما أطلع السفينة بدقايق، وصلتني رسالة خلتني أقف مكاني.

«ماما، إنتِ عملتي إيه؟ في واحدة من المحكمة واقفة على الباب وبتقول إن البيت مبقاش بتاعنا.»

بصيت للبحر وابتسمت.

وبعدها حسن بعت صورة.

كان واقف شاحب في الصالة، ماسك الجواب بتاعي.

وورا ظهره، على الترابيزة، كان فيه الملف التاني اللي تعمدت أسيبه باسمه.

أنا ماخبيتوش.

وده كان مقصود.

حطيته جنب صورة كريم بالظبط، في نفس المكان اللي داليا كانت حاطة فيه الأقفاص، كأن حزني مجرد سطح فاضي يحطوا عليه حاجاتهم.

في الصورة، صوابع حسن كانت ماسكة الملف بقوة لدرجة إنها كانت بتني الورق.

وداليا واقفة وراه من غير موبايل.

النظارة الشمس كانت مرفوعة فوق شعرها، وبوقها مفتوح شوية.

ولأول مرة، شكلها كان خايف، مش متضايق.

حسن اتصل تاني.

المرة دي رديت، لكن استنيته هو اللي يتكلم.

ـ «ماما…»

صوته كان شبه صوت الولد الصغير اللي كنت فاكره من سنين.

ـ «إيه ده؟»

وفي الخلفية، كانت الست اللي من المحكمة بتقوله يبعد عن الترابيزة.

داليا همست:

ـ «حسن، افتحه.»

ساعتها ثقته اختفت.

لأن أول صفحة ماكانتش جواب مني.

كانت نسخة من الورقة اللي كريم وأنا وقعناها وهو لسه قادر يمسك القلم، ولسه عنده من الوعي ما يكفي إنه يفهم إن ابننا بدأ يتعامل مع البيت كأنه ميراث مضمون.

حسن طلع صوت غريب.

مش عياط.

لسه.

مجرد صوت واحد بدأت الثقة تسيبه، بعد ما قضى سنين مقتنع إن أمه عمرها ما هتقول له لأ.

وبعدين داليا قرأت السطر التاني بصوت متكسر:

ـ «البيت يفضل ملك نوال وحدها طوال حياتها.»

المكان كله سكت.

حسن كأنه بطل يتنفس.

ـ «إيه؟»

موظفة المحكمة لمست الملف وقالت:

ـ «يا أستاذ حسن، لازم تقرأ المستند كله قبل ما تفترض أي حاجة.»

حسن بدأ يقرأ.

في الأول بسرعة.

وبعدين أبطأ.

وبعدين رجع قرأه من البداية.

ملامحه اتغيرت.

ـ «لا…»

داليا قربت منه.

ـ «مكتوب إيه؟»

بلع ريقه وقال:

ـ «ماما حطت البيت في صندوق ائتماني محمي.»

داليا بصت له بعدم تصديق.

ـ «صندوق ائتماني؟»

هز راسه.

ـ «من تلات سنين.»

تلات سنين…

وأنا في التاكسي، قفلت عيني وافتكرت.

كريم كان قاعد معايا على ترابيزة المطبخ، وإيديه كانت بتترعش وهو بيمضي الورق.

وبعد ما خلص، بص لي وقال:

ـ «نوال، اوعديني بحاجة.»

قلت:

ـ «إيه؟»

قال:

ـ «ماتخليش البيت ده يبقى عقاب ليكي علشان قدرتي تكملي حياتك من بعدي.»

وعدته.

وكريم هو اللي حمى الوعد ده.

من غير ما حسن يعرف، طلب من المحامي بتاعنا إنه يعمل الصندوق الائتماني ويحمي البيت.

البيت، والمدخرات المرتبطة بيه، والحساب الاستثماري الصغير اللي كنا بنبنيه سوا… كلهم بقوا محميين.

حسن ماكانش يعرف أي حاجة.

كل مرة كريم كان يحاول يتكلم معاه عن المستقبل، حسن كان يغير الموضوع.

كان عايز يعرف هيورث إيه.

لكن نادرًا ما كان بيسأل أبوه:

ـ «إنت عامل إيه؟»

وده كان الفرق.

موبايلي رن تاني.

رديت.

ـ «ماما.»

صوت حسن كان مكسور.

ـ «إنتِ فين؟»

من شباك التاكسي، كنت شايفة أنوار ميامي بدأت تظهر مع بداية الصبح.

قلت:

ـ «رايحة أعمل إجازة.»

قال بسرعة:

ـ «ماما، الموضوع مش هزار.»

قلت بهدوء:

ـ «أنا عارفة.»

ـ «إنتِ ماينفعش تسيبينا كده!»

كنت على وشك أضحك.

أسيبهم؟

هم اللي سابوني لوحدي جنب قبر كريم.

هم اللي رَموا تلات أقفاص في الصالة.

هم اللي ادوني تعليمات وأنا لسه دافنة جوزي ولابسة أسود.

دلوقتي هما زعلانين علشان أنا أخيرًا اللي مشيت.

قلت له بهدوء:

ـ «حسن، إنت ماخسرتش البيت النهارده.»

سكت.

كملت:

ـ «إنت خسرت حقك في إنك تفترض إن البيت ده بتاعك.»

نَفَسه بقى متقطع.

ـ «ماما، والنبي…»

الكلمة دي وقفتني.

«والنبي.»

مش فاكرة آخر مرة ابني قالهالي فيها.

لكن رغم كده، ما رجعتش.

قلت:

ـ «خلي بالك من داليا.»

وبعدين قفلت المكالمة.

ولأول مرة من أربعين سنة، قفلت موبايلي.

وصلت ميناء ميامي، وطلعت السفينة بشنطة واحدة، وبحزن ماعدتش حاسة إني مطالبة أعتذر عنه.

شاب من طاقم السفينة استقبلني وقال:

ـ «مسافرة لوحدك يا مدام؟»

بصيت ورايا ناحية المدينة.

وقلت:

ـ «أيوه.»

ولأول مرة، كلمة «لوحدي» ماحستهاش وحدة.

حسيتها حرية.

بعد تلات أيام، كنت واقفة في بلكونة الكابينة بتاعتي، ببص على بحر ملوش نهاية.

عمري ما شفت منظر بالاتساع والهدوء ده.

السفينة كانت بتتحرك تحت شمس الصبح.

شربت قهوتي.

وقريت كتاب كريم القديم.

ولأول مرة من يوم ما دفنته، ضحكت.

مش علشان نسيت جوزي.

لكن علشان فهمت أخيرًا إن حبي لكريم مش معناه إني أقضي باقي عمري أخدم ناس مش بيرجعوا لي نفس الحب.

بعد الضهر، فتحت موبايلي.

لقيت 43 مكالمة فائتة.

28 من حسن.

11 من داليا.

و4 من أرقام غريبة.

المحامي كان سايب لي رسالة صوتية.

شغلتها.

ـ «مدام نوال، كل حاجة اتظبطت. الصندوق الائتماني قانوني وساري، والبيت محمي. أستاذ حسن وزوجته مالهمش أي حق ملكية فيه. وعندهم لحد يوم الجمعة علشان يخرجوا أي حاجات تخصهم من البيت.»

ابتسمت.

بعدها وصلتني رسالة من حسن:

«ماما، داليا عايزة تكلمك.»

مسحتها.

بعد دقيقة وصلت رسالة تانية:

«أرجوكي.»

بصيت للكلمة دي فترة.

وبعدين كتبت 3 كلمات:

«إنت قلت خلاص.»

بعت الرسالة وقفلت الموبايل.

مرت أسابيع.

السفينة خدتني من ميامي لجمايكا، وعدينا على جزر الكاريبي، وبعدها بدأنا نتجه ناحية أوروبا.

وأخيرًا شفت أماكن قضيت أربعين سنة بقول لنفسي إني هزورها يومًا ما.

لكن «يومًا ما» دايمًا كان بييجي بعد حد تاني.

بعد ما حسن يحتاج مساعدة.

بعد ما داليا تحتاج حد يقعد مع البيبي.

بعد ما كريم يتحسن.

بعد ما الفواتير تتدفع.

بعد ما كل الناس ترتاح.

دايمًا كان فيه «بعد».

لحد ما…

ما بقاش فيه بعد.

فبطلت أستنى.

اتعلمت أرقص فوق سطح السفينة.

وبقيت أفطر لوحدي.

ودخلت فصل لتعليم الرسم بالألوان المائية.

وقعدت مع ناس ماعرفهمش، وسمعت حكاياتهم.

ولا واحد فيهم سألني:

ـ «إنتِ ممكن تعملي لنا إيه؟»

كانوا بس بيسألوني:

ـ «اسمك إيه؟»

وأقول:

ـ «نوال.»

وكان ده كفاية.

بعد شهرين من الرحلة، حسن اتصل.

رديت.

ـ «ماما.»

صوته كان مختلف.

أهدى.

قال:

ـ «عايز أقولك حاجة.»

ـ «قول.»

ـ «أنا روحت قبر بابا.»

سكت.

ـ «أنا ماكنتش روحت من يوم الجنازة.»

حسيت بحلقي بيضيق.

قلت:

ـ «قلت له إيه؟»

تنهد.

ـ «قلت له إني آسف.»

بصيت للبحر.

وسألته:

ـ «آسف على إيه؟»

قال:

ـ «على إني عاملتك كأنك مفروض تفضلي طول عمرك شايلاني.»

قفلت عيني.

أخيرًا…

الجملة اللي استنيت أربعين سنة علشان أسمعها، سمعتها.

والغريب؟

إني ماعدتش محتاجاها.

قلت:

ـ «أتمنى تكون قصدتها.»

قال:

ـ «أنا قصدتها.»

ـ «وداليا؟»

ـ «فهمت.»

ابتسمت تقريبًا.

ـ «فهمت بجد؟»

ـ «أيوه.»

سكتنا شوية.

وبعدين سأل بصوت واطي:

ـ «إنتِ راجعة البيت؟»

بصيت حواليا في الكابينة.

شنطتي.

الفازة الصغيرة اللي كنت شاريها الصبح.

وصورة كريم جنب الشباك.

قلت:

ـ «لأ.»

حسن سكت.

فكملت:

ـ «يعني… مش دلوقتي.»

ـ «ماما…»

ـ «أنا بحبك يا حسن.»

صوته اتكسر.

ـ «وأنا بحبك يا ماما.»

قلت:

ـ «بس حبي ليك مش معناه إني أعيش علشانك.»

بدأ يعيط.

وسيبته.

أوقات، الدموع بتكون أول حاجة صادقة فاضلة عند الإنسان.

قلت له:

ـ «هشوفك لما أبقى جاهزة.»

وقفلنا.

بعد ست شهور، رجعت السفينة لميناء ميامي.

نزلت وأنا شايلة نفس الشنطة الزرقا.

لكن الست اللي كانت شايلة الشنطة ماكانتِش نفس الست اللي ركبتها.

الست مريم كانت مستنياني عند الميناء.

حضنتني فورًا وقالت:

ـ «إنتِ شكلك اتغير.»

ضحكت.

ـ «حاسّة إني اتغيرت.»

قالت:

ـ «هتعملي إيه دلوقتي؟»

بصيت ناحية ميامي.

وبعدين بصيت للطريق اللي كان رايح ناحية البيت.

وقلت:

ـ «أعتقد إني هبيع البيت.»

رفعت حاجبها.

ـ «البيت؟»

ـ «أيوه.»

ـ «إنتِ متأكدة؟»

هزيت راسي.

ـ «كريم وأنا بنيناه سوا. ومش عايزة يتحول لساحة حرب.»

ـ «وهتعيشي فين؟»

ابتسمت.

ـ «في مكان فيه بلكونة.»

ضحكت.

ـ «طبعًا.»

قلت:

ـ «ويمكن جنينة.»

ـ «طبعًا.»

ـ «وأوضة للضيوف.»

بصت لي بشك.

ـ «ليه؟»

ابتسمت.

ـ «علشان ابني يقدر يزورني.»

ملامحها لانت.

ـ «بس لما إنتِ تعزميه.»

ضحكت.

ـ «بالظبط.»

وضحكنا إحنا الاتنين.

بعد 3 أسابيع، بعت البيت القديم.

الفلوس اتحطت في حساب باسمي أنا وبس.

واشتريت بيت صغير أبيض قريب من الميه.

كان فيه بلكونة.

وجنينة.

وكرسيين هزازين.

وركن هادي حطيت فيه صورة كريم.

أنا ماكنتش باستبدله.

أنا كنت بعمل له مكان في حياتي الجديدة.

في يوم حد بعد الضهر، خبط حد على الباب.

كنت عارفة مين قبل حتى ما أفتحه.

كان حسن.

لوحده.

مفيش نظارة شمس.

ولا قميص غالي.

ولا نبرة أوامر.

مجرد ابني.

كان شايل علبة صغيرة.

بص لي وقال:

ـ «ممكن أدخل؟»

فضلت باصة له ثواني.

وبعدين بعدت عن الباب.

دخل حسن وحط العلبة على الترابيزة.

فتحتها.

ولقيت جواها…

حلقان فرحي.

الحلقان اللي كنت بعتهم من سنين علشان أدفع علاج كريم.

بصيت له ومش عارفة أتكلم.

ـ «جبتهم منين؟»

قال:

ـ «اشتريتهم تاني.»

عيني دمعت.

قلت:

ـ «أنا عارفة إنهم مش نفسهم.»

هز راسه.

ـ «لأ… مش نفسهم.»

سكت شوية.

وبعدين قال:

ـ «أنا مش هقدر أرجع لك السنين اللي ضاعت.»

قلت:

ـ «لأ.»

ـ «ومش هقدر أمسح اللي عملته.»

ـ «لأ.»

ـ «بس أقدر أبطل أطلب منك تشيليني.»

لأول مرة من سنين، صوت ابني كان صوت راجل كبير.

لمست الحلقان بإيدي.

وبعدين بصيت له.

وقلت:

ـ «ممكن تتعشى.»

عينيه دمعت.

ـ «بجد؟»

ابتسمت.

ـ «أيوه.»

وبعدين ضفت:

ـ «بس إنت اللي هتغسل المواعين.»

ضحك.

ولأول مرة من سنين، ضحكته ماوجعتنيش.

الليلة دي، بعد ما حسن مشي، وقفت تحت السما في البلكونة.

البحر كان ضلمة.

والهوا شايل ريحة الملح.

وصورة كريم كانت على الترابيزة الصغيرة جنبي.

لمست البرواز وقلت بهمس:

ـ «كان عندك حق.»

طول حياتي كنت فاكرة إن كوني مطلوبة من الناس معناها إنهم بيحبوني.

لكن الاتنين مش واحد.

الحب معناه إن الناس تفتكرك.

تحترمك.

وتسيبك ترتاح.

وأحيانًا…

الحب بيحتاج شجاعة كفاية إنك تقول:

لأ.

بصيت للطريق الفاضي قدامي.

وابتسمت.

جوزي راح.

وابني كبر.

والبيت القديم راح.

وحياتي القديمة انتهت.

لكن…

أنا لسه هنا.

وده كان الشيء اللي محدش فهمه.

هم افتكروا إن موت كريم أخد مني كل حاجة.

لكنهم كانوا غلطانين.

أنا أخيرًا…

لقيت نفسي.

والمرة دي…

مش هديها لحد تاني.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى