روايات وقصص

طبق الجمبري منى السيد

طبق الجميري منى السيد

الجمبرياية اللي في طبق بنت خالته، جوزي هو اللي قشرها بإيده كنا ستة على السفرة، وما عملش كدة غير ليها هي بس. بعد ما حطها في طبقها، مال عليها وقال بصوت هادي كليها يا ريهام وهي سخنة، إنتي بتحبيها بالثوم الزيادة. حماتي، خالتها في الأصل، كانت قاعدة بتبص لهم وابتسامة رضا غريبة على وشها، كأنها مش شايفاني أصلاً. في اللحظة دي، حسيت ببرودة في صوابعي، سيبت الشوكة وركنت ضهري لورا. حماتي رفعت عينها وقالت بنبرة فيها لوم مكتوم مالك يا سلوى؟

مابتأكليش ليه يا بنتي؟ الأكل وحش؟ رديت عليها وعيني في عين تامر لأ يا ماما الأكل زي الفل، بس هو تامر غرف الأكل كله وحطه قدام ريهام.. أنا بقى المفروض آكل إيه؟ الهدوء اللي ساد الصالة كان مرعب.. تلات ثواني كأنهم ساعة. تامر إيده اتجمدت وهو بيمدها يغرف تاني، وريهام وطت راسها وعملت نفسها مشغولة بطرف الطبق. العزومة دي في بيت حماتي كانت مقدسة كل يوم سبت.

بقالي تلات سنين متجوزة تامر، عمري ما اتأخرت. أنا اللي بنزل السوق، وأنا اللي بوقف في المطبخ من الصبح، وأنا اللي بخلص المواعين وضهري بيتقطم. أما ريهام، بنت الخالة الغالية، فكانت بتيجي دايمًا على الجاهز. ريهام لسه راجعة من الشغل وتعبانة يا سلوى، معلش خليكي إنتي ست بيت شاطرة وقومي ساعديني، دي جملة حماتي المعتادة. اليوم ده بالذات، أنا اللي طبخت كل حاجة.. السلمون، والجمبري المقلي، وشوربة السي فوود. الجمبري ده بالذات، أنا اللي وقفت قشرته ونضفته حتة حتة وتعبت في تتبيلته. أول ما قعدنا، وقبل ما ألمس معلقتي، تامر بدأ يقشر الجمبري.

في اللحظة الأولى، افتكرت إنه بيصالحني بعد خناقة الصبح، وأخدته الحنية يقشرلي زي زمان. بس الصدمة إن إيده راحت لطبق ريهام بمنتهى السلاسة، كأنه متعود على كدة بقاله سنين. قشر الأولى.. والتانية.. والتالتة.. والرابعة. كل ده وأنا قاعدة جنبه، شفافة، ماليش وجود. ريهام كانت بتبتسم له بكسوف مصطنع وتقول تعباك معايا يا تامر. وهو يرد بضحكة خفيفة تعبك راحة يا ريري. لما قمت ولبست شالي عشان أمشي، تامر اتعصب إنتي رايحة فين يا سلوى؟ متبقيش قفوشة كدة، ريهام زي أختي وانتي عارفة غلاوتها عند أمي.

حماتي كملت عليه وهي بتنفخ بضيق والله يا تامر يا ابني أنا قولتلك من الأول، في ناس نفسيتها ضيقة ومبتعرفش الأصول، دي غيرة ستات فارغة! خرجت من البيت وأنا مش شايفة قدامي. وصلت شقتي وقعدت في الضلمة. سألت نفسي هو الموضوع بدأ من إمتى؟ طول التلات سنين كنت بكون في المطبخ أو بلم الأطباق، فعمري ما شفت نظراتهم ولا خدمته ليها على السفرة فتحت الفيسبوك ودخلت على بروفايل ريهام.

شفت صور كتير هي منزلاها.. مرة صورة علبة شيكولاتة غالية مكتوب عليها من حد غالي، وتامر عامل لاف Love. ومرة تانية من شهر، صورة تكييف جديد متركب في أوضتها وكاتبة أخيراً الواحد هيعرف ينام، شكراً للجدع اللي وقف مع الفني وركبه. التكييف ده.. أنا فاكرة اليوم ده كويس. تامر قالي يومها إنه عنده شغل إضافي وهيتأخر، ورجع فعلاً وهدومه كلها تراب وعرقان قفلت الموبايل ورميته بعيد.

. الموضوع كان عمر بيقشر فيه حاجات تانية خالص لغيري، وأنا اللي كنت بدفع الثمن من صحتي وتفانيّ في خدمة بيت مش شايفني أصلاً. الساعة بقت اتنين بالليل.. وتامر لسه ما جاش، غالباً قاعد بيسمع شكوى أمه وخالته عن مراته النكدية اللي بوظت عليهم العزومة. الفصل الثاني المواجهة الأخيرة.. وكسر القيد تامر مرجعش البيت غير بعد نص الليل. العادي إنه بيرجع الساعة عشرة ونص، بعد ما يقعد يساير أمه شوية أو يدردش مع ريهام وبنتها. بس النهاردة اتأخر.. وكأنه بيهرب من المواجهة.

قمت دخلت الأوضة، فتحت دولابه.. هدومه مترتبة بالمسطرة، قمصان الشغل في ناحية، وتيشرتاته في ناحية. مشيت إيدي على قميص من قمصانه الغالية، ريحته كانت لسه فيه.. ريحة الخشب والليمون اللي أنا نقيتهاله بنفسي. رجعت الصالة، والسكوت كان بېخنقني. مسكت الموبايل، جيت أتصل ب ياسر جوز ريهام اللي في إسكندرية، كنت عايزة أسأله إنت عارف حاجة؟ شفت حاجة غريبة؟ بس تراجعت.. ياسر راجل غلبان وشقيان، ومش عايزة أهد بيت بكلمة يمكن تطلع في الآخر وهم في دماغي.. ولو إن قلبي بيقولي إنه مش وهم. على الساعة واحدة، الباب اتفتح. تامر دخل، رمى مفاتيحه على الترابيزة برنة ناشفة كسرت السكوت.

ما بصليش حتى، دخل المطبخ يشرب. رحت وراه.. كان مدي ظهره ليا. تامر.. قولت اسمه بالراحة. شرب بؤ ميه، ولف وشة ليا.. عينه كان فيها تعب، بس كان فيها كمان نبرة هجوم غريبة خير يا سلوى؟ عايزة إيه تاني؟ ما عندكش حاجة تقولها؟ أقول إيه؟ على الفيلم اللي عملتيه النهاردة؟ أمي ډمها محروق، وريهام مكسوفة ومڼهارة من كلامك. ضحكت بمرارة أمك ډمها محروق؟ وريهام مڼهارة؟ طب وأنا يا تامر؟ أنا اللي بقالي تلات سنين خدامة في بيت أمك، أنا ماليش خاطر عندك؟ إنتي بس اللي نفسيتك وحشة يا سلوى، وبتغيري من تفاهات. تفاهات؟ أربع جمبريات يا تامر.

. خمس دقايق وإنت ناسي إن ليك زوجة قاعدة جنبك، وبتقشر لبنت خالتك وتدلعها كليها وهي سخنة؟ دي تفاهات؟ صوتي بدأ يعلى وماقدرتش أتحكم فيه. دي بنت خالتي، زي أختي، وظروفها صعبة وجوزها مش هنا.. أنا براعيها، فيها إيه دي؟ وأنا مراتك! فاكر الكلمة دي؟ ولا نسيت اليوم اللي اتجوزنا فيه؟ قربت منه خطوة من شهر، ساعدتها في ترتيب الدولاب.. نفس مقابض إيكيا اللي اخترناها لبيتنا.

ومن تلات أيام، عازمها في كافيه وبتقولها الحساب عندي.. وإحنا بقالنا شهور ما خرجناش خروجة عدلة لوحدنا! اټصدم إني عارفة التفاصيل دي، فرك وشه بضيق ريهام غلبانة، وياسر مش هنا، مين هيقف جنبها غيري؟ تامر.. قولي الحقيقة. دموعي نزلت ڠصب عني إيه اللي بينك وبين ريهام بالظبط؟ بص لي بنظرة غامضة، خليط من اللخبطة والهروب مفيش حاجة يا سلوى، إنتي اللي أوفر وتفكيرك مريض. بطل كدب.. أنا شفت النظرات، وشفت سكوت أمك اللي يطمن، وشفت ريهام وهي موطية راسها.. كأنكم كلكم متفقين على تمثيلية واحدة، وأنا بس المغفلة اللي فيكم.

كأنكم كلكم متفقين على تمثيلية واحدة، وأنا بس المغفلة اللي فيكم. إنتي بقيتي هستيرية يا سلوى.. روحي نامي. زقني بالراحة وخرج من المطبخ ودخل الأوضة وقفل الباب بالمفتاح. تاني يوم، تامر نزل الشغل بدري من غير ولا كلمة. على الساعة عشرة، التليفون رن.. الحاجة فوزية. سلوى.. تعاليلي النهاردة بالليل. لازم نتكلم كلام كبار. كلام بخصوص إيه يا ماما؟ بخصوص قلة ذوقك بتاعة امبارح، ومستقبلك في العيلة دي. روحت.. وكنت مقررة إني مش هبقى سلوى الضعيفة تاني. لقيت تامر هناك، وريهام قاعدة بتمثل الحزن، وبنتها بتلعب في الأرض. الحاجة فوزية كانت قاعدة على كنبتها زي الملكة، وماسكة كوباية الشاي.

اقعدي يا سلوى، قالتها بجمود. اللي حصل امبارح ده قلة حياء.. أحرجتي جوزك وقدام بنتنا ريهام، وكسرتي فرحتنا باللمة. أنا قولت الحق يا ماما. الحق إنك ست غيورة ونفسيتك سودة! تامر حنين، وريهام دي بنتنا، وإحنا عيلة واحدة.. إيه يعني قشر لها جمبرياية؟ ده كرم أخلاق منه. وكرم الأخلاق ده مبيظهرش معايا ليه؟ ليه أنا اللي بشتري وبطبخ وبغسل، وهي اللي تتدلع وتتاكل في بؤها؟ تامر اتدخل بعصبية خلاص يا سلوى، قفلنا على الموضوع ده، اعتذري لأمي ولريهام وخلي ليلتك تعدي. بصيت ليهم كلهم.. ريهام المکسورة تمثيل، والحاجة فوزية المتسلطة، وتامر اللي بايعني عشان بنت خالته.

طلعت من شنطتي ورقة وحطيتها على التربيزة. دي ورقة من المحامي.. أنا بطلب الطلاق. السكوت رجع تاني، بس المرة دي كان صدمة الحاجة فوزية شهقت طلاق؟ إنتي اټجننتي؟ عايزة تعمليلنا ڤضيحة وتطلقي من تامر عشان شوية سمك؟ لأ يا ماما.. مش عشان السمك. عشان الكرامة اللي اتدوست في البيت ده. أنا ماليش مكان وسطكم. تامر قرب مني، صوته هدي شوية سلوى.. اهدي، مكنتش أقصد، مفيش داعي نكبر الموضوع ونوصل للمحاكم. الموضوع كبر من يوم ما نسيت إني مراتك وعاملتني كأني شغالة بتخدم على ست الحسن. أنا خلاص فوقت. قمت ووقفت عند الباب، بصيت للحاجة فوزية وقولت لها عارفة يا ماما؟

إنتي دايماً تقولي إحنا عيلة واحدة.. بس الحقيقة إن دي عيلتكم إنتوا.. أنا عمري ما كنت جزء منها، ولا عمري هكون. خرجت للشارع، الهواء كان بارد بس كان ريحته حرية. لأول مرة من تلات سنين، أحس إني خفيفة.. مفيش مواعين مستنياني، مفيش طلبات سوق، ومفيش جمبري بيتقشر لغيري وأنا بتفرج. الجمبرياية اللي في طبق بنت خالته، كانت هي القشة اللي قطمت ضهر البعير.

. وأنا النهاردة، قررت آكل لقمتي في مكان تالت خالص، مكان يحترمني ويقدرني.. مكان ماليش فيه سلفة ولا بنت خالة تشاركني في جوزي. بعد ما خرجت من باب الشقة، نزلت السلم وأنا مش حاسة برجلي. كنت حاسة إن قلبي اللي كان مقبوض بقاله تلات سنين اتفك فجأة. ركبت عربيتي، وفضلت قاعدة ورا الدريكسيون دقايق، بصه للفراغ. تليفوني مابطلش رن. تامر.. الحاجة فوزية.. حتى ريهام بعتت رسالة يا سلوى والله ما قصدت، تعالي بس وهنحل كل حاجة، تامر بيحبك.

الموضوع إنك أهملت الأمان اللي بينا وبين زوجتك، والأمان ده لو ضاع، مفيش أي أكلة في الدنيا تقدر ترجعه. المفاجأة الصاډمة مرت الشهور، وفعلاً حصلت على الطلاق. في يوم، كنت بتمشى في المول اللي ريهام كانت منزلة صورتها فيه. شفتها.. كانت قاعدة مع تامر، ومعاهم الحاجة فوزية المنظر كان غريب.. تامر كان قاعد مدي ظهره للدنيا كلها وباصص لريهام، وبنتها ليلى بتناديه ب بابا.

في اللحظة دي، عرفت إن الجمبرياية ماكنتش مجرد غلطة عابرة، دي كانت إعلان رسمي عن حياة تانية تامر كان عايشها في عمارة 12 وأنا كنت المغفلة اللي في عمارة 7. حماتي، الحاجة فوزية، شافتني من بعيد. وشها اصفرّ وحاولت تداري ريهام ورا ظهرها. مشيت ناحيتهم بخطوات واثقة، وقفت قدام السفرة بتاعتهم، وابتسمت أجمل ابتسامة عندي. بصيت لتامر وقولتله بالهنا والشفا يا تامر.. الجمبري المرة دي متقشر جاهز ولا لسه هتتعب نفسك؟ تامر اټصدم وماعرفش يرد.

بصيت لريهام وقولتلها مبروك عليكي يا ريهام.. تامر شاطر قوي في الترتيب، خصوصاً ترتيب الدواليب وحسابات الكافيهات. سبتهم وطلعت من المول وأنا حاسة إني بجد اتولدت من جديد. دلوقتي، وأنا قاعدة في بيتي الجديد، الصغير بس الهادي. مفيش حد بيجبرني أطبخ لحد مبيقدرش. مفيش حد بيسميني Sophie ببرود، ولا حد بيقولي نفسيتك ضيقة. عملت لنفسي عشا ملكي..

طبق جمبري كبير، وقعدت أقشر لنفسي واحدة واحدة وأنا مستمتعة بكل قطمة. عرفت إن السعادة مش في مين بيقشر لك، السعادة في إنك متسمحيش لحد يخليكي فصلة في كتاب حياته، وإنتي المفروض تكوني العنوان. الجمبرياية اللي في طبق بنت خالته، كانت هي اللي أنقذت حياتي. لولاها، كنت هفضل خدامة في بيت ناس مبيشوفوش غير نفسهم. تمت الحكاية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى