روايات وقصص

حور السيف ج١

استيقظت حور من نومها على أصوات عصافيرها الجميلة.. اعتدلت وأخذت تفرك عينيها كالأطفال الصغار.. في حجرتها الوردية ذات الشرفة المليئة بالورود الجميلة.. خرجت من فراشها وأخذت تكلم عصافيرها ببهجة تسعد القلب:

— صباح الخير يا حلوين.. (كل هذا وهي تضع لهم الطعام) انهارده يوم غريب.. آه والله.. مش عارفة بقى.. مامي بتقول إن في ضيوف جايين عندنا.. (ورفعت يديها تدعي) يا رب يكونوا حلوين وأتكلم معاهم كده زيكم.. عارفين أول مرة ييجي عندنا ضيوف.. و…

قاطعها صوت والدتها تطرق الباب. تركت حور العصافير واندفعت نحو والدتها تحتضنها:

— صباح الخير يا مامي.

— صباح الخير يا روح مامي… يلا ادخلي خدي شاور جميل زيك كده بسرعة علشان نفطر.. علشان بابا يلحق يستقبل الضيوف.

— أنا مبسوطة أووووي يا مامي، أخيرًا في ناس هتيجي عندنا وأعد معاهم وأتكلم كده وكمان نلعب.

وأخذت تدور حول نفسها وتضحك. ابتسمت ألفت:

— ربنا يبسطك كمان وكمان… يلا بسرعة خدي الشاور.

— حاضر بسرعة.

تنزل ألفت على السلم الطويل.. سلم القصر.. إنه قصر جميل.. واسع جدًا.. محاط بسور عالي.. لا أحد يعلم ما به.. بوابته حديدية عالية أيضًا.. عليه حرس كثير.. لكنهم يحرسون مداخل ومنافذ القصر.. بينما داخل القصر.. هناك جنينة واسعة مليئة بالألعاب، يوجد بها مرجيحة جميلة وسط الأزهار الزاهية.. بجانبها وسائد عالية وشجرة توت جميلة.. هذا هو مكان حور المفضل.. تجلس.. تلعب.. تقرأ.. وأحيانًا كثيرة تأكل. هذا المكان يقع خلف القصر.. أما أمامه فيوجد جراج ملئ بالسيارات.. فوالد حور يعشقهم… على يمين القصر توجد مزرعة خيول عربية أصيلة.. بناها والد حور لوالدتها لأنها مولعة بجمالهم.. لكنها لم تجعل حور تقترب منهم.. وهذا يرجع لموقف قديم حيث كانت حور بالرابعة من عمرها.

فلاش باك:

— مامي الحصان ده جميل خالص.. أنا عاوزة أركب عليه زيك.

حملت ألفت حور محاولة إقناعها:

— لما تكبر حبيبة مامي هعلمها إزاي تركبه.

عبست حور:

— مامي أنا زعلانة منك و…

فإذا بوالدها عادل يأتي من الخلف ويحملها:

— حبيبة بابي زعلانة ليه؟

— ههه بس يا بابي بقى انت كل مرة تخضني.

واقتربت منه وقالت بصوت منخفض:

— افت هي زعقت لي.

ضحك عادل عليها بينما أكمل بالهمس:

— طب هتدافعي عني ولا زي كل مرة؟

— حول هتعمل زي كل مرة وتجلي على افت عشان مازعقلهاش.

عبس عادل باصطناع:

— ماشي يا حور، وأنا اللي كنت هركبك الحصان.

لمعت عينيها بشدة فاصبحت كزرقة البحر عند شروق الشمس:

— بابي هتركبني الحصان صح؟ يلا بسرعة اجلي بيا أحسن افت تزعق. يلا عند الحصان.

أخذ عادل وألفت يضحكان على طفلتهما الجميلة.

— طب إيه رأيك نستأذن من مامي؟

— بعبوس، مامي مش راضية.

أردف عادل برفق:

— لا نستأذن منها ونقول لها بابي هياخد باله مني ونديها بوسة كبيرة وإن شاء الله توافق. ها قلتي إيه؟

أخذت حور تعبث بخصلات شعرها الحمراء تفكر وتضع طرف إصبعها في فمها ثم أردفت كأنها وصلت إلى حل مشكلة عويصة:

— يلا طيب بسرعة.

ثم رفعت يديها لألفت لتحملها فحملتها ألفت وهي تكتم ضحكتها:

— مامي بابي هيركبني الحصان بليز وافقي بقى.

ثم سكتت لبرهة وأكملت:

— آه هاتي بوسة عشان توافقي بسرعة.

ضحكت ألفت:

— عادل خد بالك منها دي لسه صغيرة.

حملها عادل وقبل ألفت من وجنتها وابتسم:

— لولو ما تقلقيش.

ابتسمت ألفت بس.. قاطعها حور:

— يلا بقى يا بابي.

ضحك ألفت وعادل:

— يلا يا حبيبة بابي.

أخذها ووضعها على الحصان ودار بها حول القصر وسط ضحكات حور المفعمة بالبراءة والحيوية حتى وصل إلى الاسطبل وأنزلها وجاء ليحملها فرن هاتفه فأجاب عليه وظلت حور واقفة بجانبه ثم التفت للحصان مرة أخرى وأخذت تضحك ونظرًا لقصر قامتها فأمسكت بأحد أرجله وهي تضحك فقام الحصان بركلها فأخذت تصيح بالبكاء. التفت لها عادل فوجدها ملقاة على الأرض تصرخ فرمى الهاتف وأسرع إليها وحملها وهي تبكي وجاءت ألفت على صراخها.

ومن يومها وألفت ترفض تمامًا ركوبها الأحصنة واقترابها منهم.

بينما داخل القصر هناك صالة كبيرة بأثاث راقي وأيضًا مطبخ كبير في منتصفه طاولة كبيرة بينما يوجد حجرة سفرة كبيرة.. وأيضًا حجرة معيشة وحجرة مكتب لعادل… أما بالطابق الأعلى يوجد العديد من الغرف الواسعة الجميلة.. وأيضًا جناح ألفت وعادل.. وجناح حور الجميل.

وصلت ألفت لحجرة المكتب فطرقت على الباب ودخلت لتجد عادل مشغول بأحد الصفقات المهمة فاقتربت منه تحتضنه من الخلف وتطبع قبلة رقيقة على ظهره… أغمض عادل عينيه منتشيًا بهذه القبلة والضمة..

— حبيبي سرحان في إيه؟ مش يلا بقى.

التفت عادل يمسك كفيها يقبلهما ويترك واحدة ويضع يده على خصرها وقربها منه ويقبل وجنتها:

— هكون سرحان في مين غير فيكي؟

لتبتسم ألفت بينما يدها تعبث بأزرار قميصه:

— ماشي هصدقك يا روح ألفت. يلا بقى علشان تلحق تفطر وتجيب الضيوف.

احتضنها عادل:

— ربنا يستر، دي أول مرة مش عارف حور هتعمل إيه.

خرجت ألفت من حضنه ووضعت يدها تحركها على وجنته:

— حبيبي ماتشيلش هم، حور كبيرة عندها 23 سنة.

قبل عادل يدها التي على خده وتركها ووقف أمام النافذة ووضع يديه في جيوبه وأعطاها ظهره وتنهد بتعب:

— انتي عارفة إن سنها دا ولا حاجة؟ حور دي طفلة، عالمها احنا وبس، ما تعرفش حاجة عن اللي بره.

اقتربت ألفت منه وأدارته لها:

— حبيبي حور طيبة وقلبها أبيض وبتحبنا.

وأسكتها عادل بأن نظر في عينيها وقال:

— تفتكري احنا كده ظلمناها؟

— لا يا حبيبي، دي بنتنا وإحنا بنخاف عليها ومعملناش حاجة غلط.

أرادت ألفت تغيير الموضوع:

— يلا بقى يا روحي نفطر.

علم عادل ما تحاول فعله وأراد مجاراتها:

— طب يلا يا روحي.

خرجا معًا حتى وصلا إلى حجرة السفرة فوجدا حور تنتظرهما:

— اتأخرتوا كتير على فكرة.

عادل وهو يقبل وجنتها الحمراء:

— معلش بقى آخر مرة.

— كل مرة تقولي آخر مرة.

— والله مش بإيدي، مامتك هي اللي مأخرانا.

ونظر لألفت وغمز لها. سعلت ألفت:

— معلش يا روح مامي كنا بنتكلم شوية.

— خلاص آخر مرة.

ضحكوا وتناولوا إفطارهم. اتجهت حور إلى عادل وهو يخرج لاستقبال ضيوفه:

— بابي آجي معاك؟

قبل جبينها:

— لا يا حور، يلا اطلعي لمامي على ما الضيوف تدخل.

عبست حور:

— حاضر.

وصعدت لوالدتها بينما اتجه لضيوفه وأدخلهم الصالة الواسعة التي تقع أمام السلم:

— فردوس، لو سمحتي نادي على الهانم هي وحور.

— أمرك يا باشا.

اتجهت الخادمة إلى الأعلى طرقت باب جناح ألفت فتحت لها حور بسرعة:

— فيفي الضيوف وصلت؟

— أيوة وصلوا والباشا بيقول انزلوا تسلموا.

لم تمهلها حور فرصة لتكمل كلامها بينما أسرعت إلى السلم وتنادي عليها فردوس لكنها لا ترد عليها.

خرجت ألفت من حجرة الملابس:

— في إيه يا فردوس؟

— الضيوف وصلوا والباشا بينادي عليكم.

— حاضر، أمال فين حور؟

ضحكت فردوس:

— لسه ما كملتش كلامي لقيتها جريت على تحت.

ألفت:

— يا الله ربنا يستر، يلا بينا بقى.

أسرعت حور على الدرج الطويل حتى وصلت للمنتصف بفستانها الزهري الذي يصل لما بعد ركبتيها.. وشعرها الأحمر الحريري الثائر خلفها:

— بابي أنا أهو، فين الضيوف بقى؟

كان الضيوف بالأسفل يتحدثون، كانوا ثلاثة… صديق عادل وهو رأفت.. وزوجته منى…. وابنه.

استمعوا لها تنادي على والدها فتوجهت أنظارهم إلى السلم فما كان من رأفت ومنى إلا أن يضحكوا ويقولوا:

— بسم الله ما شاء الله.

انبهارًا بكتلة الجمال التي على الدرج. بينما الابن في البداية نظر نظرة عابرة…. وأدار وجهه… ومن ثم أداره مرة أخرى ليرى إن كان ما شاهده من ثانية حقيقة أم خيال….. ثبت نظره عليها بداية من شعرها الثائر.. وجهها اللامع بالبراءة… وعينيها.. آه من عينيها لقد سحره بحرها… وجسدها المتناسق…… بالرغم إن فستانها لا يكشف كثيرًا… لكنها بالنسبة إليه كانت فتنة متنقلة….. مزيج من الأنوثة والبراءة..

وصلت لآخر الدرج فأمسك والدها يدها:

— دي حور…. حور سلمي على أنكل وطنط.

تركت حور يد عادل وسلمت على رأفت وسلمت على منى فاحتضنتها منى:

— ما شاء الله ربنا يحفظك.

خرجت حور من حضنها وابتسمت لها:

— شكرًا.

وتركتهم ووقفت بجانب والدها. بينما اندهش كل من رأفت ومنى من عدم سلامها على ابنهم:

— إيه يا حور ما سلمتيش ليه على ابني؟

أمسكت حور يد والدها ونظرت لرأفت ببراءة:

— بابي ما قليش يا أنكل.

اندهش رأفت ومنى، هما يعرفان خوف والديها عليها ولكن ليس لهذه الدرجة.

— خلاص يا حور، هو اللي يسلم عليكي ولا إيه.

وأمسك ابنه الجالس بجانبه من ذراعه. التفت له الابن:

— مش هتسلم على حور ولا إيه؟

الابن:

— طبعًا هسلم.

قام من مجلسه بطوله المهيب وتقدم منها ومد لها يده ليسلم عليها. نظرت لوالدها فأومأ لها برأسه فمدت يدها له ووضعتها بيده…….. ما إن لمس يدها حتى أحس بقشعريرة تسري بجسده.. نظر في عينيها.. استشف منهم البراءة… سرح بهم.. ود لو يحتضنها الآن ليعرف بما سيشعر…. فمن لمسة يد.. ونظرة عين.. كان في عالم آخر.. استفاق على صوت والده:

— إيه مش هتعرفها بنفسك ولا إيه؟

لم يحد بنظره عن عينيها وقال وهو مازال ممسك بيدها:

— أنا سيف.

— وأنا حور.

وتركت يده سريعًا وأمسكت يد والدها.

الفصل الثاني

رأفت هو صديق طفولة عادل.. يحبان بعضهما جدًا.. يعرفان أسرار بعضهما.. لكن رأفت رحل إلى المدينة منذ 25 سنة.. بينما فضل عادل البقاء في الريف. تتالى أخبارهم.. وزيارات عادل لرأفت.. وليس العكس. وهذه هي المرة الأولى التي يزور فيها رأفت عادل.

بعدما سحبت حور يدها بسرعة من يد سيف.. وأمسكت يد والدها سمعت صوت أمها وهي تحتضن منى:

— وحشتيني يا منى خالص وحشتيني جدًا.

— وإنت كمان وحشتيني خالص.

تدخل رأفت مازحًا:

— هي بس منى اللي وحشتك وأنا لأ ولا إيه؟

— بابتسامة، يا خبر يا رأفت، كلكوا وحشتونا.

وصافحته. اقتربت منى من حور تربت على شعرها:

— بسم الله ما شاء الله.. ربنا يحفظها يا رب.. أنا عرفت انتوا مخبيينها ليه.

ألفت بابتسامة:

— ولا مخبيينها ولا حاجة.. كل الأمر إن احنا بنخاف عليها جدًا.

— تستحق والله الخوف ده.

قالت منى ضاحكة:

— إيه يا سيف مش هتسلم عليا ولا إيه؟

قالت ألفت مبتسمة لسيف. توجه سيف لها وصافحها:

— هو أنا أقدر يا طنط… دا حضرتك أول واحدة أسلم عليها.

ضحكت ألفت:

— بكاش زي ابوك يا سيف.

ابتسم سيف ولم يرد.

— يلا يا جماعة اطلعوا أوضكم جاهزة… أكيد تعبانين من السفر… فردوس وصليهم.

قالت هذا ألفت مشيرة لفردوس بالتوجه معهم. صعدوا إلى الأعلى فكانت غرفة سيف بجانب جناح حور… وغرفة رأفت في الجهة الأخرى.

— مالك يا حور؟

كان هذا عادل الذي وجد حور صامتة.

— بابي قلبي بيوجعني.

همست وملامح الألم مرتسمة على وجهها وواضعة يدها على صدرها موقع قلبها. نظر عادل وألفت لها بذهول… فلأول مرة تقول هذا.. أخذها عادل في حضنه وأجلسها… وأمسكت ألفت بكوب الماء الموضوع على الطاولة لتجعلها ترتشف منه… ارتشفت حور رشفة واحدة.

— حاسة بإيه يا حبيبة بابي… وهو يمسد جبينها المتعرق.

رفعت عينيها تنظر لوالدها الجالس بجانبها.. ومن ثم توجه بصرها ناحية والدتها القلقة التي تقف بجانبها وتضع يدها على كتفها همست بألم:

— قلبي بيدق بسرعة يا مامي خالص.

أسرعت ألفت بقلق شديد:

— خلاص هتصل بريم تيجي تشوفك حالًا.

بينما شدد والدها من احتضانها. أمسكت ألفت الهاتف بأيد مرتعشة واتصلت بريم.

ريم هي طبيبة جاءت من حوالي السنتين إلى القرية.. وكانت حور مريضة.. فجاءت وفحصتها.. ولأنها متعلمة ومثقفة.. وهي تكبر حور ببضعة أعوام.. اقتربت من حور… واطمأن عادل عليها.. وعندما تأكد أنها كما يظهر عليها.. سواء من عائلة محترمة من المدينة.. وأخلاق عالية.. فسمح لها بالاقتراب من حور… وهي أيضًا أحبت حور.

انتظرت ألفت تستمع إلى رنين الهاتف وكأن هذا الوقت يمر دهورًا منتظرة الإجابة:

— أهلًا أهلًا….

— الحقيني يا ريم، حور تعبانة.

قالت هذا وهي تلهث من الانفعال. وبكل هدوء ردت عليها ريم… لأنها اعتادت عليهم وعلى مبالغتهم بكل ما يخص حور…

— اهدي يا طنط وفهميني هي مالها.

منى بتوتر:

— مش عارفة.. بتقول قلبها بيدق بسرعة… وبيوجعها هنا.

ريم اضطرت بشدة:

— طنط… حور هي اللي قالت كده ولا زي كل مرة انتوا بتهولوا؟

— تعالى بسرعة يا ريم.. مش زي كل مرة.. دي تعبانة وقاعدة في حضن باباها.

— مسافة السكة يا طنط.

قالت ريم بقلق شديد وهي تأخذ حقيبتها مسرعة للخارج….. فلأول مرة تكون الشكوى من حور… فدائمًا تكون الشكوى من والديها إن شعرا بتغير بسيط بها. تركت ألفت الهاتف وجثت على ركبتيها أمام حور القابعة في حضن والدها وصدرها يعلو ويهبط بسرعة أمسكت يدها:

— مامي اهدي ريم جاية حالًا.

نظرت لها حور ووضعت يدها على قلبها ولم تتحدث.

أما بالأعلى، الماء ينحدر على رأسه وينزل على رقبته.. ثم صدره.. الذي تحدد جيدًا بفعل الماء الساقط على القميص. مغلق جفنيه بشدة بمجرد أن دخل الغرفة توجه إلى الحمام ووقف أسفل المياه الباردة.. بملابسه.. لم يعبأ بها، فكل ما يفكر به.. أن يطفئ النار التي أشعلتها الحورية بجسده من مجرد لمسه… ويهدأ ضربات قلبه التي تدوي داخل صدره.. فأغمض عينيه بقوة.. وكور يده وبقوة ضرب على صدره موضع قلبه عدة مرات قائلًا بلهاث:

— اهدا… اهدا. في إيه مالك بتدق بسرعة ليه….

مال بجسده من الأمام وأسند جبينه على الحائط والمياه تنهمر على جسده:

— ليه حاسس كده… ليه عايز أقرب.. قلبي بيوجعني قوي… عايز أحضنها قوي.. جايز قلبي يهدا.

كان هذا هو حال كل منهما…

الفصل الثالث

دخلت ريم مسرعة.. قلقة حتى وصلت لحجرة المعيشة.. وقفت ثانية ترى حور في حضن والدها. ويدها على قلبها.. وعلامات الألم مرتسمة على وجهها. تقدمت ريم.. ووضعت حقيبتها على الأرض:

— حور حبيبتي مالك؟

قالت وهي تمسك يد حور. رفعت عينيها رادفة بألم:

— قلبي بيوجعني يا ريم.

استقامت موجهة حديثها لعادل بكل عملية:

— لو سمحت يا أنكل نومها على الكنبة بعد أن فحصتها..

— مفيش أي سبب عضوي مسبب للألم ده… طب في إيه؟

قالت هذا في نفسها… جلست نصف جلسة على الأرض بجانب الأريكة.. بحيث تكون في مستوى حور.. أمسكت يدها الحرة بيديها الاثنتين.. ونظرت لحور.. التي تحولت بشرتها من البياض المثير إلى الشحوب… جبينها متعرق بشدة… علامات الإعياء على وجهها.. تضع يدها الأخرى على موضع قلبها.. تريد أن تهدئ ضرباته بكل القلق تحدثت ريم:

— حور حبيبتي مفيش حاجة عضوية مسببة الألم.

ثم مسحت على شعرها.. وأضافت بنبرة رقيقة:

— في حد دايقك.. بابا ولا ماما؟

هزت حور رأسها نفيًا.

— طب…..

لكن قاطع حوارهم:

— إيه يا ألفت نسيتينا ولا إيه؟

كان هذا كلام منى التي تهبط الدرج مع رأفت.

— معلش يا منى.. بس حور تعبانة شوية.

منى مقتربة من حور بقلق:

— ليه مالها؟

قاطعه سيف الذي أبدل ملابسه وينزل سريعًا على الدرج.. يريد أن يخرج من هذا الحيز ووجع القلب بأقصى سرعة:

— أنا هخرج شوية يا ماما أشوف..

لكن قاطعه صوت والدته:

— تعالى يا حبيبي حور تعبانة.

صدمة اختلجت صدره… وازداد الوجع… وفي المقابل زاد وجع حور الذي زاد بشدة.

. أصبح الوجع يتلاشى تدريجيًا من قلبيهما معًا…. واختفى تمامًا بعد أن وصل إليها. تحولت نظراتها إلى نظرات دهشة… وأزالت يدها التي كانت تستقر على مكان قلبها.. قالت بدهشة وهي تنظر لوالدتها:

— الوجع راح يا مامي.

— الحمد لله يا قلب مامي.

قالت وهي تمسك يدها تقبلها. ريم:

— الحمد لله، بس هتروح نعمل تحاليل علشان نتأكد إنه مفيش حاجة عضوية… ونحاول نعرف السبب.

حور:

— حاضر يا ريم.

منى:

— الحمد لله… إن شاء الله تفضلي كويسة على طول.

حور:

— شكرًا يا طنط.

حدث كل هذا وهو تائه في بحر عينيها…. لم يفق إلا عندما سمع صوت مألوف له… استغرب وجوده هنا…. نعم إنها ريم…. نظر لها فقط وأعاد نظره لحور. ألفت وهي تمسك يد حور معاونة لها على الوقوف:

— يلا حور تعالى ارتاحي شوية فوق.. معلش بقى يا منى.

منى:

— ولا يهمك أهم حاجة تبقى كويسة.

صعدت حور مع والدتها… بينما ذهب رأفت وعادل ومنى إلى الحديقة الخارجية للتحدث في بعض الأمور.

بينما ظل سيف ينظر بشغف ناحية الدرج التي صعدته تلك التي سلبت قلبه وعقله. اقتربت منه هامسة ريم:

— إزيك يا برنس… مش سكتك خالص.

أفاق سيف للمرة الثانية على صوتها:

— ه… ه بتقولي إيه؟

ضحكت ريم:

— اهدا كده، أول مرة أشوفك بالمنظر ده…. سيف الشيمي على سن ورمح.. مسهم كده.. لا عادي كده أدام الناس.. يا لهوي يا سيف. هههههههه…. منظرك تحفة.

نظر لها سيف باستخفاف:

— خلصتي؟

ريم:

— بص خلاص آه ه… ه.

ووضعت يدها على فمها محاولة إسكات ضحكاتها.

سيف:

— يخرب بيتك… يا بنتي انتي المفروض دكتورة والمفروض تكوني أد اللقب ده وتكوني محترمة… وبغض النظر عن كل ده…. في آنسة محترمة تقول برنس… خليتي إيه للرجالة؟

تأففت ريم:

— مالكش دعوة.

سيف:

— يخرب بيتك.. لسانك هيفضل طول عمره طويل… ما تتلمي بقى… يعني نفوكي للمكان ده علشان تتعلم الأدب.. وتتعدلي… أجيلك ألاقيكي زي ما كنتي… لمي لسانك ومالكيش دعوة بيا.

عبست ريم:

— جرى إيه يا سيف.. مالك سخن كده ليه.. اهدا وقول هديت… ما انت عارف… أنا كنت مقضية أيام الجامعة فين.

توجه سيف إلى أحد الأرائك وجلس بقلة حيلة:

— ماهو الكارثة إني عارف…. يا بنت دا اللي يشوف عيلتك.. والجامعة الأمريكية.. مايصدقش إن الهانم كانت مقضية حياتها في المطرية…

بينما أكمل بصوت أعلى:

— أموت وأفهم عرفتي المناطق دي منين.

جلست ريم بجانبه مرتبة على كتفه:

— الزمن بيعرف.. وكنت اتعرفت على شوية بنات إيه.. لوز اللوز.. جدعنة إيه… أحسن ١٠٠ مرة من البنات الفافي اللي كنا نعرفهم دول… دي الواحدة كانت تشوفك في مشكلة وتزودها بدل ما تهديك.

سيف:

— ما قلناش حاجة، اتصاحبتي عليهم وكل حاجة، بس ما تقلبيش على النسخة العكسية من ريم هانم يا روحي.

ها.. اتبع كلامه بقرصة لخدودها.

ريم:

— فكك يا سيف مني.

سيف:

— بقى دي أول مرة أشوفك فيها بعد فترة تقوليلي فكك… والنعمة ألفاظك شبهك.

ريم:

— سيبك مني دلوقتي…. إيه اللي حصل من شوية ده…. حور مش استايلك…. اهدي يا سيف يا عمري البنت مش أدك ولا حتى هتفهمك.

وضع سيف رأسه بين يديه وتحدث بنبرة هامسة:

— مش عارف يا ريم في حاجة غريبة بتحصل… إيه هي مش عارف…

رفع نظره ونظر لها..:

— مجرد نظرة ولمسة إيد خلوا جسمي يترعش.. وقلبي كان هيقف… والله ما بهزر… قلبي كان تاعبني زيها… ولما قربت منها دلوقتي الوجع راح… وأنا مش فاهم إيه اللي بيحصل… وانت عارفة أنا عمري ما أعجبت بحد.. ولا اتلهفت على حد…. ابتسم وأكمل…: بس دي أنا عايزها… عايز أقرب منها…. عايز أفهم… إيه اللي شاددني ليها كده… مش فاهم…. عارفة كنت هعمل إيه من شوية لو ماتكلمتيش…. أنا كنت مغيب ببص في عيونها بس.. كان…. كان نفسي ألمسها.

وقفت ريم تنظر له بذهول…. ولكن ليس حور.. إن كان هو صديقها.. فهي أيضًا صديقتها البريئة فقالت بغضب:

— سيف فوق كده… حور أنقى من إنك تفكر فيها.

وقف بغضب:

— اهدي وصوتك ميعلاش… إيه أنقى من إني أفكر فيها دي.

خففت من حدتها قليلًا ريم:

— سوري يا سيف…. بس مالكش دعوة بيها.

سيف:

— ما بقاش ينفع.

قالت ريم متعجبة لحديثه:

— يعني إيه؟

تنهد سيف ببطء:

— يعني الشرارة اللي كنت بدور عليها حصلت ومع حور…. قلبي دق لها يا ريم وهي برضه.

ريم:

— لا يا سيف اهدا كده… حور لا يمكن تحس لك بحاجة.

سيف باستخفاف:

— ليه إن شاء الله؟

ريم:

— حور حدودها البيت ده… اتعلمت هنا… حتى الجامعة ماكانتش بتروح إلا على الامتحانات ولو إنكل كان يقدر ماكانش خلاها تخرج أبدًا.

أكملت حديثها وهي جالسة بجانبه.. وهو يستمع لها بشغف.. وهي تكمل بابتسامة:

— حور طفلة نقية لسه ما اتلوثتش…. حور ماتعرفش أي حاجة…. حور لسه بتسمع كرتون والأميرات… حور أقصى أحلامها إنها تجيب عصافير جديدة…. حور متعرفش يعني إيه حب…. ولا مشاعر.. حتى لو حست مش هتفهم إحساسها…. حور لو قربت منها بطريقتك الهمجية دي هتخاف منك….. وقال إيه عايز تبوسها.. شكلك اتجننت… حور مش زي البنات اللي تعرفهم… حور لما هتتعامل معاها هتحس إنك بتتعامل مع طفلة عندها خمس سنين….. حور لو اتجرحت متهيألي تموت.

سيف:

— بعيد الشر عليها….. يا ريم أنا مش عايزها كده.. أنا عايز أفهم مشاعري القوية دي… أنا عايز.

ريم وقد فاض بها:

— عايز إيه؟

لكنه لم يجب. فقاطع حديثهم هذا:

— إيه يا أولاد كلامكوا زي زمان ما بيخلصش برضه.

كان هذا حديث رأفت وهو آت هو وعادل ومنى. توجهت ريم وسلمت على رأفت وعلى منى. منى وهي تربت على كفها:

— وحشتيني يعني ماتزوريناش ولا مرة.

ريم بابتسامة:

— معلش يا طنط انتي عارفة أنا مشغولة أد إيه.

عادل وعلامات الدهشة ظاهرة على وجهه:

— إيه ده هو انتوا تعرفوا بعض.. ازاي؟

رأفت:

— أكيد نعرفها… كانت أقرب واحدة لسيف من الثانوي ودخلت البيت وحبيناها قوي.. حتى في الجامعة بالرغم إن كل واحد دخل كلية مختلفة إلا إنهم مافترقوش. أكمل حديثه ضاحكًا: خدنا فترة أنا ومنى عايزين نجوزهم لبعض.. من كتر قربهم.. بس نعمل إيه. هم إخوات وأصحاب وبس ولا إيه يا سيف.

لم يكن سيف يستمع لهم.. بل كان في عالم آخر.. عالم دقات قلبه لهذه الحور. فكان رد سيف ردًا خارج النقاش.. لا بل خارج الصندوق.. قال بصوت جاد لا يقبل النقاش.. وقع عليهم كالصاعقة:

— بابا أنا عايز اتجوز حور.

الفصل الرابع

بابا أنا عايز اتجوز حور………. ظلت هذه الجملة تكرر مئات المرات في عقل عادل.. الذي ينظر بدهشة جراء هذا الطلب.. لم يعد قادرًا على الوقوف.. فجلس على أقرب كرسي.. وظلت هذه الجملة تتردد بعقله.. من.. يريد أن يتزوج من.. حور ابنتي…. لا.. حور النقية… ابنتي الصغيرة.. من هو ليفكر بها. بينما ريم اتسعت عيناها بشدة.. وفغرت فاهها بصدمة ولم تتفوه إلا بجملة واحدة هامسة بها: يا ابن المجنونة.

خرج رأفت من صدمته وتوجه إلى سيف:

— إيه اللي بتقوله دا يا سيف… انت واعي للي بتقوله؟

رد سيف بثبات:

— أكيد يا بابا واعي جدًا.

حاول والده التحدث بأكبر قدر من الهدوء وتمالك الأعصاب، فصديق عمره أمامه:

— يا ابني انت لسه شايفها من ساعات.. دا غير إنك في بيت أخوية وصاحب عمري… في مقدمات الأول.. الموضوع مش خبط لزق.. عمرك ما كنت كده يا سيف.. إيه اللي حصل… فين سيف اللي بيوزن الكلام قبل ما بيقوله…

تنهد سيف:

— مش عارف يا بابا.. انت عمرك ما شفتني كده.. صح. أنا سيف اللي بيدير الشركات والمصانع.. البارد.. اللي رده على أد السؤال.. بس في حاجة حصلت قلبي دق.

لم يستطع رأفت الرد وجلس بجوار صديق عمره لا يعرف ما يقول:

— سيف يا حبيبي انت أكتر واحد عارف الأصول.. إيه جرالك.. انت مش مراهق يا حبيبي.. فوق كده في أصول لازم الأول تحصل.

منى موجهة حديثها لسيف:

— نظر سيف لوالدته: اعتبروني مراهق.. وشاف واحدة.. قلبه دق لها.. ومش عايز يخون الراجل اللي هو في بيته… أكمل وهو يضع يده على قلبه.. يا أمي أول مرة أحس كده… قلبي كان واجعني زي ماكان واجعها. ماسكتش غير لما قربت منها… قلبي بيحبها عايزها.

— يعني إيه عايزها دي كمان.. انت مجنون يا سيف.. انت بتتكلم أدام ابوها.. مش قاعد مع صحابك.. بنتي أنقى من التفكير ده… أنا عشت عمري كله خايف عليها.. وقافل عليها… خايف عليها من الطريق.. من الناس.. من…

قال كلمته الأخيرة وهو بتوتر.. وسكت ينظر بحزن لصديق عمره. ركع سيف أمام عادل وأمسك بيديه.. فتح عادل عينيه ونظر له:

— أنا عارف إنك خايف عليها.. وبتحبها.. بس أنا مش وحش والله ولا قاسي… يمكن كان ليا علاقات.. بس ماتخطتش مرحلة معينة.. هعاملها إنها بنتي قبل مراتي… هخاف عليها أكتر من نفسي… والله يا عمي قلبي دق لها… أنا مش عيل علشان أهد علاقتك انت وبابا علشان مجرد إعجاب.. أو إني شاكك إني مش هعرف أحافظ عليها.

— سيف انت لسه شايفها.. حبيتها إمتى… يمكن مدهوش بس بجمالها وقف.

سيف:

— يا عمي أنا لفيت العالم أنا عندي ٣٢ سنة.. شفت ستات جميلة كتير… ماحستش حد فيهم أبدًا زي ما حسيتها… والحب مش على كيفنا… هي شرارة وحصلت.. عارفها من سنة.. من يوم.. من ساعة مش هتفرق.. والله ما بهزر ولا أي حاجة أنا عايز اتجوزها.

لم يرد عليه أحد…. ساد الصمت والوضع كالتالي.. ينظر عادل لسيف بشرود…. بينما رأفت ينظر للأرض جالسًا بجانبه، منى تنظر لابنها الذي لأول مرة تراه هكذا وقلبها يؤلمها بسببه. وريم مازالت حالة الذهول تمتلكها.

ربت رأفت على فخذ عادل:

— احنا هنمشي يا عادل.

فاق من ذهوله:

— انت بتقول إيه.. دا بيتك تمشي فين..

— لازم نمشي علشان تفكر.. أنا يا عادل بطلب إيد حور رسمي لسيف.. عارف إن الطريقة من الأول غلط.. بس هنعمل إيه.

— اقعد يا رأفت.. ماحدش هيمشي.. والموضوع دا عمره ما هيأثر على علاقتنا… أنا هتكلم مع ألفت ونشوف الرد إيه.. بس ماحدش هيمشي.. ماحدش بيمشي من بيته.

— مين دا اللي يمشي يا عادل.

قالت هذا ألفت وهي تقترب منهم… ملاحظة حالة التوتر السائدة. وقف عادل واتجه نحوها.. أمسك يدها:

— ماحدش يا حبيبتي. تعالي بس معايا عايزك في موضوع…

التفت لرأفت قائلًا:

— البيت بيتك.

لم يبق في غرفة المعيشة إلا سيف.. ريم… منى.. رأفت. صمت رهيب لم يقطعه إلا صوت سيف:

— أنا آسف يا بابا.. يمكن أول مرة أقولها.. بس آسف إني حطيتك في موقف صعب.. بس مش آسف على أي كلمة قلتها….. بعد إذنكم.

وصعد إلى الأعلى. نظر رأفت لمنى ولريم ولم يتحدث….. بينما خرجت ريم إلى الجنينة.

في المكتب عند عادل وألفت……بعد أن حكى لها كل ما حدث….. وتبعًا لصعوبة الموقف… جلست بجانب زوجها.. واحتضنته… لم يعلم أي منهما من كان بحاجة لهذا الحضن… ولكنهما ظلا فترة من الزمن على هذا الحال. رتبت ألفت على ظهر عادل.. وهي ماتزال داخل حضنه.. قائلة بحنان وهمس:

— هنعمل إيه يا حبيبي؟

وبنفس الهمس:

— مش عارف.

خرجت من حضنه ووضعت يدها على وجنته:

— حبيبي لازم نتصرف صح.

ضغط بوجنته على كفها مغمضًا لعينيه هامسًا بألم:

— مش عارف…. شفت في عنيه عشق مش حب بس… مش عارف.. دي حور روحك وروحي.. هنفرط فيها كده.

سقطت دمعة من عينيها مردفة بصوت متحشرج:

— عمرها ماتهور… بس أكيد في يوم هتتجوز..

وابتسمت من بين دموعها:

— وتجيب لنا بيبي نلعب بيه.

وبكل حنان أزال دموعها وقبلها:

— طب هي هتستحمل بعدنا…. ولا احنا هنتحمل…. والبيبي ده… ازاي بس… حور ماتعرفش يعني إيه حب بين ولد وبنت… هتتقبل الجواز ازاي…. وتقرب من شخص تاني ازاي.

أردفت بوضع دفاع عن أنفسهم:

— احنا ما غلطناش يا حبيبي… نخليه يتجوزها هنا.. معانا في البيت ده… دا هيبقى شرطنا.

قال بقلة حيلة:

— بس دا ظلم ليه… وظلم ليها.

لم تجد ما تقول.. لكن الحب يستحق:

— مش عارفة.. هو لو بيحبها زي مابيقول… هيصبر عليها.. وهيوافق.

قال عادل بعقلانية:

— ألفت احنا بنتكلم عن سيف… مش على عيل صغير هيسمع كلامنا.

أردفت مبررة لموقفها:

— سيف لو بيحبها هيعمل كل حاجة تخليها مبسوطة.. وهي هتبقى مبسوطة هنا معانا… وسيف عرف خوفنا وحبنا ليها.

تنهد عادل يقر بما يرى ويشعر به:

— نظرة عين سيف وإصراره بتقول دي بتاعتي… وهو ماشفهاش غير من كام ساعة… أمال لما يتكلم معاها… هيحصل إيه.

أمسكت ألفت كفيه.. رادفة بهدوء:

— حبيبي بكل هدوء احنا دلوقتي اعتراضنا على سيف ولا على بعد حور؟

أجاب:

— على الاتنين.

ألفت:

— طيب سيف راجل… بييدير شركات ومصانع… عارف يتصرف كويس هنا.

أغمض عينيه رادفًا بحزن:

— عارف يتصرف بكل قسوة… وحور عايزة أحن معاملة.

ألفت:

— طب بص، احنا مانوافقش… ولا نرفض.

نظر لها بتعجب.. فكيف هذا:

— يعني إيه؟

ألفت موضحة:

— نخليهم يقربوا شوية من بعض… لو حور اتقبلته… وهو عرف يتعامل معاها… هنشوف بعدها هنعمل إيه… إنما لو معرفش يتعامل معاها.. وهي ماتقابلتهوش يبقى خلاص…. واحنا علاقتنا برأفت أقوى من كل ده.

اقتنع برأيها:

— صح عندك حق.. تنهد.. يريد أن يشعر بالأمان ولم يجد إلا حضنها.. …. ألفت احضنيني.

وبالفعل استجابت حبيبة العمر واحتضنته… حبيبي احنا جنب بعض ومافيش حاجة هتحصل أبدًا…. تنهد وظلدا في حضنها.. عله يهدأ قليلًا..

صعد سيف وعندما وصل لباب غرفته وجد فردوس تخرج من الغرفة المجاورة له سألها متمنيًا أن تكون هي:

— لو سمحتي هي دي أوضة مين؟

أجابت:

— دي جناح حور.

دق قلبه.. إذًا هي جواره. سألها بهدوء محاولًا مداراة لهفته:

— طب هي عملت إيه دلوقتي؟

— أحسن.. بس هي نايمة.

— شكرًا..

شكرها فقط علها تمشي ويهدأ قلبه هو. وذهبت فردوس في طريقها.

نظر يمينًا ويسارًا.. لم يجد أحدًا… فتح باب غرفة حور ببطء ودخل وأغلقه بحذر…. لقد وجدها فرصة ليقترب منها….. من أول دخوله للغرفة استنشق رائحة مذهلة… اقترب منها… عفوًا بل من الملاك النائم على الفراش… مرتدية منامة حمراء بأكمام قصيرة.. بينما جزعها السفلي مغطى… شعرها الناري مفرود بجانبها… نائمة كالملاك…. ملامحها هادئة.. فمها الكرزي مفتوح قليلًا كالأطفال…. عند هذه المرحلة ابتلع ريقه بصعوبة…. اقترب ببطء حتى وصل إلى السرير… جثى على ركبتيه بجانبها…. رفع يده مررها قريبًا جدًا من ملامحها.. لكنه لم يلمسها… تحركت يده على شعرها من منابته حتى وصل لأطرافه.. رفعه تجاه أنفه.. استنشق رائحته.. آه.. أغمض عينيه.. للتمتع بهذه الرائحة المسكرة.. آه من رائحة شعرك.. فماذا سيكون طعم بشرتك…. فتح عينيه ببطء.. وأفلت شعرها ببطء وبحذر شديد كأنه ألماس… ترك يده تسير على بشرة وجهها وهو مغمض العينين.. مستلذًا بملمسها الناعم… تحركت أصابعه ببطء من جبينها.. جسر أنفها.

الفصل الخامس

— انت بتعمل إيه هنا؟

كانت هذه الجملة التي أفاقته من حالته.. وقف بسرعة ينظر لريم لا يعرف ماذا يقول. هال ريم ما رأت.. صدره يعلو ويهبط بسرعة… عيناه استحال لونها أسود من الرغبة.. وقفت تتأمل هذا السيف الذي لم تؤثر به امرأة من قبل…. استفاقت على همهمة خفيفة من حور:

— م مااامي… م.

— اطلع بره يا سيف بسرعة.

كان هذا كلام ريم لسيف وهي تنظر لحور التي تزعم أنها تسمع خفقات قلبها من شدة اضطرابها. نظر لها سيف ومن ثم نظر لحور… ومال قبل موضع قلبها وخرج مسرعًا.. لم يعد قادرًا على الاحتمال. وضعت حور يدها على قلبها وفتحت عينيها بصعوبة فوجدت ريم تنظر ناحية باب الغرفة:

— رر ريم.. من فضلك هاتيلي أشرب.

— ها حاضر.

أخذت ريم كوب المياه الموضوع على الطاولة بجانب الفراش وتوجهت ناحية حور الممتدة على الفراش ويدها على قلبها وتنفسها غير منتظم… ساعدتها على النهوض:

— خدي يا حور اشربي براحة.

أمسكت حور الكوب بأيدي ريم وارتشفت قطرات قليلة وتركت أيدي ريم…. وضعت الكوب على الطاولة:

— حور حبيبتي مالك…. حاسة بإيه؟

— مش عارفة.. حاسة نبضي سريع.. كإني كنت بجري في سباق.

— إن شاء الله هتبقي كويسة.. يلا نامي شوية تاني.

— حاضر….

قالت وهي تتمدد على الفراش مرة أخرى. خرجت ريم.. وهي في حالة ذهول.. ما هذا الرابط بينهم.. يا الله.

عندما خرج من الغرفة توجه إلى الخارج.. لكنه لمح حمام سباحة… فغير اتجاهه وقفز في المياه الباردة علها تخفف من سخونة جسده.

حل الليل واجتمع الكل للعشاء ما عدا ريم فلديها حالة في المستشفى. كان يجلس عادل على رأس الطاولة.. ورأفت. منى جهة اليمين.. وألفت جهة اليسار….. منتظرين سيف وحور. ما إن فتحت حور باب الغرفة لتنزل.. مرتدية بيجامتها الوردية الرقيقة وشعرها يرفرف على ظهرها… وتخطت غرفة سيف ومع نزولها أول درجة.. فتح سيف باب غرفته ولمحها… فسار يتتبعها بدون صوت… نزلت الدرج سريعًا… فقد كانت استعادت نشاطها وعند دخولها غرفة الطعام:

— مامي. بابي.. آسفة على التأخير….

قالت هذا وهي تقبل وجنة والدها… وتجلس بجانب والدتها.

— مساء الخير يا أنكل.. وطنط.

منى بابتسامتها المعروفة:

— مساء النور يا حبيبتي.. بقيتي كويسة..

ردت ببشاشة:

— الحمد لله.

كل هذا يحدث وهو يستند على باب الحجرة يرى تلك الفاتنة وهي تلهو وتعتذر كالأطفال… وعند اقترابها من والدها وتقبيلها له… شعر بغصة في حلقه.. متمنيًا أن يكون مكان والدها..

— إيه يا حبيبي يلا العشا.

كان هذا كلام ألفت أول من شاهدته…. استفاق من سرحانه. أومأ برأسه وتقدم من السفرة… ولكن أين يجلس.. إن جلس أمامها لن يأكل.. وهي أيضًا.. من نظراته لها.. وإن جلس بجانبها رائحتها كفيلة بأن تذهب عقله.

— تعالى يا سيف اقعد.

كانت هذه منى تشير إلى جوارها. جلس أمام حور… حاول على قدر استطاعته أن يركز في طعامه فقط.. بينما أحيانًا كثيرة تخونه نظراته. كان الباقين ينظرون له ويتغامزون.. هل هذا ابنهم الرزين.. ولكن العشق يغير..

— قوليلي بقي يا حور حصانك أنهي واحد فيهم.. علشان سيف مايجيش جنبه.

رفعت حور عينيها من على طعامها فاصطدمت بعيني صقر تلتهمها.. شرقت في الطعام وارتشفت الماء سريعًا:

— أنا ماليش حصان فيهم يا أنكل.

تعجب.. كيف وهم يمتلكون كل هذا:

— ازاي كده؟

ردت بهدوء:

— علشان مش بعرف أركب.

أكمل رأفت تعجبه:

— يعني عندك مزرعة فيها أجود الأنواع وماتعرفيش.. ازاي بس.

خجلت حور ولم ترد. ربتت والدتها على يدها:

— من خوفي عليها ماخليتهاش تركبهم.

اقترح رأفت:

— طب إيه رأيك يا حور تتعلمي.

لمعت عينيها فرحًا ونظرت لوالدتها:

— ماتخافيش سيف هيعلمك هنا واكيد مامي ما عندهاش اعتراض.

نظرت حور لها نظرة رجاء لتوافق. وجدتها ألفت وسيلة لاقترابهم أمام عينيها لترى:

— وأنا ماعنديش مانع بس سيف يوافق.

— وأنا موافق.

كان رده سريعًا… فمن لمعة عينيها عرف إنها لم تجرب أشياء كثيرة بسبب خوف أهلها.. وأقسم أن يسعدها.

— خلاص نبدأ من بكرة يا سيف.

كان هذا حديث حور لسيف… نظر لها سيف مذهولًا… آه من روعة اسمه الذي يخرج كنغمة لا ترحم قلبه.. تمالك قلبه وأجابها:

— ماشي يا حور نبدأ من بكرة بس بدري.

— الحمد لله أنا شبعت… هروح بقي أنام علشان أصحي بدري.

قالت وهي تقف سريعًا متجهة للدرج كطفلة فرحة بلبس العيد.

ما إن صعدت حور حتى نظر لهم سيف:

— مش فاهم.. إيه اللي حصل.

عادل:

— بص يا سيف… عينك فيها حب لحور.. بس حور صغيرة لازم تاخد عليك ولو ما تقبلتكش لازم تنسحب يا سيف من غير أي كلام.

سأل بترقب:

— ولو اتقبلتني؟

تنهد عادل:

— يبقى تجيب رأفت وتتقدم ونتكلم كلام رجالة.

نهض سيف:

— ماشي يا عمي… بس مش عايز حد يقول حاجة لحور، أنا عايزها كده وتحبني وهي كده.. بعد إذنكم.

غفت حور في سعادة بالغة… بينما هو نام قليلًا قلقًا من اقترابها منه.. فيجب أن يكون حذرًا.. حتى لا يخيفها.

حل الصباح يحمل في طياته يومًا سعيدًا على قلوب سوف تذوق لوعة عشق فريد.

الفصل السادس

ارتدى سيف ملابسه… وخرج من غرفته.. وأغلق الباب واستند عليه.. وظل ينظر لباب غرفة حور.. ومن ثم استجمع شجاعته وتوجه لغرفتها وطرق الباب… مرة.. والثانية.. والثالثة… و لكن لا يوجد رد. أخذ قراره وفتح الباب ببطء ودخل.. لم يجد أحدًا بالغرفة… وفراشها مرتب.. اتجه ناحيته… وأخذ وسادتها وقربها من أنفه وأغمض عينيه… وأخذ يستنشق رائحتها العالقة فيها.. رائحة تذهب عقله.

لكن فتح عينيه بسرعة.. وترك الوسادة وخرج سريعًا.. وهبط الدرج سريعًا وصدره يعلو ويهبط سريعًا جدًا.. وعندما وصل إلى آخر الدرج وجدها تقف مولية له ظهرها.. ترتدي بنطال أزرق عليه تيشرت أبيض يظهر مدي جمالها.. وشعرها على كتف واحد… اقترب منها ببطء.. ود لو احتضنها… وأغمض عينيه متخيلًا… أحست بضربات قلبها تتسارع… وإن أحدًا خلفها التفتت وجدته خلفها مباشرة.. اضطربت في وقفتها وخطت خطوة للوراء.. اختل توازنها.. ولكنها استندت على الكرسي خلفها. نظرت له في اضطراب وهي تضع يدها على قلبها.

بينما هو أغمض عينيه أكثر.. فعند التفاتها دار شعرها معها وأصبح مسترسلًا على ظهرها… ورائحته العطرة أسكرته. فتح عينيه ونظر لها وهي تنظر له ببلاهة ويبدو عليها الألم ويدها على موضع قلبها. علم بألم قلبها.. أراد تهدئتها:

— اهدي. مالك؟

— انت ليه كنت مغمض عنيك؟

قالت بعفوية أطفال. أجاب بسؤال مثلها:

— وانت ليه حاطة ايدك على قلبك؟

— علشان بيوجعني….

قالت هذا بدون تردد.. لا تعرف أن هذه الكلمات تنزل عليه كالجمر. تقدم نحوها ووضع يده على يدها موضع قلبها:

— ودلوقتي؟

سكت.. قالت وهي مندهشة.. فكيف زال وجعها. أكملت بدهشة:

— آه سكت.. بس لسه سريع.

تركها وأعطاها ظهره..

— طب يلا بينا.

جاء سؤالها هنا بحكم روتينها:

— حاضر.. إيه ده مش هتفطر؟

— لما نخلص.

مد يده لها.. فنظرت ليده ثم له:

— امسكي ايدي..

قالها بكل جدية العالم.

— حاضر..

قالتها بخضوع فأمسك يدها بحرص شديد:

— يلا يا حور.

ومن ثم اتجهوا إلى الاسطبل.

نائمًا على فراشه لا يغطي جسده سوى مفرش رقيق.. صدره يعلو ويهبط.. ونائمة على صدره حبيبته.. وهي تمامًا مثله.. يدها على صدره.. واليد الأخرى على وجنته.

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى