روايات وقصص

الرحيل الاخير ج٢

الرحيل الاخير ج٢

أنا طول عمري كنت بالنسبالهم محفظة فلوس مفتوحة…

وسرير زيادة وقت اللزوم…

وتلاجة مليانة أكل…

وإيد ممدودة تشيل مشاكل الكل وتلم وراهم.

لكن الليلة دي…

ماعيطتش.

ولا حتى دمعة واحدة نزلت من عيني.

دخلت أوضتي، ووقفت قدام الدولاب.

طلعت شنطتي الزرقا، وبدأت أحط فيها حاجاتي بهدوء.

تلات فساتين.

صندل.

زجاجة البرفان الأخيرة اللي كانت تخص حسن.

جواز سفري.

والملف القانوني اللي المحامي بتاعي كان مجهزه من غير ما كريم يعرف.

قفلت الشنطة، وبعدين مسكت موبايلي واتصلت بـ«مدام سعاد»، جارتي اللي ساكنة جنبي.

أول ما ردت، سألتها:

ـ «ابن أختك لسه يقدر ييجي ياخد الحيوانات؟»

ردت من غير تردد:

ـ «أيوه يا نوال، طبعًا. هو مجهز لهم مكان في الملجأ من دلوقتي.»

قفلت معاها.

وبدأت أتحرك بسرعة.

الساعة كانت قربت على أربعة الفجر.

ولما جه الوقت، كانت الصالة نضفت تمامًا.

الأقفاص اختفت.

والحيوانات اتاخدت.

البيت بقى هادي.

مابقاش فيه صوت عصافير ولا ريحة أكل حيوانات ولا خوف مالي المكان.

طفيت الشموع اللي كانت جنب صورة حسن.

وبصيت للصورة للحظة طويلة.

وبعدين حطيت مفاتيح البيت على الترابيزة.

وفوقهم حطيت ورقة واحدة مطوية.

الورقة ماكانتش فيها كلمة اعتذار.

ولا حتى لوم.

كان مكتوب فيها:

«كريم، لما تقرأ الورقة دي، ماتتصلش بيا علشان تشتكي أو تسألني عملت كده ليه… اتصل بمحاميك.»

سيبت الورقة مكانها.

وكان فيه ملف تاني مستني جنبه.

ملف باسمه.

ملف هيعرف منه إن اللي حصل الليلة دي ماكانش قرار مفاجئ.

كان قرار متخطط له من زمان.

الساعة كانت خمسة ونص الصبح لما ركبت تاكسي متجهة لميناء ميامي.

الجو كان لسه ضلمة.

والطريق مبلول من الشبورة الصباحية.

ولأول مرة من سنين طويلة…

إيدي ماكانش فيها غير جواز سفري.

لا فلوس علشان أديها لحد.

ولا ورق حد أصلحه.

ولا طلبات من كريم أو داليا.

ولا حتى قائمة حاجات لازم أعملها لغيري.

كنت أنا وبس.

بعد شوية، موبايلي بدأ يرن.

داليا اتصلت الأول.

وبعدها كريم.

وبعدين داليا تاني.

بصيت للموبايل وهو بيرن في حضني…

وسيبته يرن.

ما رديتش.

ولا حتى فتحت المكالمات.

كنت ببص من شباك التاكسي قدامي.

وفجأة…

ظهرت السفينة.

بيضا وضخمة ومضيئة وسط الضلمة، كأنها مدينة كاملة قررت تسيب الدنيا وتمشي لوحدها فوق البحر.

حسيت لأول مرة من سنين إن فيه حياة تانية مستنياني.

نزلت من التاكسي، وشلت شنطتي.

وقبل ما أطلع على السفينة بدقايق…

وصلتني رسالة من كريم.

فتحتها.

وكان مكتوب:

ـ «ماما… إنتِ عملتي إيه؟! في ست من المحكمة واقفة على الباب وبتقول إن البيت مبقاش بتاعنا!»

ابتسمت.

بصيت ناحية البحر.

وبعدين بصيت للسفينة اللي كانت مستنياني.

ما رديتش.

لكن بعدها بثواني…

وصلت صورة.

فتحتها.

كان كريم واقف في نص الصالة.

وشه شاحب، كأنه شاف شبح.

وفي إيده كان ماسك الورقة اللي أنا سبتها له.

لكن اللي شد انتباهي أكتر…

إن وراه، على الترابيزة، كان فيه الملف التاني.

الملف اللي سبتُه مخصوص علشانه.

واسـمه مكتوب عليه بوضوح.

كريم.

وقتها عرفت إن الرحلة الحقيقية…

لسه ما بدأتش.

لأن اللي هيقرأه كريم جوه الملف…

كان كفيل إنه يغيّر كل حاجة.

وأنا؟

كنت خلاص…

طلعت على السفينة.

وتركت ورايا كل حاجة.

أو على الأقل…

كنت فاكرة إني تركت كل حاجة.

لحد ما شفت اسم الشخص اللي كان مكتوب في أول صفحة من الملف التاني…

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى