روايات وقصص

اعتنيت باطفال اختى

وبعد 12 سنة، اعتراف ابن أختي. مفيش حاجة في الدنيا كانت تقدر تفرق بيني وبين أختي زينب، كنا روح واحدة ومبنسيبش بعض أبداً. هي وجوزها محمود كانوا عيلة زي الفل والضحكة مالية بيتهم مع تسع أطفال متبنيينهم، لكن الدنيا لفّت بينا ولما اتولد ابنهم الصغير ياسين زينب جالها مرض وماتت وسابتهم وراها. محمود لقى نفسه لوحده مع مسؤولية ال 9 أطفال، وطبعاً مسبتهوش وكنت دايماً في ضهره وبسنده، وفي يوم قالي إنه لازم يسافر القاهرة يخلص ورق ومصلحة مهمة وأمنني على الولاد، وخرج ليلتها وموجعش تاني أبداً.

 

دي كانت صعبة أوي والمطر كان مغرق الدنيا، وعربية محمود اتقلبت بيه على الطريق الصحراوي ولقوها مخبوطة في حاجز خرساني ومتبهدلة خالص، الغريب إن الأبواب كانت مفتوحة على آخرها بس مكنش فيه أي أثر لجوز أختي جوه العربية ولا حتى حولها. بعد شهور من التدوير والبحث، الشرطة بلغتني إنه بنسبة كبيرة غاب والجثة ممكن تكون ضاعت في مكان بعيد، قلبي كان بيتقطع حتت بس كان لازم أجمد عشان ولاد أختي، خدتهم في حضني وربيتهم كأنهم ولادي بالظبط؛ كنت بسرح شعر البنات وأطبخ لعشر بوقوف كل يوم وبسهر على راحتهم. العيال دي كانت هي دنيتي، وبالذات الصغير ياسين اللي كان عنده 4 سنين بس لما أمه وأبوه ضاعوا، ومرت 12 سنة في غمضة عين وياسين كبر وبقى شاب.

بس مؤخراً لاحظت إن ياسين حاله اتشقلب وبقى غامض وتصرفاته غريبة، أول ما يرجع من المدرسة يدخل أوضته ويقفل الباب بالمفتاح، ولما أروح أخبط عليه وأسأله ماله يزعق ويقولي معلش يا خالتو مضغوط من الدروس، كنت عايزة أفهم ماله بس الموضوع استمر أيام وبقى مقلق جداً. وفي الآخر مقدرتش أصبر، وأول ما رجع من المدرسة وقفته عند الباب ومسكت إيده وقولتله لازم تحكيلي مخبي عني إيه. فجأة وشه اتخطف وبقى أصفر زي الليمونة وصوته بقى يترعش وقالي أنا خلاص مستعد أقولك الحقيقة، ركبي خبطت في بعضها وقولتله بتهتهة حقيقة إيه يا ياسين؟ وقعت قلبي!، راح واخد خطوة ناحيتي وعينه غرقانة دموع وهمس في ودني الحقيقة اللي حصلت ليلة الحادثة من 12 سنة.. أنا عارف أمي فين دلوقتي.

الدموع اللي كانت في عينه جمدت فجأة، وبقت نظرته حادة، لدرجة إني رجعت خطوة لورا من الخوف. إنت بتقول إيه يا ياسين؟ أمك رحلت ودفناها بإيدنا، والوجع ده عشنا فيه سنين!.. ضغط على إيدي بقوة خلتني أتألم، وهمس وصوته طالع بوشيش لا يا خالتو، إحنا دفنا كفن فاضي.. أنتي نسيتی إن محمود خدني معاه في العربية ليلتها؟.

قلبي سقط في رجلي، الذاكرة بدأت تتجمع زي فلاشات سريعة وموجعة؛ ليلتها الكل كان فاكر إن ياسين نايم في أوضته، مفيش حد دور عليه في وسط زحمة الصدمة والشرطة. كنت مستخبي ورا الكرسي.. بابا مكنش بيخلص ورق، بابا كان مسافر بعيد وبيخفيها!.. كمل كلامه وهو منهار العربية متقلبتش لوحدها، فيه ناس وقفتنا، وبابا زقني برا العربية في الضلمة وقالي اجري ومتبصش وراك.. وشفتهم وهما بيشيلوا ماما وهي لسه بتتنفس وبيهربوا بيها لعربية تانية.. بابا ممتش يا خالتو، بابا هو اللي بعدنا، وهو اللي باعتلي الرسالة دي النهاردة.

طلع من جيبه ورقة مطبقة ومهرية، فتحتها بإيد بتترعش، كان مكتوب فيها بخط أنا عارفاه كويس، خط محمود اللي مفارقتش عيني سنين: ياسين، كفاية 12 سنة حماية.. الوقت جه عشان ترجع الأمانة لصحابها، افتح السرداب اللي تحت السرير، أمك مستنية اللي يطمن عليها. بصيت لياسين برعب، والسؤال كان بيصرخ جوايا سرداب إيه؟ إحنا عايشين في البيت ده بقالنا 12 سنة ومشفناش حاجة!.. فجأة سمعنا صوت خبطة مكتومة جاية من تحت الأرض، من أوضة ياسين اللي كانت مقفولة بالمفتاح، خبطة منتظمة.. كأن فيه حد بيستنجد بقاله سنين.

اعتنيت بأطفال أختي التسعة بعد ما فقدتها في حادثة عربية… وبعد 12 سنة، دمي اتجمد في عروقي من اعتراف ابن أختي.

مفيش حاجة في الدنيا كانت تقدر تفرق بيني وبين أختي زينب، كنا روح واحدة ومبنسيبش بعض أبداً. هي وجوزها محمود كانوا عيلة زي الفل والضحكة مالية بيتهم مع تسع أطفال متبنيينهم، لكن الدنيا لفّت بينا ولما اتولد ابنهم الصغير ياسين زينب جالها تعب وماتت وسابتهم وراها. محمود لقى نفسه لوحده مع مسؤولية ال 9 أطفال، وطبعاً مسبتهوش وكنت دايماً في ضهره وبسنده، وفي يوم قالي إنه لازم يسافر القاهرة يخلص ورق ومصلحة مهمة وأمنني على الولاد، وخرج ليلتها وموجعش تاني أبداً.

الليلة دي كانت صعبة أوي والمطر كان مغرق الدنيا، وعربية محمود اتقلبت بيه على الطريق الصحراوي ولقوها مخبوطة في حاجز خرساني ومتبهدلة خالص، الغريب إن الأبواب كانت مفتوحة على آخرها بس مكنش فيه أي أثر لجوز أختي جوه العربية ولا حتى حولها. بعد شهور من التدوير والبحث، الشرطة بلغتني إنه بنسبة كبيرة غاب، قلبي كان بيتقطع حتت بس كان لازم أجمد عشان ولاد أختي، خدتهم في حضني وربيتهم كأنهم ولادي بالظبط؛ كنت بسرح شعر البنات وأطبخ لعشر بوقوف كل يوم وبسهر على راحتهم. العيال دي كانت هي دنيتي، وبالذات الصغير ياسين اللي كان عنده 4 سنين بس لما أمه وأبوه ضاعوا، ومرت 12 سنة في غمضة عين وياسين كبر وبقى شاب.

بس مؤخراً لاحظت إن ياسين حاله اتشقلب وبقى غامض وتصرفاته غريبة، أول ما يرجع من المدرسة يدخل أوضته ويقفل الباب بالمفتاح، ولما أروح أخبط عليه وأسأله ماله يزعق ويقولي معلش يا خالتو مضغوط من الدروس، كنت عايزة أفهم ماله بس الموضوع استمر أيام وبقى مقلق جداً. وفي الآخر مقدرتش أصبر، وأول ما رجع من المدرسة وقفته عند الباب ومسكت إيده وقولتله لازم تحكيلي مخبي عني إيه. فجأة وشه اتخطف وبقى أصفر زي الليمونة وصوته بقى يترعش وقالي أنا خلاص مستعد أقولك الحقيقة، ركبي خبطت في بعضها وقولتله بتهتهة حقيقة إيه يا ياسين؟ وقعت قلبي!، راح واخد خطوة ناحيتي وعينه غرقانة دموع وهمس في ودني الحقيقة اللي حصلت ليلة الحادثة من 12 سنة.. أنا عارف أمي فين دلوقتي.

الدموع اللي كانت في عينه جمدت فجأة، وبقت نظرته حادة، لدرجة إني رجعت خطوة لورا من الخوف. إنت بتقول إيه يا ياسين؟ أمك رحلت ودفناها بإيدنا، والوجع ده عشنا فيه سنين!.. ضغط على إيدي بقوة خلتني أتألم، وهمس وصوته طالع بوشيش لا يا خالتو، إحنا دفنا كفن فاضي.. أنتي نسيتی إن محمود خدني معاه في العربية ليلتها؟.

قلبي سقط في رجلي، الذاكرة بدأت تتجمع زي فلاشات سريعة وموجعة؛ ليلتها الكل كان فاكر إن ياسين نايم في أوضته، مفيش حد دور عليه في وسط زحمة الصدمة والشرطة. كنت مستخبي ورا الكرسي.. بابا مكنش بيخلص ورق، بابا كان بيخفيها!.. كمل كلامه وهو بيحكي منهار: العربية متقلبتش لوحدها، فيه ناس وقفتنا، وبابا زقني برا العربية في الضلمة وقالي اجري ومتبصش وراك.. وشفتهم وهما بيشيلوا ماما وهي لسه بتتنفس وبيحطوها في عربية تانية.. بابا ممتش يا خالتو، بابا هو اللي بعدنا، وهو اللي باعتلي الرسالة دي النهاردة.

طلع من جيبه ورقة مطبقة ومهرية، فتحتها بإيد بتترعش، كان مكتوب فيها بخط أنا عارفاه كويس، خط محمود اللي مفارقتفش عيني سنين: ياسين، كفاية 12 سنة حماية.. الوقت جه عشان ترجع الأمانة لصحابها، افتح السرداب اللي تحت السرير، أمك مستنية اللي يطمن عليها. بصيت لياسين برعب، والسؤال كان بيصرخ جوايا سرداب إيه؟ إحنا عايشين في البيت ده بقالنا 12 سنة ومشفناش حاجة!.. فجأة سمعنا صوت خبطة مكتومة جاية من تحت الأرض، من أوضة ياسين اللي كانت مقفولة بالمفتاح، خبطة منتظمة.. كأن فيه حد بيستنجد بقاله سنين.

اللي ضاع ليلتها.. الست رفعت راسها ببطء، وعينها لما جت في عيني، صرخت صرخة مكتومة، ومدت إيدها وقالت بصوت هادئ: تأخرتي ليه يا أختي؟ محمود قال إنك هتيجي تاخدي مكانك عشان أمشي أنا.

الكلمة نزلت عليا كأنها صاعقة، رجلي ملمستش الأرض وبقيت ساندة على جدار السرداب البارد وأنا مش مصدقة. آخد مكاني؟ زينب.. أنتي بتقولي إيه؟ صوتي طلع مبحوح، والست اللي قدامي بدأت تبتسم بابتسامة غريبة، وهي بتشاور بإيدها على ركن الغرفة اللي وراها.

بصيت مطرح ما بتشاور، وشفت حاجة خلت عقلي يطير؛ كان فيه أشكال تذكارية من الشمع، معمولين بدقة، كل شكل فيهم نسخة طبق الأصل من واحد من الولاد اللي ربيتهم ال 12 سنة اللي فاتوا، بس الأشكال كانت متوصلة بأسلاك نازلة من سقف السرداب. محمود مبعش حد يا خالتو.. ياسين نطق الجملة دي وهو واقف ورايا، وصوته فجأة اتغير، بقى غليظ وعميق، محمود كان بيحمينا.. التماثيل والترتيبات دي كانت طريقة قديمة لحماية البيت، دول مش أخواتي يا خالتو، دول اللي كان لازم يعيشوا وسطك عشان يتعلموا منك.

الست اللي مفروض إنها أختي قامت وقفت، وبدأت تقرب مني وهي بتجر رجلها، والريحة التقيلة بقت موجودة. ياسين كبر يا أختي.. وياسين هو الوحيد اللي من دمه، الباقي مجرد أوعية للخير، ودلوقتي الدائرة لازم تتقفل.. أنتي سكنتي بيتي، وربيتي ولاده، ودلوقتي لازم تسكني مكاني عشان أنا أطلع أشوف الشمس اللي نسيت شكلها.

فجأة، الباب الخشب اللي فوق السلم اترزع بقوة، وسمعت صوت قفل بيتقفل من برا. النور اللي كان طالع من كشاف ياسين طفى، وبقينا في ضلمة، مش سامعة فيها غير صوت نهجان الست اللي بتقرب مني، وصوت ياسين وهو بيهمس في ودني بكل هدوء: متخافيش يا خالتو.. أنتي كنتي أم عظيمة، ومحمود مستنيكي فوق عشان يكمل الحكاية.

وفي وسط الضلمة دي، لمست إيد باردة رقبتي، وبدأت تضغط ببطء وهي بتقول: قوليلي.. العيال اتعشوا ولا ناموا جعانين؟

حاولت أصرخ، لكن صوتي اتحبس في حلقي. الضلمة كانت تقيلة لدرجة إني مكنتش شايفة كف إيدي، بس كنت حاسة بوشها قريب من وشي. العيال.. العيال كويسين يا زينب.. نطقت الكلمات دي بصعوبة وأنا بحاول أهدي الأمور، لكن الموقف كان رهيب.

فجأة، بدأت الأشكال اللي في الركن تنور بضوء باهت، خيط رفيع من النور طالع من كل مكان ورايح ناحية السقف، وكأن البيت كله فوقنا بقى متوصل بيهم. مع كل حركة، كنت بسمع صوت عيل من الولاد فوق وهو بينادي بصوت قصير ومكتوم. ياسين! إلحق أخواتك يا ياسين! نديت عليه وأنا بلف أدور عليه في الضلمة، لكنه كان اختفى، مكنش فيه غير صوته اللي جاي من كل زاوية في الأوضة: مفيش أخوات يا خالتو.. مفيش إلا العهد.

الست سابتني فجأة ووقعت على الأرض وهي بتئن، وجسمها بدأ يهدى. في اللحظة دي، النور زاد، وشفت الحيطة اللي ورا السرير بتتشقق، وظهر من وراها ممر تاني ضيق جداً، وطالع منه صوت خطوات تقيلة ومنتظمة.. خطوات محمود.

الخطوات كانت بتقرب، ومع كل خطوة كان البيت فوقنا بيتهز. عشر سنين يا زينب.. عشر سنين وأنا بجهز البديل، صوت محمود جه من الممر، بس مكنش صوته اللي أعرفه، كان صوت خشن ومحشرج. ظهر محمود من الضلمة، بس مكنش كبر يوم واحد من ليلة الحادثة، لبسه لسه نضيف، وملامحه لسه شباب، وكأنه متجمد في الزمن.

بصلي ببرود وقال: كنتي فاكرة إن الحادثة كانت قضاء وقدر؟ أنا اللي بعدت العربية، وأنا اللي سحبت زينب هنا قبل ما الشرطة توصل، كان لازم الناس تفتكر إننا متنا عشان نعيش الحقيقة هنا.. تحت الأرض. قرب من الست المرمية على الأرض ولمس راسها بهدوء، وبعدين بصلي وعينه اتحولت للون غامق: زينب خلصت طاقتها، والبيت محتاج روح جديدة تشيله.. روح عاشت وحبت وربت بصدق، زيك يا أختي.

ياسين ظهر فجأة جنب أبوه، وماسك في إيده مفتاح قديم عليه رموز مكنتش قادرة أفهمها. ياسين.. أنا اللي ربيتك.. قولتله وأنا بنهار، بصلي بكسرة للحظة، لكنه سرعان ما استعاد جموده وقالي: عشان كدة أنتي أحسن واحدة للعهد.. قلبك هو اللي هيربط المكان ببعضه للأبد.

محمود بدأ يتمتم بكلمات، والأشكال بدأت تتهز وتتحرك من مكانها، تقرب مني بخطوات هادئة، وعيونها الشمعية بدأت تفتح.. وفي اللحظة اللي محمود رفع فيها إيده عشان يديني إشارة النهاية، سمعت صوت خبط عنيف على باب السرداب من فوق، وصوت حد من الولاد برا بيصرخ: يا خالتو! ياسين بيحاول يحبسنا! افتحي الباب!

الخبط اللي فوق كان مرعب، وكأن البيت كله بيحاول يتهد على روسنا. محمود اتنفض وملامحه الهاوية اتحولت لغضب، بص لياسين وزعق بصوت زلزل جدران السرداب: اخلص! العهد بيتهز! لو حد دخل قبل ما الأمور تتم، السقف ده هينزل علينا كلنا!

ياسين رفع المفتاح وإيده كانت بتترعش، الدموع رجعت تلمع في عينه تاني، وكأنه بيصارع شعور جواه. مش قادر يا بابا.. دي خالتو، دي اللي أكلتني ونيمتني في حضنها لما ماما غابت!.. محمود ضربه خفيف وقعه على الأرض، وسحب المفتاح منه وهو بيقرب مني وعينه جادة: يبقى أنا اللي هختم العهد.

الست اللي على الأرض زينب بدأت تزحف ناحية رجلي، بس مش عشان تهاجمني، دي كانت بتمسك في طرف جلابيتي وبتهز راسها يمين وشمال كأنها بتستغيث بيا أهرب. فجأة، صوت الخبط فوق اتحول لصوت تكسير خشب، ووقعت حتة من السقف الضيق، ونزل منها عمر، أكبر الولاد، كان ماسك عصا وبينهج وصدره بيعلو ويهبط من الرعب.

عمر شاف المنظر، شاف محمود اللي المفروض ميت، وشاف زينب، وشافني وأنا محشورة في الزاوية. بابا؟ همس بذهول، لكن محمود مدهوش فرصة يفهم، حدف المفتاح ناحيته. المفتاح مجاش في عمر، جه في واحد من التماثيل الشمع اللي وراه.

في اللحظة دي، حصلت حاجة مكنتش تخطر على بال بشر؛ التمثال لما اتخبط، صرخ صرخة عادية تعبر عن المفاجأة، وبدأ صوت اصطدام يملأ المكان. فجأة، كل التماثيل التانية بدأت تتحرك بعشوائية وتخبط في بعضها، والخيوط اللي واصلة للسقف بدأت تتشد لدرجة إن البيت فوق بدأ يميل.

محمود صرخ صرخة وجع: لا! التوازن باظ! العهد اتكسر!.. الأرض تحتنا بدأت تتشقق وتطلع منها مية خفيفة. زينب قامت وقفت بجهد، وبصت لعمر وياسين، وبصوت فيه بحة قالت: خدوها واجروا.. المكان ده مش هيتحمل أكتر من كدة.. البيت ده كان سجن، والنهاردة السجن بينتهي.

ياسين قام من على الأرض وسحبني من إيدي، وعمر مسك إيدي التانية، وبدأنا نطلع السلم الضيق والدرجات بتنهار ورانا درجة درجة. بصيت ورايا لآخر مرة، شفت محمود وهو بيحاول يلم الأوراق اللي نازلة من التماثيل بإيده، وزينب واقفة وراه وبتبتسم لي لأول مرة بملامحها القديمة وهي بتهمس: سامحيني.

أول ما رجلينا لمست أرضية الأوضة فوق، البيت كله اتهز هزة أخيرة، والسرداب انهار تماماً وبلع كل اللي فيه. وقفنا في الصالة، أنا وال 9 ولاد، بنبص لبعض في ذهول وصمت قاتل، والمطر برا لسه شغال. وفي وسط السكوت ده، تليفون البيت رن.. مشينا كلنا ناحيته بخوف، ياسين مد إيده وفتح السبيكر، وجالنا صوت محمود، بس المرة دي كان صوته هادي وطبيعي جداً زي زمان: يا ولاد.. أنا خلصت الورق، ومستنيكم برا على الطريق، حد يفتح الباب.

بصينا لبعض برعب، وبصينا للباب اللي كان مقفول بالترباس من جوا.. وفجأة، سمعنا صوت مفتاح بيلف في الكالون من برا.

تسمرنا في أماكننا، والأنفاس محبوسة في الصدور. صوت المفتاح وهو بيلف في الكالون كان بيعمل صدى في قلوبنا قبل ودننا، تكة.. وراها تكة.. والباب بدأ يتفتح ببطء شديد. ياسين كان ماسك في إيدي، وعمر رفع العصا اللي في إيده وهو بيترعش.

الباب اتفتح تماماً، والهوا البارد والمطر دخلوا الصالة، وظهر قدامنا محمود.. بنفس الهدوم اللي خرج بيها من 12 سنة، مبلول من المطر، وفي إيده شنطة أوراقه الجلد. دخل البيت وهو بيمسح المية عن وشه وابتسم ابتسامة باهتة: مالكم واقفين كدة ليه؟ كأني شفتوا عفريت؟ قولتلك يا هدى مش هغيب كتير، الطريق كان واقف بس.

بصيت لياسين، وبصيت للسرداب اللي لسه منهار تحتنا والتراب طالع من فتحة الأوضة، إزاي ده يكون محمود؟ وإيه اللي كان تحت ده؟ محمود؟ نطقت اسمه بصوت مهزوز، قرب مني ومد إيده عشان يلمس كتفي، لكن عمر صرخ فيه: متقربش! أنت مين؟ اللي تحت ده كان مين؟

محمود عقد حواجبه باستغراب، وبص للحفرة اللي في أوضة ياسين ووشه فجأة اتحول لجمود، الابتسامة اختفت وحل مكانها نظرة هادئة. آه.. لحقتوا تفتحوا الهدايا؟ قالها ببرود وهو بيقفل باب الشقة وراه وبيرمي الترباس. كنت فاكر إن العهد هياخد وقت أكتر من كدة عشان يتفعل، بس الظاهر إن شوقكم لزينب كان أقوى من صبري.

وفجأة، النور قطع في البيت كله، وما بقيناش شايفين غير ضوء البرق اللي بيخطف العين من الشبابيك. وسط الضلمة، سمعنا صوت ضحكات أطفال جاية من كل ركن في الصالة، بس مكنتش ضحكات ولادي التسعة اللي واقفين جنبي.. دي كانت ضحكات تانية. أنا مجبتش أوراق يا هدى، صوت محمود كان بيتحرك في الصالة وكأنه في كل مكان في نفس الوقت: أنا جبت الباقي.. التماثيل اللي تحت كانت محتاجة أرواح عشان تنطق، والنهاردة البيت هيكمل عيلته.

ياسين ولع كشاف موبايله بسرعة، والنور جه على ركن الصالة.. شفت ال 9 ولاد بتوعي واقفين، بس ملامحهم كانت هادية، وعيونهم باينة بوضوح. صرخت صرخة شقت السكون ووقعت على ركبي: ولادي! عملت فيهم إيه يا محمود؟

محمود ظهر من ورايا، وهمس في ودني وهو بيحط إيده على راسي بهدوء: دول مكنوش ولادك أبداً يا هدى.. دول كانوا مساعدين، وظيفتهم يجمعوا سنين عمرك وحنيتك ويخزنوها في السرداب عشان زينب ترجع شباب.. بس بما إن السرداب انهار، فإحنا هنغير الخطة.

بصيت لياسين، الوحيد اللي ملامحه لسه زي ما هي، وكان واقف بيبص لأبوه بذهول. محمود كمل وهو بيشاور على ياسين: ياسين هو المفتاح.. هو اللي هيفتح الباب الكبير دلوقتي. وفجأة، الأرضية اللي تحتنا بدأت تتهز تاني، بس المرة دي مش السرداب اللي بيتفتح.. ده البيت كله كان بيغرق لتحت، وكأن الأرض بتبلعه باللي فيه.

وفي وسط الرعب ده، ياسين قرب من أبوه بخطوات ثابتة، ومسك إيده، وبصلي بابتسامة وقالي ببرود: خالتي هدى.. أنتي لسه مصدقة إن فيه حد فينا كان ضحية؟

وفجأة، حسيت بإيدين بتطلع من تحت الأرض، بتمسك رجلي وبتشدني لتحت، وصوت محمود وياسين بقوا يترددوا في ودني بجملة واحدة: أهلاً بيكي في عيلتنا الحقيقية.

الإيدين كانت بتسحبني، والبرودة اللي طالعة منها كانت واضحة. حاولت أقاوم، أرفس برجلي، بس الأرضية تحت مني اتحولت لعجينة لزجة بتشدني لقرار البيت. بصيت لعمر، كنت بتمناه يلحقني، بس شفته هو كمان واقف بمنتهى الهدوء.

فجأة، الأرضية اللي كانت بتسحبني اتهزت بقوة، بس المرة دي الحفرة بدأت تطلع نور أبيض صافي. الست اللي كانت تحت زينب الحقيقية طلعت من السرداب، بس مكنتش مسخ، كانت روح بيضاء رقيقة. التماثيل الشمع اللي في الأركان بدأت تتكسر وتحولتراب، ومع كل شكل بيتكسر، كان واحد من الولاد بيفوق كأنه كان في غيبوبة، وعيونهم بترجع طبيعية مليانة دموع حقيقية.

محمود انكمش في ركن الصالة لحد ما بقى خيال واختفى تماماً مع أول خيط شمس شق سماء الصالة، وكأن الفجر طلع فجأة عشان ينهي ليل بقاله 12 سنة. ياسين وقع على الأرض وهو بيبكي: خالتو هدى؟ أنا كنت فين؟ أنا حاسس إني كنت في كابوس طويل!

رجعت لملامحي الطبيعية، ورجعت هدى اللي أعرفها. جربت المس وشي، لقيت دموعي دافية وصادقة. زينب قربت مني وطبطبت على كتفي: خلاص يا هدى.. العهد انكسر، ومحمود والكيانات اللي معاه رجعوا لمكانهم. زينب دلوقتي ارتاحت.

بصيت لزينب وهي بتبتدئ تتبخر في الهوا بابتسامة حقيقية، كأنها بتودعني وبتشكرني على ال 12 سنة اللي حمتلهم فيها ولادها. البيت رجع هادي، ريحة البخور والتراب اختفت وحل مكانها ريحة المطر والورد اللي في البلكونة.

خدت التسع ولاد في حضني، وكان المرة دي حضن حقيقي، مفهوش خوف ولا غموض. فتحنا الشبابيك كلها، والشمس دخلت ملت المكان دفى. وبصينا كلنا للطريق الصحراوي اللي كان في يوم سبب الوجع، ولقينا عربيات الشرطة والإسعاف جاية عشان تساعدنا.

خرجنا كلنا من الباب، ولأول مرة من 12 سنة، محستش بالخوف وأنا بقفل الباب ورايا. مشينا في النور، والولاد بيضحكوا ضحكهم الطبيعي اللي كنت بفتقده، وعرفت إن الحنية والصدق اللي ربيتهم بيهم هما اللي كانوا الدرع اللي حمى البيت لحد ما الحق ظهر.
“هذه القصة من وحي خيال الكاتب، وأي تشابه بينها وبين الواقع في الأسماء أو الأحداث هو محض صدفة غير مقصودة.”

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى