عام

حور السيف الكساندرا عزيز ج٢

الفصل 11

الذهول هو ما حلّ على الجميع.

وقف حاتم محتضنًا زوجته، التي تنظر إليهم بكل خوف. يقفان أمام منى المصدومة التي لم ترمش، فقط تنظر إليهم. هل هذا حقيقة؟ أم أنه خيال؟

اقترب رؤوف من منى وأمسك يدها. عادل يقف بجانب ألفت، بينما سيف ترك يد حور وتقدم تجاه أمه.

لم تعد لها القدرة على الوقوف، وكادت أن تسقط. في هذه اللحظة أمسكها سيف ووالده، وأجلساها على أقرب كرسي في الحديقة. وفي نفس اللحظة ترك حاتم زوجته وتوجه ناحية أمه سريعًا.

أصبح الوضع كالتالي: تجلس منى على الكرسي، وسيف أمامها جاثيًا على ركبتيه. بجانبها يقف زوجها ممسكًا بيدها، ووراء سيف يقف حاتم لا يعرف ماذا يفعل، هل يقترب أم ينتظر؟ وعادل بجانب صديق عمره يربت على كتفه، وبجانبه زوجته. أما حور فما زالت في مكانها، لم تتحرك، تنظر فقط لما يحدث.

سيف: أمي.. أنا عارف إن حاتم غلط، ومش أي غلط.. بس لازم تهدي علشان ما تتعبيش.

ولكن لم يوجد رد منها.

جثا حاتم بجانب سيف، وأمسك يدها وقبّلها.

حاتم: حبيبتي.. أنا آسف.. والله آسف. اتكلمي.. اعملي اللي إنتِ عايزاه فيا.. زعليني، عاتبيني، بس متسبيش نفسك كده.

لم يجدوا منها ردًا، حتى إنها لم ترفع عينيها لتنظر لهم. نزلت دمعة من عيني حاتم.

حاتم: طيب خلاص.. عايزاني أمشي؟

لم يستطع أن يكمل كلامه، فقد رفعت وجهها له، ورأى الدموع تغرق وجهها وعينيها ممتلئتين بالحزن. أمسكت وجهه بين يديها وتكلمت بانفعال شديد:

منى: إنت.. إنت عايز تمشي وتسيبني؟ لا.. لا، ما تبعدش عني. إنت ابني.. إنت حبيبي.. إنت ابني. لا، ما تروحش.

تركته ووقفت تجاه زوجها، وأخذت تبكي وتنهار، ثم وقعت في حضنه.

منى: لا يا رؤوف، ده ابني أنا.. ما تخليهوش يروح. أنا تعبانة جدًا.. لا، لا يا رؤوف.

احتضنها رؤوف بشدة، وأخذها وتوجه بها إلى الداخل.

جاء سيف بكوب ماء وأعطاه لوالده ليسقي أمه، لعلها تهدأ. وبعد مرور عشر دقائق، هدأت من حالة الانفعال التي كانت فيها، لكنها ما زالت في أحضان زوجها.

جثا حاتم أمامها.

حاتم: ماما.. والله آسف.. بس أنا حبيتها.. واتجوزنا. أنا عارف إني غلطان.

خرجت من أحضان زوجها، ونظرت له وهو جاثٍ أمامها، وتكلمت بصوت مبحوح:

منى: ليه.. ليه يا حاتم؟ لو جيت وقلت: يا ماما أنا بحب.. عمري ما كنت هرفض. ليه تتجوز من ورانا؟ ليه؟

قبلته على خده.

منى: ما تزعليش، حاضر؟ يلا نام بقى، فاليوم كان متعبًا بشدة.

خرج من الحمام مرتديًا بنطالًا أسود وقميصًا رماديًا، فوجدها جالسة على الأرض تعبث بالآيباد. ضحك على براءتها، وجلس بجانبها، ثم أخذ الآيباد فجأة.

نظرت له بعبوس.

حور: إنت غلس.. هاته.

سيف: أنا غلس؟

حور: آه، وهات بقى.

حاولت أخذه، لكنه أبعده عنها.

سيف: خلاص، مفيش آيباد. تعالي بقى في حضني.

استكانت في حضنه، وساد الصمت.

سيف: إنتِ ليه ما سألتينيش أنا حسيت بإيه؟

حور: لأني حسيت باللي إنت حسيته.

سيف: إزاي؟

حور: روحي اتسحبت فجأة، وصوتي ما كانش طالع، وقلبي كان سريع، ووقعت.

أبعدها من حضنه بلهفة.

سيف: وقعتي إزاي؟

حور: ما أعرفش.. وقعت، وبعدين صحيت.

سيف: إنتِ كويسة دلوقتي؟ حاسة بحاجة؟

حور: أنا كويسة.. مفيش حاجة.

سيف: لا، لا.

أمسك هاتفه واتصل بعادل.

استيقظ عادل من النوم على رنين الهاتف، فوجده سيف. قام سريعًا وفتح الخط.

عادل: سيف، حور مالها؟

سيف: هي بخير.. بس كنت عايز أعرف هي وقعت إزاي.

عادل: خضتني يا سيف.. حرام عليك.

سيف: أنا آسف، بس هي ما فهمتنيش إيه اللي حصل لها.

عادل: لما إنت مشيت هي فقدت وعيها، وما كانتش راضية تفوق، فجبنا الدكتور، وأعطاها العلاج المناسب وقال إن ده ضغط عصبي.

سيف: ماشي يا عمي، وأنا آسف مرة تانية.

عادل: إنت عامل إيه؟

سيف: كويس.

عادل: وحور؟

سيف: كويسة.

عادل: خد بالك منها. إنت معاك آخر حتة من روحي.

سيف: ما تقلقش.. سلام يا عمي.

أنهى المكالمة ونظر إليها، فوجدها تنظر له بغضب.

حور: في حد يتصل دلوقتي؟ بابي أكيد كان نايم.

سيف: مش مهم.. المهم إنتِ.

حور: طب.. بابي قال إيه؟

سيف: قال إنك فقدتِ وعيك وأخذتِ علاجًا وفقتِ بعده.

أخذت تبكي.

أخذها في حضنه، لا يعرف سبب البكاء.

سيف: مالك؟ بتعيطي ليه بس؟

حور: أخدت.. علاج.

ابتسم على براءتها، ورفع كم سترتها حتى وجد موضع العلاج، وقبّله.

حور: ليه عملت كده؟

سيف: علشان ما تزعليش.. وبوستي تداويكي.

قبلته هي أيضًا على خده.

حور: علشان ما تزعلش.

ضمها إلى أحضانه.

حور: عايزة أنام في حضنك وبس.

سيف: حاضر.

الفصل 13

استيقظ صباحًا، فوجد نفسه بين أحضانها. وجدها تنام على الفراش على ظهرها، وهو رأسه على صدرها، ويداه حول خصرها، يضمها إليه بشدة.

وجد إحدى يديها على رأسه، والأخرى بجانب جسده. كانت تبدو كالملاك وهي نائمة، وشعرها مسترسل على الوسادة، وبعض الخصلات تداري وجهها عنه.

ظل أكثر من ساعة يتأملها، غير قادر على الحركة، مع أن يديه تريدان إبعاد شعرها والتأمل في ملامحها، لكنه يخشى أن يقلقها، فلقد مر عليها الكثير بالأمس.

بدأت أشعة الشمس في إزعاجها، فأخذت تعبث بملامحها، وتتصنع النوم.

يا ترى ماذا ستفعل؟

سيف..

كان هذا صوت الجميع.

اتجهت ريم نحوه بسرعة.

ريم: سيف، مالك؟ في إيه؟

وضع يده على قلبه.

سيف: ح.. حور.

اتجه إليه قائدهم ونزل لمستواه.

القائد: باشا، في إيه؟

تكلم سيف بإجهاد:

سيف: يحيى.. كلملي يحيى بسرعة.

الجميع مذهول. إذن هؤلاء رجاله.

هدأوا قليلًا، ولكن أصابهم القلق، حتى جلس سيف على الأرض من شدة التعب.

دخلت جوي داخل أحضان حاتم وكانت ستقع.

حاتم: تعالي اقعدي.

أجلسها، ثم توجه ناحية أخيه، بينما والداه لم يستطيعا التحرك.

أما والدا حور فعَلِما أن حور أصابها السوء، وكأن قلبيهما يشعران بها.

توجها ناحيته.

عادل: حور مالها يا سيف؟

رفع نظره إليهم بكل ألم. أسنده أخوه والحرس وأجلسوه على الكرسي.

جاء أحد الرجال بالهاتف، ولم يستطع سيف حمله، ففتح مكبر الصوت.

يحيى: سيف، ما تقلقش، كله تمام.

سيف: حور فين يا يحيى؟

يحيى: موجودة معايا.

سيف: ادي أوامر.. الكل ينسحب وتعالى على البيت بحور.

يحيى: مالك يا سيف؟ صوتك تعبان.

سيف: هنموت أنا وهي لو ما بقيناش جنب بعض خلال دقايق.

يحيى: سيف اهدأ، أنا جاي حالًا، بس هي فاقدة الوعي.

سيف: بسرعة يا يحيى.

أخذ الحرس الهاتف. وبعد دقائق اختفوا، ولم يكن لهم وجود، وكأنهم لم يظهروا من الأساس.

بعد دقائق أخرى سمعوا صوت سيارة. دخل شاب طويل عريض المنكبين يحمل حور، متجهًا نحو سيف. وضعها على رجليه ووقف بجانبه.

ما إن أعطاها له حتى هدأت دقات قلبه، وذهبت علامات الألم التي كانت ترتسم على وجهها.

لم يعطِ أهمية لأحد، كأنهم غير موجودين. أخذ يطمئن عليها ويقبل جبينها ووجهها، حتى ظهرت أول علامات استفاقتها.

حور: س.. سيف.

سيف: اهدي يا حبيبتي.. يا روح سيف وعمر سيف.

حور: قلبي.

سيف: خلاص هدي.. الوجع راح من عندي ومن عندك.

احتضنها، فتشبثت بأحضانه.

جلس والداها أخيرًا. لقد أصبحت هنا، ولا يوجد عليها خطر مباشر. جلسا بكل تعب، فلم يستطيعا التحرك أكثر من هذا.

وضع يحيى كفه على كتف سيف.

يحيى: سيف، سيبها.. هي محتاجة دكتور.

نظر له سيف باستغراب، ثم اقتنع من همهماتها في حضنه.

سيف: ريم، تعالي شوفيها مالها.

ريم: سيف، طلعها الأوضة علشان أعرف أكشف عليها وترتاح.

سيف: حاضر.

قام سيف وهي داخل حضنه، وصعد بها إلى الأعلى. ذهبت معه ريم وكشفت عليها.

كانت تعاني من هبوط، فأعطتها العلاج المناسب وقالت إنها ستنام وتستفيق في الصباح.

نزل سيف وريم، واستعاد سيف هدوءه مرة أخرى.

سيف: شكرًا يا يحيى.

يحيى: واجبي يا سيف.. هتتكلم علشان أفهم؟

سيف: تمام.

يحيى: سلام يا سيف.

ومثل الرجال السابقين، ظهر واختفى.

الجميع في حالة ذهول.

رؤوف: ممكن أعرف اللي حصل ده إيه؟

جلس سيف بوهن.

سيف: ده نظام أمني أنا حاطه يا بابا.. مش مهم تفاصيله، بس لو في حاجة حصلت لازم كلنا نكون في أمان.


ضحكت بخفة.

جوي: الكلمة السر في الودن مش في الفم.

حاتم: تعالي بس، مالكيش دعوة. أنا هتصرف.

أخذ يمازحها، وهي تضحك، وصوت ضحكاتها مسموع للجميع.

جوي: خلاص.. ههههه.. خلاص.

حاتم: لما أقول تيجي، تيجي.

جوي: حاضر.. بس بقى.

حاتم: أهو الفجر بيأذن، يلا نصلي.

جوي: يلا.


الفصل 18

كان مستندًا على سيارته، وعيناه حمراوان من شدة التعب والانفعال. يضع يديه في سترته، وتقف سيارته أمام منزل حور.

ينظر إليه الحرس باستغراب، ولا أحد يجرؤ على التدخل.

كانوا قد أنهوا الصلاة، وجلست حور بجانبه، حتى أتته مكالمة هاتفية.

سيف: حور، هتنزلي؟ أنا أشوف يحيى وجاي.

حور: ليه؟ هو في حاجة؟

قبّل يدها.

سيف: مفيش يا روحي.. بس هو عايز يشوفني. نامي إنتِ وأنا هاجي أنام جنبك، ولسه الأسبوع طويل. تمام؟

حور: تمام.

ما إن خرج من الغرفة حتى أسرع بخطواته.

لم يجده في الحديقة، فسأل أحد الحرس عنه، فأخبره أنه بالخارج.

عندما خرج ووجده على هذه الحالة، لم يتحدث.

ركب يحيى السيارة، وركب سيف بجواره بدون حديث، وانطلقت السيارة بسرعة، تحت أنظار الحرس المذهولين.

وصلوا إلى مكان خالٍ من الناس، أمامهم بحر واسع فقط.

نزل سيف من السيارة وتركها مفتوحة، ونزل يحيى خلفه ووقف بجانبه.

يحيى: إيه حصل؟

سيف: عايز أمشي من هنا.

يحيى: ليه؟

سيف: هضعف.

سكت يحيى ولم يرد.

وبعد فترة من الصمت:

يحيى: ليه عايز تهرب؟

قاطعه سيف بصوت مليء بالألم:

سيف: أهرب.. لازم أهرب.. لازم قبل ما إحساسي ناحيتها يكبر أكتر، وتروح مني وأعيش نفس الألم من جديد.

يحيى: سيف..

سيف: عايزني أحب وأتجوز، وهي تبقى حامل، وييجي شخص سيئ ويتسبب في كارثة، وتروح هي واللي في بطنها؟ أنا خسرت أمي وأبويا وأختي ومراتي، وخسرت ابني اللي لسه ما شافش النور.. عايز ده كله يتكرر تاني يا سيف؟ حرام.. والله حرام.. مبقتش قادر.

قال هذا وكأنه أزاح حملًا ثقيلًا عن عاتقه، حتى سقط على ركبتيه، وأخذ يصرخ ويخرج كل ما بداخله من أحزان وآلام أنهكته وأرهقت روحه.

جلس بجانبه سيف واحتضنه حتى هدأ.

سيف: اللي إنت مرتاح له يا يحيى اعمله. إنت عارف إن من بعد اللي حصل، وإنت أساسًا بعيد عن الناس، محدش يقدر يوصلك. إنت في حمايتي، وأنا في حمايتك.

بس عايز نصيحتي.. ريّح قلبك. الحب بيقوي لو حبيت الشخص الصح. ريم أكتر حد هيقويك.

فوق يا يحيى وراجع نفسك، أحسن ما تفيق بعد كده وتلاقيها ضاعت. ريم دي أختي وصاحبتي، ومش أتمنى لها حد أفضل منك، وإنت كذلك.

بس اهدأ.. نرجع دلوقتي، تصلي وترتاح وترمي حمولك. اللي حصلك عارف إنه يهد جبال، بس إنت ما استسلمتش.. وعافرت وواجهت.

واجه قلبك يا يحيى، واعمل الصح.


جوي: تعالي رضعيها.

جوي: نفسي أفهم.. بتحبك ليه وما بتسكتش غير معاكي إنتِ وحاتم. نفسي أفهم.

منى: والله يا جوي، لولا إنك خلفتيها وكنا معاكي، كنت قلت إن حور أمها.

جوي: هموت وأعرف السر يا طنط.

منى: مفيش سر ولا حاجة. إنتِ كنتِ بتشوفيها كتير، بس لما بتشيليها وتغني لها بتسكت. روحي رضعيها.

جوي: حاضر يا ماما.

منى: تعالي يا جوجو.

أخذت الصغيرة تلعب بقدميها ويديها وتصدر همهمات تدخل الفرح في قلوبهم.

جوي: اتأخر يا طنط؟

منى: لا يا حبيبتي.. زمانه على وصول.

جلسوا جميعًا في البهو، يضحكون ويتكلمون، حتى دخل بطِلته الجذابة.

لم ينظر لأحد منهم، فعيناه كانتا عليها.

ما إن رأته حتى أسرعت ودخلت حضنه. أخذ يدور بها تحت أنظار الجميع الفرحة.

حور: وحشتني جدًا.

سيف: بحبك.

أخرجها من حضنه، ولم يعطِ اهتمامًا لأحد سوى لقلبه، ثم قبّل جبينها بحب.

حاتم: اتلم يا سيف.. أبوها واقف.

سيف: معلش يا عمي، مراتي. طب سيبها وسلم.

نظر يحيى إلى ريم، التي كانت عيناها تلمعان بالفرح لهما، ولمح نظرة تمني في عينيها.

ابتعد سيف بعد أن همس لها:

سيف: هسلم واليوم ليكي.

ضحكت بشقاوة.

جوي: بتقول لها إيه؟

سيف: وإنتِ مالك؟ خليكِ في مراتك وبنتك.

سلّم على الجميع ما عدا جوي، ثم جلس معهم وأجلس حور بجانبه، تحت نظرات أبيها الحادة.

جاءت جوي وسلمت عليها باليد.

حاتم: هاتي حبيبة قلب عمو.

حملها، وجلس بجانب حور. اندهش، فهي نسخة مصغرة من والدتها.

حاتم: ما كنتش فاكر الشبه كده.. دي حور بس على صغير.

سيف: ما أنا قلت لك وبعت لك الصور.

حاتم: يا سيف، الصور ما كانتش كده برضه.

سيف: ربنا يحميكي يا حبيبة عمو.

أخذت الصغيرة تلعب بأناملها الصغيرة في ذقنه وشفتيه.

اقترب من أذن حور وهمس:

سيف: دي مش بس شكلك.. دي شكلها بتحب تلعبي في شفايفي زيك.

ضحكت حور بصوت عالٍ، فانتبهوا لها جميعًا.

حاتم: بتضحكي على إيه يا مرات أخويا؟

حور: وإنت مالك؟ واحد ومراته.. خليك في حالك.

أرادت الصغيرة أن تأخذها حور، فأخذتها منه وقبلتها، وما هي إلا ثوانٍ وغفت داخل أحضانها.

حاتم: هاتي يا حور، أنيمها فوق.

حور: يا خلاثي عليها، حلوة قوي. خديها بس ألعب معاها لما تصحى.

حاتم: حاضر، هي اللي مش هتسيبك أساسًا.


بعد ذلك أخذهم سيف جميعًا لتناول العشاء خارجًا. وصلوا إلى المطعم، وانبسطوا كثيرًا، ولم تخلُ السهرة من مزاح حاتم، ورومانسية سيف، ونظرات يحيى إلى ريم التي بات الجميع يلاحظها.

وأثناء خروجهم من المطعم:

الجميع: يلا بقى، سلام. كل واحد ياخد مراته جنبه في عربيته، ومعاه حرسه.

عادل: رايح ببنتي فين يا سيف؟

سيف: والله مراتي، ووحشتني. هنخرج وحدنا.

حاتم: سيب العيال يا عادل بقى. ابني راجل، وأكيد وحشوا بعض.

عادل: ماشي.

دخلت حور إلى أحضانه.

سيف: مالك؟

حور: قلبي وجعني بس شوية.

سيف: سلامته.. هعالجك.

حور: بس بقى.

وما إن خرجوا حتى سُمع صوت قوي مفاجئ، وتبين أن هناك شخصًا حاول استهداف سيف من بعيد.

لكن حور خرجت من حضن سيف حتى يكف عن مداعبتها، فحدثت الفاجعة، وأصيبت حور بدلًا منه.

تجمدت حور بين يديه، وبدأت حالة من الهرج والارتباك بسبب الصوت المفاجئ.

انتشر الحرس لحماية باقي العائلة، بينما كان قلبه ينزف من الخوف، وهي بين يديه، وعيناهما مسلطتان على بعضهما، حتى أغلقت عينيها تمامًا.

وسمع الجميع صرخة مدوية من سيف.

ومن هنا أصبحت الأحداث مختلفة تمامًا.


الفصل 20

حالة من الهدوء الفظيع سيطرت على المكان.

الحرس أمامهم كعازل. تمكنوا من السيطرة على الشخص المسؤول، وتم تأمين المكان سريعًا.

دقيقتان، وكان المكان خاليًا، والجميع داخل سياراته، والحرس متولون القيادة والحراسة.

ظل فقط هو وهي أمام باب المطعم. هي لا تعي أي شيء، فقد دخلت في حالة إغماء، وهي بين يديه.

من بعد صرخته عليها، لم ينطق، فقط ينظر لها.

قام يحيى بتأمين المكان، ثم ذهب بسرعة للسيارة التي بها ريم. أنزلها وهو يراها مرعوبة ودموعها تغرق وجهها.

لم يجد منها أي ردة فعل سوى الارتجاف. أخذها في حضنه ليطمئنها، وأمسك وجهها بين يديه.

يحيى: ريم.. ريم فوقي. حور محتاجة لك دلوقتي. فوقي. سيف مش هيسامحك لو سبتيها كده. يلا فوقي.

ريم: ح.. حور؟

يحيى: أيوة، حور. تعالي يلا.

أمسك يدها وأدخلها إلى الدائرة التي أحاط بها الحرس سيف، والتي كانت داخلها حور بين ذراعيه كنوع من الحماية.

اقتربت ريم من حور لترى ما بها.

رفع سيف عينيه لها، فتراجعت خطوة إلى الوراء، وأسندتها يد يحيى.

لقد رأت أمامها مشهدًا شديد الصعوبة، ووجهًا يحمل كل آثار الخوف والألم.

تدخل يحيى بهدوء:

يحيى: سيف.. ريم لازم تشوفها لحد ما الإسعاف ييجي.

لم يجد منه ردًا سوى زيادة احتضانه لها.

اقتربت ريم بعد أن ابتلعت ريقها.

ريم: خلاص يا سيف، خليها في حضنك، بس ساعدني نوقف النزيف.. أنا عارفة إن قلبك تعبان، وهي لازم تستريح شوية.

سمح لها ببطء أن تحاول مساعدتها حتى جاءت سيارة الإسعاف، فالمطعم قام بطلبها والحرس كذلك.

سمح لرجال الإسعاف بحملها، وجلس بجانبها داخل السيارة، وركب باقي الحرس سياراتهم، وكذلك سيارات العائلة.

حتى وصلوا إلى المشفى.

إنها المشفى الخاصة بسيف. ما إن سمع الأطباء الخبر حتى جهزوا غرفة العمليات.

وصلوا بها إلى المشفى، وأخذوها إلى غرفة العمليات، وكل هذا وهو لم يترك يدها.

تركها أمام باب غرفة العمليات.

سيف: ارجعيلي.

قبّل يدها وتركها.

وصلوا وراءه، لكنه لم يفعل شيئًا سوى أنه أخذ يتأمل الباب الذي أُغلق.

ألفت: بنتي.. بنتي مالها يا سيف؟ هاتلي بنتي.

كانت ألفت قد انهارت داخل حضن زوجها.

ألفت: بنتي بتروح مني؟ هاتلي بنتي.. خلي أخوها يسيبها لي. يا بنتي.. هاتلي بنتي يا سيف، عايزة بنتي.

نزلت دموعهم جميعًا أمام هذا المشهد.

أما أمام غرفة العمليات، فكانت ألفت في حضن زوجها، وجوي في أحضان حاتم، ومنى داخل حضن رؤوف، واحتضن يحيى ريم تخفيفًا عنها.

كل هذا وسيف يعطيهم ظهره، لا يرد على أحد. لم يجرؤ أحد على الاقتراب منه.

جاء أحد الأطباء، وحملوا ألفت وأعطوها مهدئًا.

جلست منى بجانبها ممسكة بيدها تؤازرها، بينما الباقون جالسون أمام غرفة العمليات.

وهو ما زال على وضعه.

تقدم منه حاتم، الذي يشعر بألم شديد في قلبه، ويشعر أن روحه تنسحب، فقد كان يرى أخاه في هذه الحالة.

حاتم: سيف، تعالي اقعد شوية. إن شاء الله هتبقى تمام.

لم ينظر له حتى. لم يعد يشعر بمن حوله. كل ما يفكر به هو روحه التي بالداخل، وقلبه الذي ينبض بالألم.

بعد خمس ساعات، خرج الطبيب، فوجد سيف في وجهه.

تقدم منه الجميع.

الطبيب: أنا مش هخبي.. إحنا قدرنا نوقف النزيف، لكن الكبد اتضرر جدًا، ومحتاجة زراعة كبد. نقلناها للعناية، والعملية لازم تتم قبل 48 ساعة. عن إذنكم.

سند رؤوف رفيق دربه عادل، بينما الباقون وضعوا أيديهم على أفواههم من الصدمة.

أما سيف فلم يتحرك.

نُقلت إلى العناية.

لم يأخذ إذن أحد، بل فتح الباب، وأشار وارتدى الملابس المعقمة ودخل.

لم يستطع أحد منعه.

دخل وقلبه يتقطع.

كانت نائمة على هذا الفراش، وأجهزة مختلفة تصدر أصواتًا متتابعة، دليلًا على أنها على قيد الحياة، وأسلاك موصلة بجسدها.

جثا على ركبته بجانبها بقهر، وأمسك يدها.

وهنا كانت دموعه التعبير المناسب.

سيف: ارجعي.. ارجعيلي.

ازدادت وتيرة بكائه وانهياره.

سيف: قلبي هيقف.. حرام عليكي. ارجعي.. يلا افتحي عينيكي، وحشوني. يلا، أنا بحبك.. أنا رجعت. قومي علشان نتجوز. قومي يلا.. مش هبعد تاني أبدًا. قومي.. يلا قومي.

وضع رأسه على كفها لأكثر من نصف ساعة، والباقي ينظرون إليهما من الزجاج الشفاف للعناية، وقلوبهم تتقطع.

رفع رأسه ببطء، وأزال دموعه.

سيف: بصي يا حور.. هتعملي العملية وتصحي، لأنك لو رحتي أنا هلحقك.

قبّل كفها وخرج.

كانت والدتها قد استفاقت من الانهيار وعلمت كل شيء.

خرج فوجدهم ينظرون لها من الزجاج.

سيف: اتفضلوا روحوا.

عادل: نروح إزاي؟ دي بنتي.

سيف: لازم ترتاحوا يا عمي.

عادل: مش هنروح.

منى: أيوة يا سيف يا حبيبي، علشان خاطر أمك.

أغمض عينيه بألم.

سيف: روح يا حاتم، روح جوي علشان جين.

حاتم: حاضر.

ذهب حاتم، وذهبوا جميعًا إلى مكتب الطبيب.

الطبيب: لازم نلاقي متبرع علشان العملية.

ألفت: أنا.. أنا أفدي بنتي بعمري.

الطبيب: أكيد طبعًا يا فندم، بس في تحاليل لازم تتعمل، ويبقى في توافق. ولازم نبدأ من دلوقتي.

سيف: أوكي، يلا نعمل التحاليل.

عمل الجميع التحاليل اللازمة، وانتظروا حتى يعرفوا النتيجة في الصباح.

ذهب حاتم بزوجته ومعه الحرس. غيروا ملابسهم في صمت تام، وأرضعت جوي صغيرتها التي أخذت تبكي وكأنها تشعر بحور.

أنامتها في سريرها، وذهبت إلى الغرفة لترى حاتم جالسًا عليه.

جلست بجانبه.

جوي: هتبقى بخير.. وسيف هيبقى بخير.

حاتم: حاسس روحي بتتسحب ومش عارف ليه.

قالها بألم، فاحتضنته.

ذهبت في النوم، لكنه لم يستطع النوم.

حتى كانت الساعة السابعة، فقام من جانبها وذهب إلى المشفى.

جاء الطبيب ليحدثهم.

سيف: ها يا دكتور، إيه الأخبار؟

الطبيب: للأسف، كل التحاليل سلبية. مفيش تطابق.

أمسكه سيف من قميصه.

سيف: يعني إيه مفيش تطابق؟ إحنا.. طيب أبوها وأمها؟

أزال يحيى الطبيب من بين يديه.

يحيى: اهدأ يا سيف علشان نفهم.

الطبيب: مش مهم الأم أو الأب فقط. لازم يكون في توافق في فصيلة الدم، ويبقى في تطابق في كل الفحوصات، لأن لو في حاجة غلط الجسم هيتعامل مع العضو الجديد كأنه جسم غريب، وهيتعب أكتر.

هنا لم يعد لديه قدرة على التحمل.

قام بتكسير بعض الأشياء في مكتب الطبيب، فتدخل الجميع لإيقافه.

تقطع قلب أمه. كانت تعرف أن ما ستفعله سيغير كل شيء.

اقتربت منه، ويحيى يحاول تثبيته.

منى: خلاص يا حبيبي.. هي هتعمل العملية بكرة والمتبرع موجود.

سيف: أنا مش طفل.. مفيش حد متطابق. إنتِ بتضحكي عليا.

وضعت يدها على خده، وازداد بكاؤها.

منى: والله مش بضحك عليك.. بكرة هتعملها.

سيف: إزاي؟

بدأ يهدأ قليلًا.

أردفت بصعوبة:

منى: حاتم.. حاتم هو اللي هيتبرع.

الطبيب: يا فندم، لازم فحوصات وتحاليل الأول.

توجه سيف بنظره إلى الطبيب.

أغمضت منى عينيها وهي تقول:

منى: حتى لو نفس فصيلة الدم.. وأخوها التوأم؟

ساد الهدوء.

لقد ألقت جملتها، ولم تفتح عينيها.

ترك رؤوف يد عادل التي كان يمسكها، فوجده متجمدًا في مكانه.

تقدم رؤوف وأمسك يد زوجته.

وتوجهت جميع الأنظار إليهم من هول الصدمة.

ترك يحيى سيف الذي كان يحاول جاهدًا أن يثبته.

نظر لها سيف كأنها قالت شيئًا لا يصدق.

أما عادل فتجمد مكانه، تارة ينظر إليهما، وتارة ينظر إلى زوجته التي لم تتحمل كل هذه الصدمة، فوقعت فاقدة الوعي.

واتسعت عينا ريم، ووضعت يدها على فمها.

أما على باب الغرفة، فكان يقف حاتم، الذي جاء واستمع إلى كامل حديثهم.

للحظة الأولى تجمد في مكانه.

وبعد عدة ثوانٍ تقدم بلا روح تجاههم.

وقف أمام أمه وأبيه.

حاتم: إيه.. إيه اللي قلتيه يا ماما؟

رد رؤوف نيابة عنها بنبرة يغشاها الألم:

رؤوف: إنت أخو حور التوأم.

هنا فقدت منى وعيها، وجاء الأطباء لمساعدتها.

صدمة كبيرة للجميع.

إن كانت إصابة حور مصيبة، فهذا الكشف قلب كل شيء.

يتبع…

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى