روايات وقصص

حور السيف ج٣

بعد سماع هذه الكارثة.. ذهب الجميع.. لم يعد بتلك الغرفة سوى سيف.. وحاتم.. الطبيب. صمت رهيب.. يحاولون أن يستوعبوا ما سمعوا منذ قليل.

انتبه حاتم لنفسه بعد أن كان ينظر للفراغ الذي تركه والداه.. وابتسم بمرارة. إذًا.. لهذا السبب روحي كانت تحترق من أجلها.. لهذا السبب لم أشعر بالاكتمال قط.. لهذا ابنتي نسخة منها.. أو مني. فالآن فهمت لماذا كان سيف يسرح في ملامحي، لأني.. أنا نصفها.. نحن روحان.. افترقنا.. لكن بالتأكيد سنجتمع.. لن أدعها تذهب وتتركني.. سوف أفهم كل الحقيقة.. لكن بعد أن أنقذها.

تحرك بصمت ووقف أمام الطبيب:

— أنا مستعد دلوقتي أعمل التحاليل اللازمة وأدخل العمليات وقت ما تحب… بس ضيف تحليل كمان عليهم.. عايز تحليل DNA.

ابتلع الطبيب ريقه من كم هذا التوتر وهذه العائلة:

— تمام، دقايق وهبعت لحضرتك الممرضة وهتقوم باللازم.

وخرج الطبيب وترك لهم مكتبه الذي تدمر على يد سيف منذ قليل. تقدم سيف من حاتم… لم ينطق حاتم إلا كلمتين.. وهو ينظر داخل عمق عين الآخر:

— كنت تعرف؟

— أبدًا.

جاءت الممرضة وقامت بعمل التحاليل اللازمة. وخرج حاتم ووراءه سيف.. لا يدري ماذا يفعل.. سوف يجن… حبيبته.. أخوه.. كارثة.. لا يعرف أم غضبه الذي يريد أن يحرق به العالم الآن.

تحرك حاتم ناحية غرفة العناية ودخل عندها ووراءه سيف.. بينما يحيى وريم يقفان في الخارج.. بكل ذهول بكل حزن لا يعرفان ماذا سيحدث.. ولكنهما متيقنان أن القادم أسوأ.

تقدم بكل بطء من الفراش الذي تشغله.. كملاك موصول بعدة أجهزة تبقيها على قيد الحياة. تقدم وجلس بجانبها.. بينما الآخر وقف خلفه بمسافة ليست بكبيرة. بكل توتر وبطء أمسك أصابع يدها اليمنى.. كأنه يرتكب ذنبًا… ثم قال بنبرة كلها بكاء وحزن:

— آه.. حور… أول مرة ما بقاش خايف وأنا جنبك… يمكن علشان لما بتبعدي من جنبي كنت بحس إني ناقص… وكنت بزعل قوي.. وبتهم نفسي بالخيانة.. علشان بحس ناحيتك بحاجة بس مش عارف أفسرها.. وانتي المفروض مرات أخوية… وأنا بحب جوي جدًا… بس انتي… انتي غير…. لما مشيت امبارح ما قدرتش أنام… ما صدقت لما الصبح طلع وجيت على طول… كنت حاسس إن في حد بيسحب روحي.. والإحساس وجعني.. لأني نايم جنب مراتي وبفكر فيكي.. بس مش بطريقة وحشة.. والله.. عمري.. بس دايماً جوي تقولي إن في شبه بينا..

ههه آه وسيف.. ثم أزال دمعة فرت من عينيه إذ كان يتحدث وهو يبكي ويضحك في نفس الوقت. سيف كان بيسبلي كتير…. كان.. كان بيقولي عيونك شبهها قوي…. ههه صراحة أحياناً كنت بخاف منه.. حتى.. حتى بنتي جت نسخة منك… وكل دا كان بالنسبالي عادي… اللي ما كانش عادي.. هو إحساسي بيكي اللي ما كنتش عارف ولا قادر أفسره… بس.. بس عرفت دلوقتي السبب.. إني ههه إني أنا وانتي روح واحدة… أخوات.. آه يا حور…

ثم رفع يدها وقبلها… أنا مش عايز أعرف الحقيقة دلوقتي… هستناك.. آه والله هستناك لما تصحي.. وتفوقي وإن شاء الله هنعمل العملية.. ونعرف الحقيقة مع بعض…

أياً كانت هي إيه.. المهم إنك أختي وبس.. مش عايز حاجة دلوقتي غير إنك تبقي كويسة.. آه… يا حور بس ابقي كويسة علشان حاسس إن روحي بتنزف..

ثم توجه بنظره لسيف.. وازداد من احتوائه ليدها:

— بصي يا حور سيف.. سيف الجامد بيعيط لتاني مرة علشانك.. أكيد قلبه واجعه.. وأنا روحي بتروح.. اوعي اوعي تروحي.. خليكي.. آه.. ه.. آه. خليكي.

لم يعد لسيف قدرة على احتمال كل هذا.. أسرع يحتضنه.. وأخرج كل منهما حزنه عليها. أخذا يبكيان.. ويواسيان بعضهما.

بخارج الغرفة تقف ريم وبجانبها يحيى… يشاهدان ما يحدث ولكن لا يستمعان.. ولكن عندما شاهدوا أن انهيار سيف.. في أحضان حاتم وهما الاثنان وقعا على الأرض انهارت ريم باكية ليضمها يحيى.. أخذ يربت على ظهرها حتى تهدأ.. بدأت أنفاسها بالهدوء:

— بسس اهدي…

— ح.. حور….. ك. كارثة…. كارثة. ه كبيرة.

— بسسس، هش، انتي مش قادرة تتكلمي.. اهدي شوية.. علشان نقدر نساندهم.

هدأت أنفاسها… ثم خرجت من حضنه ببطء.. وتلامس خده مع خدها… امتدت يده تزيل شعرها الذي التصق بدموعها… فكانا قريبان جدًا من بعضهما…

تاه داخل عيناها الناعسة.. الباكية… وأنفها الأحمر…. وشعرها الذي يمسكه في يده… ازدادت سرعة أنفاسه… وهي تنظر لعينيه كأن الزمن توقف هنا.. ارتفعت يده الأخرى ليكوب وجهها… تعالت أنفاسهما.. حتى أصبح نفسه هو تنفسها.. والعكس… اقترب لدرجة مهلكة… هبط بنظره لشفتيها المنفرجتين باضطراب… اقترب واقترب حتى ينول ما خشاه منذ أشهر… أراد تذوق نعيمها.. اقترب حتى لامس.. أفاقت هي ووضعت أصابعها على شفتيها.. قبل أصابعها بشغف.. لتعمض عينيها.. إن كانت هذه القبلة قد وصلت لشفتيها.. لكانت خارت قواها..

ضمها إليه بشغف… وأزاح شعرها.. وهمس في أذنها:

— أنا بحبك.. وبعد ما الأمور تتحل هتجوزك..

وابتعد ببطء تاركها خلفه ونظر إلى الزجاج الشفاف.. الذي يفصلهم عن حور.. واضعًا يديه في جيوبه.. محاولًا تهدئة أنفاسه.. وإحجام رغبته التي طالما سيطر عليها لعدة أشهر مضت.. أما هي ما إن همس وابتعد وأزالت أصابعها على شفتيها… حتى فتحت عينيها… ونظرت لظهره.. هل هو مجنون أم ماذا.. ألم يبتعد عنها الفترة الماضية.. ألم يتجاهلها كثيرة.. والآن بكل شغف.. يهمس لها بكلمة تهز كيانها كله…

أفاقت.. وأخذت خطوة للوراء وجلست على كرسي الاستراحة لتهدئ أنفاسها المضطربة. لم يفيقا من انهيارهما إلا على همسها:

— س… س.. ي.. ف…

ابتعد عن حاتم وجثى على ركبتيه من جهة اليمين.. بينما أسرع حاتم لجهة اليسار.. أمسك كفها وأخذ يقبله وهو يبكي:

— روحي.. حمدلله على السلامة… حاسة بإيه… في وجع.. أطلب الدكتور…

ضغطت على كفه ببطء وابتلعت ريقها الجاف.. وحاولت نزع الأكسجين:

— لااا.. سيبيه..

لكنها أصرت.. فرفعه لها مجبرًا:

— م.. ما.. تعيطش…

ومسحت بكفها المرتجف إحدى دمعاته. وضع لها قناع الأكسجين بسرعة:

— حتضر.. حاضر مش هعيط.. بس انتي أبقي كويسة..

شعرت بأن أحدًا أمسك كفها الآخر.. وقبله.. التفتت برأسها لترى من هذا وجدته حاتم في حالة لا تقل ازدراء عن سيف.. دموعه تغطي وجهه… وينظر لها كالغريق… حاولت سحب كفها… لكنه تمسك به.. وازداد نحيبه.

— سيبي إيدك.. خليه ماسكها.

لقد استغربت حديثه.. فهو يغار وبكثرة… وثانية وأغمضت جفنيها مرة أخرى.

— حور.. حور..

داخل غرفة ألفت وعادل استفاقت ألفت:

— عادل.

— أنا هنا.

— حور.

أخذها في حضنه.. لا يعرف من منهما يحتاجه.. ولكن هما الاثنان انجرفا في البكاء.

— ازاي؟

— مش عارف.. مش..

— يعني.. يعني.. توأم حور.. ازاي… يعني. يعني ابني..

— اهدي وهنعرف كل حاجة… وهنفهم.

— آه.. آه.. يا وجع قلبي… بنتي بتروح.. ومني ليه.. ليه تقول كده..

ازداد من شدة احتضانه لها:

— هششش مش عارف…. أخرجها من حضنه. ومسح دموعه ودموعها.. بصي احنا هنعمل نفسنا ما سمعناش حاجة.. هنخرج.. ونقف جنب بنتنا… لحد ما تبقي كويسة.. وبعدين نفهم.

— بس.. بس مني.. ابني.

— مش دلوقتي… نطمن على حور.. ونفهم.

أما بغرفة منى ورأفت.. جاذبها لحضنه.. وهي لا تفعل شئ سوى البكاء:

— اهدي شوية.. علشان ما يجرالكيش حاجة.

— ابني… ابني.. خسرته.. خ..

— لا.. ماتقوليش كده.. هيفضل ابننا مهما حصل.

— بصته.. بصته.. وبسؤاله.. وو… ولسه لما يعرف.. لما يعرفوا الحقيقة… خسرنا.. خسرنا كله.

وازداد بكائها.. ليزيد من احتضانها… وتنزل دموعه فهو يعلم تمام العلم بأن ما حدث لاشئ مقارنة بالآتي.. سيدخلوا فعلًا… دعى من قلبه.. أن يحدث العكس.

بعد أن تطابقت نتائج التحاليل… تقرر موعد العملية. والآن يتجهز حاتم. جاءت جوي وهي تحمل جين.. بعد أن تجهز وجلس على سريره. جلست جوي بداخل حضنه.. وأحمل ابنتها.. وتركهم الجميع وخرجوا.

— اوعي تعيطي.

بينما كانت قد انفجرت في البكاء..

— ليه.. ليه العياط.. ومسح دموعها… دي حاجة بسيطة.. هدي حتة مني لأختي.. وبس..

قالها بألم فاحتضنته.. فشدد على احتضانها:

— لو ما خرجتش..

— لأ.

— اسمعيني.. لو ما خرجتش.. خدي بالك من جين.. وسيف هيحبها زي بنته… وعاملي أهلي زي ما كنتي بتعامليهم زي أهلك بالظبط… ههههه هو أنا مش عارف أنهم فيهم.. بس عاملي الكل كويس جدًا.. وح.. وحور ما طلعتش شبهها بس.. طلعت توأمها.. طلعت هي الحتة الناقصة اللي بتكمل روحي.

خرجت من حضنه:

— لا انت هترجعلي.. وترجع لجين.. ولحبنا… اوعي.. اوعي تبعد.. هروح ورم.. آه أنا قلت لك… لازم ترجع انت وحور.. وقول لها الكلام دا بنفسك…

نزلت دموعه ودموعها وقبلها قبلة كانت بمثابة كبسولة لاحتمال كل شئ… ابتعد عنها… وقبل جين وضمها واستنشق عطرها الآخاذ… ولكنها كانت غافية… دخلوا عليه. ومعهم الطبيب.. لم يقترب من أحد ولم يسلم على أحد… فقد نظر بعينيه.. لوالديه أياً منهما هم الأربعة.. عيونه تحكي.. وهم يزرفان الدموع.. منهما من يبكي ندمًا.. وحزنًا على فقده.. ومنهما من يبكي على عدم قدرته على الاقتراب..

نظرت له ريم.. وأومأت له بابتسامة… ويحيى نظر في عينيه.. كأنه يسانده بهذه النظرة. أما سيف الذي تستند على الباب.. اجتذبه لحضنه وهو يخرج:

— خلي بالك من مرات أخوك وأختك.

همس له فقط بهذه الجملة وخرج من المشفى بكاملها. جهزوا.. ودخل حاتم وحور غرفة العمليات. أخذ ينظر لها وهو يذهب في خيالاته تأثيرًا بالبنج… وابتسم أخيرًا.. وأغلق عينيه.. وبدأت العملية.

الكل خلف باب غرفة العمليات منذ ساعات… وسيف جالس بعيد عنهم.. لم يقترب منه أحد ولم يحاولوا.. فلقد كانت عيناه قاتلة.. كل منهم يبكي في صمت ومنهم من يقرأ القرآن.. فعادل ومنى يعرفان أنه فقداهما.. فقد خسرا ابنيهما.. واحد بجسده والثاني سيعيش ميتًا. أما ألفت وعادل.. توأمهما في الداخل.. يريدان استرجاع حقهما.. يريدان صغيرتهما… ويريدان ابنهما ليأخذاه في أحضانهما.. ينعمان بعبيره. ريم خائفة على حور.. وأيضًا من انهيار رفيق دربها… جوي تجلس حاضنة ابنتها تبكي في صمت وتستنشق رائحتها.. التي تذكرها به. يحيى يقف مساندًا للكل.. لقد عاش مثل هذه التجربة من قبل.. يعرف تمام المعرفة ماذا يشعرون..

أخيرًا فتح باب العمليات ليخرج منه الطبيب بإنهاك.. تقدم منه الجميع وفي مقدمتهم سيف ينتظرون الجملة التي ستنهي حياتهم.. أم ستعيدها.

— حور هانم حاليًا كويسة.

ابتلع ريقه بصعوبة.. بس للأسف حاتم بيه.

الفصل 22

الكل مترقب في صمت كالصقيع.. منتظرين تكملة الإجابة:

— بس للأسف حاتم باشا قلبه وقف مرتين أثناء العملية.. ودخل في غيبوبة.. ربنا وحده اللي يعلم إمتى هيفوق منها.. من بعد ما عملنا الزراعة.. وهو تحس جسمه رفض الحياة.. عملنا اللي علينا وادعوله.

خبطة في الأرض.. هي التي سمعوها إنها جوي لم تحتمل فغابت عن الوعي، والحمد لله أنها وضعت جين النائمة على الكرسي لتقف وتسمع أخبار العملية… كانت منى ستقع لولا يد رأفت التي أنقذتها.. تقابلت نظرتهما حاملة كل حزن العالم. ألفت فرحت للاطمئنان على ابنتها.. ولكن ما حدث معه.. ألغى هذه الفرحة لتحل دونها تعاسة لا مثيل لها.. تقف هي وعادل ممسكين بأيدي بعضهم.. يستمدون القوة من هذه الرابطة.. دموعهم نزلت في صمت..

هرول يحيى ليحمل جوي لأقرب غرفة لإفاقتها. ريم حملت جين التي بدأت في الاستيقاظ والبكاء. أما الجبل سيف.. أسند على الحائط خلفه.. وسحب جسده للأسفل كما تسحب الروح… واستند بظهره على الحائط وأرجله مفرودة… وأخذ يضرب رأسه في الحائط ببطء.

الكل يتمنى أن ينتهي هذا الكابوس.

مر يومان… حور مازالت غافية لكن كل شئ بخير.. حاتم في غيبوبته لا يريد التراجع.. لا يريد الرجوع لهم.. يعيش في أحلام جميلة.. ويشعر بها كأنها حقيقة. أفاقت جوي وتمسكت بابنتها.. وعملت بنصيحة زوجها.. وتم تخصيص غرفة لها ولجين لتبقي قريبة منه. أما الآباء والأمهات.. تشعر بأن بينهم اتفاق ضمني.. لم يتحدثوا مع بعضهم لا في حال أولادهم ولا في أي شئ. ألفت وعادل ما إن رأوهم ينسحبان من المكان فورًا… لم يعودا معهم إلى الفيلا.. ولكن ذهبا إلى شقة سيف… والكل لا يمشي إلا بالحرس.. أخذت ريم أجازة من عملها وظلت بجانبهم.. يحيى يشعر بهم.. يحاول احتواء الجميع والتخفيف عنهم وخاصة صغيرته. أما سيف لم يتحدث ولا كلمة مع أحد.. فقط ينظر للاثنان القابعان داخل غرفة العناية.. ولا حول له ولا قوة. الكل.. بالحرس.. بالأمن… خائف من هذا الهدوء.. إنه الهدوء الذي يسبق العاصفة.. لقد توقع الكل.. أن يحرق العالم.. لكنه لم يفعل.. لم يغمض له جفن.

وبالنسبة لمكانة سيف… انقلب الوسط سواء من إعلام أو أمن أو مخابرات أو وسط رجال الأعمال.. الكل متحفز.. لا أحد يعلم ماذا سيحدث.. إن الصقر جريح.. وسوف يحرق كل من كان له صلة بهذا الموضوع.. جاهد رجال الشرطة والأمن للحديث معه لكن دون جدوى… بحثوا كثيرًا عن من أطلق النار.. لم يجدوه… لا يعرفون أنه تحت رحمته..

لا أحد يعلم شئ.. لا أخبار تسرب… المستشفى ملكه.. أفرغ جناح كامل لهم.. لا أحد يدخل سوى الموثق بهم، سواء أطباء أو ممرضين أو عمال نظافة.. لديه سجلات الجميع.. لا أحد يعلم أن أخيه في غيبوبة.. كل ما يراه الناس من الخارج… أن زوجته أصيبت بطلق ناري.. كان هو الهدف.. لكن… وحالتها سيئة.. يتركز الإعلام خارج حدود المشفى أملاً في التقاط صورة.. واحدة لأخذ سبق صحفي نظرًا لمكانة سيف الكبيرة.. وخدماته في مساعدة وطنه.

جاء اليوم لواء كبير..

— إزيك يا يحيى.

— تمام يا فندم.

— ليك وحشة والله يا يحيى.. ما بتسألش علي أستاذك ليه؟

— اعذرني يا فندم.. حضرتك عارف.

ربت على كتفه.. فهو كان قائد يحيى.. ويعرف سيف معرفة شخصية… أتى اليوم وخلف حرسه.

— فين سيف يا يحيى؟

ابتلع ريقه ورد:

— يا فندم سيف ما اتكلمش مع حد بقاله يومين.. ومش راضي يقابل حد.. وحضرتك عارف.

— قوله كامل النجدي.. وبس.

دخل كامل مكتب أحد الأطباء في الجناح الذي خصصه سيف.. وانتظر حضوره. دقائق قليلة.. ووجد الباب يفتح ويطل منه سيف.. وعم مصابه.. إلا أن هيبته مازالت قائمة… ملامحه تدل على أنه لن يستمع لأي كلمة سيقولها. صافحه:

— شد حيلك يا سيف.. إن شاء الله تقوم بالسلامة.

أومأ له سيف.. وجلسا أمام بعضهما.

— الواد فين يا سيف؟

رفع أنظاره له بشراسة واضحة:

— عندي.. وأنا اللي هجيب حقي.

— سيف.. البلد فيها قانون…

— ماشي بس حقي أنا اللي هجيبه.

— سيف أنت عارف إن اللي جوا دول ولا حاجة بالنسبة للي مشغلينهم من بره.

— وأنا خلاص قررت أجيب حقها.. لا هيبقي لا في جوا ولا بره.

— سيف اعقل وما تتهورش.

— حضرتك جي ليه.. مش علشان الواد.. هسلمهولك بس بعد ما سلم عليه.

— عايزه حي.

— تمام..

— أي حاجة هتتعمل اعرفها.

— تمام… سيف حكم عقلك… يحيى لما كان في موقفك وقف جنبه..

— بس جبنا حقه وشفينا غليله.

— وهنجيب حقك انت كمان.

— يبقي لما ارن علي حضرتك.. تنفذ اللي عايزه من غير أسئلة.

— لا ليه.

— ماشي يا سيف.. العب هنا براحتك.. بس بره مافيش خطوة تتعمل.. إلا لما تتحسب وترجع لي فيها.

— ماشي يا كامل بيه.

— لو كنت جايلك بصفتي كامل بيه.. ما كنتش قدرت تقول حرف من اللي قلته يا سيف.

— اعذرني.. بس حالتي ما تسمحش غير بكده.

وقف.. وربت على كتفه:

— فاهم ومقدر يا سيف.. انت ابني انت ويحيى اللي مخلفتهمش…

احتضنه.. وذهب وخلفه حرسه.. وخرج من باب غير الرئيسي.

يجلسون جميعًا كعادتهم.. خارج غرفة العناية بانتظار أخبار تطمئنهم. خرج سيف من الغرفة.. وذهب:

— يحيى.

— نعم يا سيف، انت كويس؟

— الواد فين؟

— طب استني لما تهدى.

— الواد فين وبس.

— تمام، تعالي وأنا كمان هروح معاك.

— لأ انت هتفضل معاهم هنا.. أنا رايح وحدي.

لم يجد يحيى مفر من إخباره. عندما رآه الحرس خارج، اقترب واحد منهم لإخباره بكم الإعلام والصحافة بالخارج.. لم يسمح له بالحديث:

— عايز 3 عربيات من بتوع الحرس واقفين ورا بعض وحالًا.. وكلهم فيهم حرس وتسيب المكان اللي جنب السواق بس فاضي.. ويكونوا بره في خلال خمس دقايق وتتأكد إن اللي بره وصلهم إني خارج.

— تمام يا باشا.

خرج بطلعته الجريئة.. رغم حزنه مازالت هيمنته قائمة. التف حوله الإعلام.. لم يعط اهتمامًا لأحد.. وإنما كان ينظر لكاميرا معينة منهم.. نظرة لا يشيح عنها.. كأنه يوصل رسالة ما. ركب في العربية الأولى والحرس خلفه..

— الو، أيوة يا باشا خرج.

— تمام.

— وراه وتجيبوه حتى لو قلبت دم.

— تمام يا باشا.

أثناء سيرهم.. وجدوا 5 سيارات تسرع ناحيتهم.. دخلوا في سباق وبدأ إطلاق النار.. وكل هذا وهم على الطريق الصحراوي.. إطلاق نار وغبار أثر سرعة السيارات.. انفجرت سيارتان… وتبقى 6 سيارات… لقد جاهدوا كثيرًا… لقد أصيب رجلان فقط من رجال سيف… لا يهمهم.. المهمة كانت على السيارة التي بداخلها سيف.. انجرت السيارة الثالثة من سيارات سيف.. وظلت سيارته وسيارة خلفه.. توقف كل السيارات.. ونزل الرجال الملثمون.. واقتربوا ببطء لسحب سيف. كما هي الأوامر لم يجدوا في السيارتين سوى السائقين فقط..

— أخرجوهم.. ووجهوا المسدس لرأسيهما.

— هوفين.

— هههه قول للي باعتك الباشا بيسلم.. وهيزوره قريب.. وخليه يحضر للزيارة.

— آآآه.

— الو أيوة يا باشا.

— ها معاكم؟

— آآحم.. لا يا باشا.

— يعني إيه لا.. راح فين؟

— مفيش غير السواقين.. وباعت لحضرتك رسالة.. ابتلع ريقه في توتر.

— رسالة إيه؟

— بيقول لحضرتك حضر للزيارة لأنه هيزورك قريب.

— يا أولاد الكلب.. مش عارفين تجيبوه… خلصوا على اللي عندكم.. وأخفوا كل حاجة.. بسرعة.

كان غاضبًا وبشدة.. يصرخ هنا وهناك.. فهذه كانت الفرصة الوحيدة أمامهم.

— أيوة يا باشا بلعوا الطعم..

— تمام يا باشا.

ما إن سارت الثلاث سيارات… وجدوا خلفهم سيارات أخرى تتبعهم.. أسرعوا ودخلوا في.. في جراج مول تابع لهم.. وتحدث سيف سابقًا مع الأمن حتى يأخروهم قليلًا في التفتيش… حتى نزلوا جميعًا ولم يتركوا سوى السائقين فقط.. وجعل أمن الجراج يضع أجهزة تعقب في السيارات بدون أن ينتبهوا.

وصل سيف إلى المكان المنشود.. حيث مطلق النار.. لم يلمسه أحد منهم بناءً على تعليماته… دخل غرفة يغمرها الظلام مع أنهم في أوج النهار..

فتح الأنوار حتى ظهر له غرفة واسعة.. شديدة البرودة… وفي الوسط.. شخص مربوطة يداه.. ومعلقة في السقف.. لقد ترك لمدة تقرب إلى ثلاثة أيام.. على هذا المنوال.. وما إن عم الضوء الغرفة حتى أغلق عينيه بتعب.. فالضوء بعد الظلمة…

جاء أحد الحرس بكرسي ووضعه أمامه. جلس عليه:

— الباب يتقفل.. ومحدش يدخل.. لو جه أبوية بذات نفسه.. تعليماتي تتنفذ.

— تمام يا باشا.

أمسك الكرسي بيد واحدة وداره.. حتى أصبح المسند مواجهًا لظهره.. ووضع يده يفرك رأسه وعينيه. وبنبرة ساخرة:

— معلش أصل بقالي 3 ايام ما نمتش.. بس هطلعهم عليك.

كل هذا والمعلق ينظر له.. لا يحيد نظره عنه.. وقف سيف وأخذ يدور حوله:

— أمممم تعرف. دورنا وراك… بس انت مش موجود أصلًا… يعني هي رصاصة واحدة.. وبس. بس مش هنولهالك… هعمل فيك اللي عمرك ما تتخيله.. وبعدين هسلمك.. تؤ تؤ مش للي مشغلينك.. هبعتك تشيل قضية تجسس… يعني ضمنت حياتك الجاية. الموت أرحم منها..

ومن ثم شرع في تعذيبه بأبشع صورة.. والآخر يتقبل كل هذا.. لم ينطق بحرف.. يكتم صرخاته فقط قدر المستطاع.. وما إن انتهى من تعذيبه.. تركه معلقًا كما كان.. فأرخيت يديه.. وظل ووزن جسده على يديه في السلاسل الحديدية… لا يستطيع الوقوف على قدميه. كان سيف من البداية خلع جاكيته.. وشمر أكمامه.. أخذ نفس عميق.. وجلس على الكرسي:

— دلوقتي نقدر نتكلم.. ها مين اللي باعتك؟ يلا.

— ههه.. مش.. مش هتعرف.

قالها بأنفاس منقطعة.

— ومين قالك اتكلم… بص أصلي اليومين دول مودي زي الزفت.. فتلاقيني عايز أطلع غيظي في حد.. فسبحان الله هيكون انت.. اتحملت أول مرة.. بس مين عارف هتتحمل لامتي.. وخلي اللي دربوك ينفعوك.

— بكرة أعرف تفصيلك.. ههههه آآي.

— اتضربت بالرصاص دي مراتي وفوحنا كان قريب.. بس هعمله في معاده. دخلة بلدي بقى.. ما قولكش.. يمكن على أمك.. أختك.. مراتك.. أو جايز بنتك.. لسه استنى انت.

واقترب منه ولكمه بعنف قذف الدماء التي تكونت في فمه.

— ههه ولا هتقدر توصل لحاجة.. وابقى قول للي هيدور بضمير على محمود السحاوي.. وقابلني.. وأنا هنا هروح فين.

— معلش بقى هسيبك في أحلامك شوية… والرجالة بره مسلموش عليك، خليهم يسلموا دلوقتي حالًا.. وراجعلك.

عاد إلى المشفى مرة أخرى بعد أن أبدل ثيابه.. وجدهم كما هم أمام غرفة العناية. وقف بجانب يحيى:

— محمود السحاوي.

نظر له الآخر بدهشة..

— مش فاهم.

— عايز أعرف تفاصيله من يوم ما كان في بطن أمه.

ابتلع ريقه بتوتر:

— مين قالك على الاسم ده؟

— جرى إيه يا يحيى..

— جبت الاسم دا منين يا سيف.. وعايز تعرف عنه ليه؟

— دا أمر يا يحيى.

— واللي واقف ادامك هو محمود السحاوي.. بشحمه ولحمه.

الفصل 23

نظر له برهة لا يفهم ماذا يقول:

— مين قالك على الاسم دا يا سيف.. لا، كامل عمره ما هيقوله. يبقى مين؟

— مين غيره يعرفه؟

— سييف.. دا شغلي… واللي يعرفه ميت دلوقتي.

— أظاهر إن الميت صحي.

يحيى بتوجس.. قصدك إيه؟

— قصدي إن اللي ضرب النار.. قالهالي صريحة: قول للي هيدور كويس على محمود السحاوي..

— ي.. يوسف.

— مين يوسف دا يا يحيى؟

جلس يحيى بوهن.. على أحد الكراسي خلفه متذكرًا الماضي.

انقضى اليوم.. واستفاقت حور بوهن شديد وما إن نظرت بجانبها حتى شاهدت شخصًا آخر ممددًا على السرير الذي بجانبها… موصل به العديد من الأجهزة..

لم تعرف من هو بسبب تشوش الرؤية ومن ثم أغلقت عيناها مرة أخرى. تم نقلها إلى الغرفة بجانب العناية.. استفاقت بوهن. دخل لها الجميع. اقترب منها والدها ووالدتها.. اقتربت جوي ومعها جين وريم ويحيى.. لكن سيف كان في المكتب المجاور يستريح قليلًا فهو لم يغمض له جفن من وقت الحادثة.. بينما لم يجرؤ كل من رأفت ومنى من الاقتراب… اكتفوا فقط بالنظر لها.. وهي فقط تبتسم للكل بوهن..

خرجوا جميعًا بناءً على أوامر الطبيب. خرج سيف وذهب لغرفة العناية ولم يجدها..

— حور فين؟

— المريضة فاقت ونقلناها الأوضة دي.

ذهب مسرعًا لم ينتبه للكل الواقف خارج غرفتها.. ولم ينتبه للطبيب الذي ينادي عليه.. فتح الباب بسرعة ولم يغلقه. تقدم منها ببطء.. كانت تنظر له مبتسمة برغم شدة إعياءها ووجهها الباهت.. وشفاهها البيضاء.. إلا أنها مازالت في عينيه حورية من السماء. اقترب ومع كل خطوة دمعة تنزل من عينيه.. جثى بجانبها.. وأمسك يدها ولثمها بكل شغف… ودموعه لا تتوقف..

— وحشتيني.

ابتسمت له. رفعت يدها ببطء تزيل دموعه.. أمسكها جيدًا وأخذ يقبلها ويبكي لكن هذه المرة بصوت عالي:

— كنت هموت من غيرك.. قلبي تعبني قوي… أنا بعشقك.

— آآ احضني وبس.

ما إن سمع هذه الكلمة حتى رفعها ببطء خوفًا عليها من الجرح ودفنها بداخله وأخذ يقبل في رقبتها بشغف ولكن ليس بقوة. ابتعد عنها.. وأراحها على السرير وأزال دموعه بيده:

— سيف.

— نعم يا روح سيف.

— لما فتحت عيني الأول كان في حد نايم وفي أجهزة كتير متعلقة.. مين يا سيف؟

— آحمم… ارتاحي انتي دلوقتي ولما تفوقي شوية.. هحكيلك كل حاجة.

— حاضر..

وأغمضت عيناها وذهبت في سبات عميق. قبل جبينها والتفت ليخرج.. وجدهم جميعًا يقفون على الباب الذي لم يغلقه.. لابد أنهم سمعوا لكل شئ. خرج وأغلق الباب.. وذهب من أمامهم.

مر أسبوع.. تحسنت فيه حالة حور كثيرًا… وستذهب للمنزل. الكل جالس عندها بالغرفة.. بعد أن ارتدت ملابسها:

— يلا يا روحي على البيت، أكيد وحشك.

— آآ..

— بنتي مش هتدخل البيت دا يا سيف.

أغمض سيف عينيه خوفًا من القادم.. بينما حور.. ازدادت دهشة:

— ليه يا بابي؟

— مش هندخل البيت دا تاني.

— ماشي يا عمي أنا عملت حسابي.. بيتي أنا وحور جهز.. والفيلا عليها حراسة تقدروا تقعدوا هناك.

— أنا أقدر أحمي بنتي.

— يا عمي دي مراتي.

— ومش هتكمل مراتك يا سيف..

— يعني إيه يا بابي؟

اقترب منها وأخذها في حضنه..:

— يعني أنا غلطت لما جوزتك ليه… وخلاص هصحح غلطي وأطلقك منه.

خرجت من حضن أبيها.. تنظر فقط لسيف الذي تحولت عيناه لكرتين من الدم…

— اقعد يا عمي احنا ما فهمناش حاجة… لما نعرف الحقيقة الأول.

— هه حقيقة إيه.. حقيقة إن صاحب عمري شايفني أنا ومراتي بنتعذب سنين.. وهو عارف ابني فين.. ولا حقيقة إنه اتفق مع أمي وخطفه.. ولا حقيقة إنه خده ورباه وفهمه إنه ابنه.. حقيقة إيه يا سيف.. ولا حقيقة إنك لو ما كنتش انهرت عمرها ما كانت اتكلمت.. ولا حقيقة إنك ما عرفتش تحمي بنتي.

— ابنك مين يا بابي؟

— حاتم… حاتم يا حور يبقى أخوكي التوأم.. جدتك أول ما اتولدت خطفته.. كنا مفكرين إن ألفت حامل في واحد بس.. خطفته علشان تكسرنا وأرجع ليها وأسيب ألفت… بس ربنا أراد إنها تبقى حامل في اتنين وجيتي انتي.. خدتي أيام ما كنتيش بتسكتي من العياط… ومافيش سبب عضوي.. بعد خمس شهور أمي تعبت وكانت بتموت. لما رحت لها قالتلي إنها خدت ابني وإنه عايش بس ماتت قبل ما تقولي هو فين… عمرك سألتي نفسك لسه الحصار اللي عمله عليكي.. علشان بقى عندنا عقدة أحسن تروحي مننا.. كنتي طول الوقت ناقصة وبتدوري على حاجة تكملك.. عنيكي كانت بتدور..

ولما جه سيف أنا وافقت عليه علشان حسيت إن عنيكي لمعت وما بقتش تدور… اتجوزتوا…. ههه.. ومن ثم أخذ يبكي:

— كل ليلة كانت أمك بتنام منهارة على ابنها اللي ماشافتهوش… على ريحته… كل يوم من ساعة ما عرفنا.

ومن ثم نظر لمنى ورأفت:

— وبعد السنين دي كلها يطلع عايش عند أكتر حد شافنا بنتعذب.. عند صديق عمري.. ادامنا ومش عارفينه.. وما نعرفش غير لما تبقى بين الحياة والموت.. وهو اللي في إيده يحييكي… نعرف من هنا وهو يروح في غيبوبة من هنا.. في حرقة قلب أكتر من دي.. قولي يا سيف.. آمن عليها ازاي عندهم إذا كان ضربني في ضهري وبيضحك في وشي وعامل نفسه واقف جنبي…

— ي يعني حاتم.. أخوية… ازااي.. سيف سيف.. كش.. مش حاتم دا أخوك.. يبقى أخوية ازاي؟

— امسك يديها. حاتم أخوكي انتي وتوأمك دا اللي أثبته تحليل DNA قبل ما يدخل العملية طلب يعمله.

— ط ططب ازاي.. هو مش أخوك انت… طب يا بابي..

احتضنها والدها..

— هشششش ما تعيطيش.. هو أخوكي.. وهيبقى كويس وهناخده ونمشي من هنا..

— عايزة أشوفه.

— تعالي.

أخذها لرؤية حاتم بينما خرج الجميع ما عدا والداه. اقترب منهم:

— أنا مش عارف ليه عملتوا كده. أو حتى ازاي.. بس اللي عارفه إن اللي عملتوه هيبعد عني روحي.. ودا مش هيحصل إلا بموتي.

وتركهم وخرج.

— هيسامحنا صح يا رأفت.. صح مش كده؟

— إن شاء الله.

دخلت حور عند حاتم الموصل بأجهزة كثيرة.. جلست على الكرسي بجانبه:

— أنا آسفة.. انت كده بسببي.. ثم مسحت دموعها.. بص هم بيقولوا إنك توأمي… طب لو فعلًا أصحى.. وحبني.. وحسسني إنك أخوية بجد.. طب علشان جين.. دي حلوة خالص.. عارف أنا مش همشي إلا لما تفوق.. آه والله.. انت اديتني الحياة.. حاتم ابوس ايدك أصحى.. مامي وبابي عايزينك.. وأنا عايزاك.. آه كان نفسي كتير يبقى ليا أخ.. والله هتفسحني وأنا هبقى مبسوطة معاك.. وعارف هحب جين أكتر والله.. وهتيجي عندنا في البيت هألعب معاها في أوضتي.. أنا عندي لعب كتير أوي.. بس انت فوق..

والله.. وأخذت تبكي.. وضع يده على ظهرها:

— هششش اهدي يا روحي.. هو هيبقى كويس إن شاء الله.. وهيحضر فرحنا.

— مفيش فرح.

استقامت تقف أمامه:

— حور.. إيه اللي بتقوليه ده؟

— أيوة مفيش فرح.. مش هتجوز ابن الناس اللي عذبوا بابي ومامي وأخدوا أخوية.

— انتي مراتي.. أنا ذنبي إيه؟

حاول أمساك يدها ابتعدت:

— لا ما تلمسنيش خلاص.. بابي قال هتطلقني.. وحاتم هيصحي وهنمشي.. ونبعد عن كل ده.

— انتي بتقولي إيه.. أمسكها من أكتافها.. انتي مراتي لو ناسية فوقي..

— ابعد عني.. ابعد.

دخل والدها على صوتها وبكائها.. أخذها في حضنه:

— سيف.

— دي… دي مراتي.. وهاخدها.

— لا خلاص يا سيف.. كله هينتهي..

— يبقى على جثتي.. تعالي هنا.

دخل يحيى وأمسك سيف الهائج:

— اهدي يا سيف.

— اهدى إيه وزفت إيه.. هي فاهمة هي عايزة إيه.. دي عايزة تسحب روحي.

— أيوة علشان هما يتعذبوا زي ما عذبوا بابي ومامي.. زي ما أخدوا ابنهم.. وما شافوهوش.. أنا هبعد واخد روحك وهم يتعذبوا وانت عايش ومش عايش.

قالت بعد أن خرجت من حضن أبيها.

. توقع أن حبهما فوق كل شئ.. هي تريد تعذيبه بذنب ليس ذنبه.. اقترب منها نظر في عينيها الباكية.. وعيناه كتلتان من نار.. كل عضلة في جسده متشنجة.. كل عصب مشتعل إلى أقصى درجة.. وقف أمامها.. ارتعبت من عينيه.. وادعت القوة:

— وقلبي هدوس عليه برجليا.. وروحي هحرقها قبل ما تحرقني.. وانتي طالق.

الفصل 24

ما إن انطلقت هذه الكلمة من فمه كانت كالرصاصة التي اخترقت صاحبها.. فاخترقته قبلها… مع نطق آخر حرف وقعت مغشيًا عليها.. بينما سقطت من عينيه دمعة وحيدة.. أزالها بسرعة تاركهم خلفه يحاولون إفاقتها.

خرج كالسهم خلفه حرسه غير عابئ بالصحافة ولا بأسئلتهم أو بأي شئ آخر.. ترجل سيارته.. وساق بأقصى سرعة.. ذاهبًا للمكان الوحيد الذي سيرتاح فيه.. للمكان الوحيد الذي لا يعرفه أحد سوى الذي غارقًا في غيبوبته.. وسواها لكنها لن تجرؤ. فوجئ حرس القصر به قادمًا على أقصى سرعة:

— النملة من انهاردة ما تدخلش القصر سواء في وجودي ولا غيابي.. مش عايز أي حد مهما كان يعرف يوصلني.

كان صوته مرتفعًا.. هادرًا فيهم بعصبية.

— تمام يا باشا.

كل الذي سمعوه هو صوت صراخه بعد أن نزل من سيارته.. ولمن لم يجرؤ أحد على الاقتراب منه وهو في هذه الحالة.

دخل القصر ومثل المرة السابقة أزال ملابسه على الدرج ولكن هذه المرة كانت جميعها ممزقة. وصل لغرفة الرياضة.. أخذ يكسر في كل شئ تصل إليه يداه… دمر الغرفة بما فيها.. وقع على ركبتيه.. جسده العاري العضلي ممزوج بعرقه اللامع.. دموعه تنساب من عينيه. أزالها ورفع رأسه:

— سلمتك قلبي يا حور.. وبعتيه وحرقتي روحي على قولك… بس خلاص شوفوا بقى سيف الجديد..

أفاقت حور.. شرعت في بكاء مرير لا تعرف لما تبكي. بجانبها.. الذين يشاهدون انهيارها بقلوب حزينة.

أما بخارج غرفتها.. يحيى الحزين على صديقه يقف يحاول السيطرة على كتلة النار التي تريد إحراق الجميع:

— اهدي.. اهدي يا ريم هيجرالك حاجة.

— ابعد.. ابعد عني.. سيبني.

— حاضر بس اهدي الأول.

— تفلتت منه و.. سيبني بقي.

فتحت الباب بهمجية ودخلت:

— اتبسطتي دلوقتي.. صح.. حرقتِي روحه كده.. انتي مجنونة مش دا سيف.. مش دا حبيبك… مالك انتي باللي حصل.. هم يحلوها مع بعض.. تخليكي جنب سيف ولا تحرقيه.

ما إن فتحت ريم الغرفة بهذه الطريقة.. حتى تفاجئوا منها.. هذه ريم المرحة.. تدخل عليهم بهذه الطريقة.. وصوتها المرتفع.. واقترابها من حور بهمجية وامساكها لاكتافها… والصراخ بها.

— أيوة.. هم هم عملوا أكتر من كده في بابي ومامي.

— يبقى تعملي فيهم هم.. مش فيه.

— وهو اللي هيوجعهم.

تركتها.. وصفقت بيديها:

— ههه.. هم بس اللي هيتوجعوا.. طب وهو وروحه اللي سحبتيها.. ه.. مالك انتي بكل دا.. المفروض تختاريه هو.. هو عمره ما كان هيخيرك بينه وبين أبوكي.. افهمي..

— عمري ما هختار غير بابي.

— خلاص وانتي اخترتي.. ومحدش خيرك من الأساس.. وودبحتيه بكلامك.. مبروك عليكي النسخة الأسوأ من سيف الصقر… بكرة لما تفكري وتبقي عايزاه ومش قادرة على بعده.. مش هييجي زي كل مرة..

— خلاص كفاية يا ريم بقى.. انتي مش شايفة حالتها.

— لا مش كفاية يا عمي.. انت السبب.. بصي يا حور.. أمك وأبوكي.. ابنهم رجع. شوية وجايز يكون في سبب مقنع والكل يتصالح… وهتفضلي انتي كده.. عيشي في نارك.. اللي انتي حاسة بيه دلوقتي سيف حاسه أضعافك… وانسي إنك كنتي تعرفي كمان واحدة اسمها ريم.

خرجت صافعة الباب… وخرج ورائها يحيى… تاركين الباكية المنهارة.. وبجانبها والديها… ركبت الأسانسير.. ودخل خلفها على آخر لحظة. دخل وأوقفه:

— روح بعيد.. اخلص عاوزة أمشي من هنا.

— طب اهدي الأول.. كل الميديا تحت.

— طظ.. ما يهمنيش.. ابعد بقى.

أخذت تبعد فيه بيديها.. ولكنه يحيى لم يتحرك ولو ميللي. عندما خارت قواها.. وقعت أمامه على ركبتيها… ممسكة بجاكيته. جثى مثلها وأدخلها في حضنه:

— هششش خلاص اهدي.

— سيف.. وديني لسيف.. سيف مش كويس.

— خلاص سيف مشي ومحدش هيعرف يوصله غير لما هو اللي يحب.

خرجت من حضنه:

— لا.. لازم تلاقيه.. أحسن يعمل في نفسه حاجة.

كوب وجهها:

— تؤ.. سيف عمره ما يعملها.. اهدي انتي سيف دلوقتي أكيد في أمان.. والحرس معاه.

هدأت داخل أحضانه قليلًا.. أراد مشاكستها.. لإخراجها من حالتها:

— وبعدين أنا بغير يا ريم.. إيه كل الحرقة دي علي سيف.. اللي يسمعك يقول عشاق.

— لا أبدًا احنا أخوات وبس.. و… أجابته سريعًا وخرجت من حضنه.. ولكنها تداركت نفسها وبسرعة.

— وانت مالك.

— وانا إيه.

— مالك.. انت مالك عشان تسألني..

— اتعدلي يا ريم.

— مالكش دعوة بيا انت التاني.. وشغل الزفت ده..

زفر بحرارة.. وقام وساعدها على النهوض.. وشغل الأسانسير. وما إن قاربا على الوصول اقترب منها وهمس في أذنها:

— أنا هبقى جوزك.. واتلمي..

لم تستطع الرد.. لوصول الأسانسير.

نائمًا على سريره بعد أن هدأ قليلًا وأخذ حمامًا باردًا..

— حبيبي أصحى…

استيقظ على صوت.. ولمسات تجوب في أنحاء وجهه:

— أصحي يلا وافتح عنيك.

فتح عينيه وجدها أمامه. أخذت أبكي:

— أنا آسفة.. أنا.. والله العظيم بحبك.. أنا آسفة.. سامحني أنا….

التقط باقي كلماتها داخله.. قبلها كأنه يقبلها للمرة الأولى……. ابتعد عنها لتتنفس فقط.. ومن ثم أخذ يزيح ملابسها..

— س. سيف.

وضع أصبعه على شفتيها:

— هشششش.. أنا بحبك….

— أنا بحبك أوي.

ما إن قالت هذه الكلمة.. حتى حدث مثلما حدث في المرة الأولى لكنه أقسم هذه المرة أن ينهي ما بدأه.

— ولادي الاتنين ضاعوا مني يا رأفت.

— لا ماضاعوش.. بكرة يفهموا.. احنا ربينا كويس.

— عايزة ولادي.

— اهدي انتي بس.

— بحبك.. بعشقك.

— وانا بموت فيك.

وما إن اقترب منها ثانية.. حتى تركته وأخذت تضحك وتضحك:

— شايف.. بعتك وبرضه بتحبني.. وبكرة ترجع لي وهحرق روحك من تاني.

عند هذه الكلمة استيظ متصببًا عرقًا.. وضع يده على قلبه:

— أبدًا.. عمري ما هرجع يا حور..

مر شهر.. لم تذهب حور بينما الجميع جالس في المشفى… حاتم غيبوبته مستمرة. يأتي سيف يوميًا.. ولكن لم يره أحد عندما يأتي.. يصعد الحرس قبله… يفرغ له العناية منهم.. ويطلب منهم الدخول لغرفهم. يعرف أنها مشتاقة مثله.. يعلم أنها تريد أن تراه ولكن لا.

— حاتم. وبعدين.. أنا محتاجلك.. أصحي بقى.. روحي اتحرقت.. هه على رأي أختك.. يا ترى لما تفوق هتقف جنب مين.. مش مهم أصحى انت الأول.. أنا تعبااااان قوي..

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى