حكايات انجى الخطيب ج٢

ساد صمت مطبق في أرجاء الصالون، كأن الهواء نفسه تجمد. صوت أنفاس مدحت وسهير كان هو الشيء الوحيد المسموع، أنفاس متقطعة، مرعوبة، مشلولة بالحيرة والعجز. مدحت كان راكع على ركبتيه وإيديه مقيدة خلف ظهره، وعيونه بتتنقل بيني وبين رئيس مجلس إدارته “فريد الشناوي” بذهول، مش قادر يستوعب اللي بيحصل.
«سيادة اللواء إلهام؟!» مدحت همس بالكلمة وشفايفه بتترعش، كأنه بيحاول يتهجى لغة ميعرفهاش. فريد الشناوي ما ادّاش لمدحت حتى التفاتة، وفضل باصصلي ومد إيده باحترام كامل، فمديت إيدي وسلمت عليه بهدوء.
فريد اتكلم بصوت جهوري سمع كل الواقفين: «أنا مش مصدق عيني يا فندم! حضرتك من أشهر القيادات في مكافحة الجرائم المنظمة، واللي ساهمتي في حماية شركاتنا ومصانعنا من شبكة ابتزاز وتهريب دولية سنة 2018.. التاريخ كله يشهد لجهودك يا سيادة اللواء. بس مش فاهم.. الشخص ده بيعمل إيه هنا؟ وإيه علاقته بحضرتك؟»
سهير قطعت كلامه بصوت متوتر وهي بتحاول تفلت من إيد أمين الشرطة اللي ماسكها: «يا فريد بيه! متصدقش الست دي! دي متبلة على ابني، وبنتها هي اللي عملت مشكلة وهربت ورمت نفسها في الشارع عشان تلبسنا مصيبة!»
فريد الشناوي التفت لسهير بنظرة حاسمة خلتها تسكت فورًا، وقال بنبرة قاطعة: «أنا أصدق اللواء إلهام، ومش هبني حكم على كلام من غير دليل.» ثم بص لمدحت وقال: «ده الموظف اللي كان داخل بقوة عشان يمسك قطاع المشروعات الهندسية الجديدة في مجموعتي، وكان عزمني النهاردة عشان يوريني استقراره ونجاحه.. أتاري ورا الصورة دي كلها أسرار كتير.»
قربت خطوتين من فريد ووقفت قدام مدحت، وقلت بصوت حاسم: «الشخص ده، زي ما سميته يا باشمهندس، يبقى جوز بنتي الوحيدة.. مريم.»
فريد اتصدم: «مريم؟! الباشمهندسة مريم أحمد؟! اللي فازت بجائزة عن تصميم هندسي مميز وفضلت تشتغل في هدوء؟! هي دي بنتك يا فندم؟!»
«أيوه يا فريد.. بنتي اللي مدحت عبد القادر كان بينسب جزء من شغلها وتصميماتها لنفسه عشان يترقى في شركتك على حساب تعبها، وبنتي اللي حصل بينها وبينه وبين أمه خلافات كبيرة وصلت لاعتداءات، وبعدها سابوها في الفجر في وسط رمسيس في البرد عشان يبعدوها عن حياتهم ويبدأوا حياة جديدة.»
كاريمان قعدت تعيط في زاوية الصالون: «والله العظيم ما أعرف! هو قالي إنه منفصل عنها بقاله سنة، وقالي إن كل التصاميم اللي دخل بيها المناقصات بتاعته هو! أنا اتخدعت زيه زيكم.»
فريد وشه اتغير، وقال لمدحت: «إنت؟! إنت التصاميم والمخططات اللي كنت بتبهرني بيها مش كلها بتاعتك؟! بتاخد مجهود مراتك وتنسبه لنفسك؟!»
مدحت انهار تمامًا، وبدأ يطلب السماح: «سامحيني يا حماتي.. سامحيني يا سيادة اللواء! أنا غلطت، وخلّيت الأمور توصل لمكان ماكانش لازم توصله. أمي كانت بتضغط عليا، وأنا صدقت كلامها.»
الساعة كانت بتقرب من الثامنة صباحًا، وفجأة وصلني اتصال من المستشفى. كان صوت الدكتور هشام، مدير مجمع مستشفيات الشرطة:
«إلهام هانم، حالة مريم محتاجة تدخل طبي عاجل. الفريق الطبي بيتعامل معاها بكل سرعة، والتحاليل شغالة عشان نعرف سبب التعب المفاجئ.»
قلت له: «أنا جاية فورًا. عايزة كل الفحوصات اللازمة تتعمل، وأي معلومة تساعدنا نفهم اللي حصل تتوثق رسميًا.»
«كل الأطقم الطبية مستنياكي، ومفيش وقت هيتضيع.»
الساعة 8:02.. بدأت المؤشرات الحيوية لمريم تتحسن تدريجيًا، والدكتور هشام خرج من غرفة الرعاية وقال وهو بياخد نفسه: «عدينا مرحلة الخطر يا فندم. استجابتها للعلاج كويسة، وهتحتاج متابعة دقيقة، لكن حالتها مستقرة.»
أخدت نفسي اللي كان محبوس بقاله ساعات، وهزيت راسي بشكر صامت للفريق الطبي. وفي نفس اللحظة، رن تليفوني. كان صوت اللواء طارق، مدير الأمن:
«سيادة اللواء إلهام.. وكيل النيابة خلص التحقيق المبدئي مع مدحت وسهير. وفيه معلومات جديدة ظهرت من مراجعة حساباتهم ومعاملاتهم.»
«لقيتوا إيه يا طارق؟»
«لقينا إن مدحت وسهير مش بس كانوا داخلين في خلافات كبيرة مع مريم.. مدحت كان بيستغل توكيل إدارة عام مريم ادتهوله بحسن نية، وتصرف في جزء من مدخراتها وممتلكاتها من غير علمها، وكمان فيه مستندات محتاجين نراجع صحتها، وعلاقات مالية مع أطراف تانية.»
عيني لمعت بالتركيز، وبصيت لفريد الشناوي، اللي كان داخل ممر المستشفى ومعاه المحامي العام لشركاته وملفات في إيده.
قال فريد: «سيادة اللواء، الملفات الهندسية بالكامل اتحفظ عليها، وتصميمات مريم تم توثيقها باسمها الرسمي. والشركة بدأت إجراءات قانونية لضمان حقوقها، ومنع استخدام أي أعمال منسوبة لغير صاحبها.»
في اللحظة دي، دخل ضابط التحقيقات الجنائية ومعاه مجموعة من المستندات والأدلة المحرزة.
«تمام يا فندم. تم التحفظ على الأدلة المتعلقة بالواقعة، وكمان تسجيلات الكاميرات الموجودة في الفيلا، وهي هتكون تحت تصرف جهات التحقيق.»
سهير بدأت تنهار لما سمعت بكلمة “الكاميرات”، بينما التفتُّ إلى تامر وقلت بصوت حاسم:
«تامر.. الإجراءات القانونية تستمر، وكل شخص يثبت تورطه يتحاسب وفق القانون.»
«تمام يا سيادة اللواء، التحقيقات هتبدأ فورًا.»
خرجت من المكان، والشمس كانت بدأت تطلع بنورها القوي وتكسر عتمة الصبح. ركبت عربيتي الشاهين، لكن قبل ما أدور الموتور، تليفوني رن تاني.
كان صوت وكيل النيابة:
«سيادة اللواء إلهام.. فيه اعترافات جديدة ظهرت أثناء التحقيق، ولازم نراجعها مع الفريق الطبي عشان نحدد بالضبط إيه اللي حصل لمريم.»
قلت: «ابعتوا كل التفاصيل للمستشفى وللنيابة، وأي معلومة طبية أو قانونية لازم تتوثق بشكل رسمي.»
الساعة دقت 11:30 الصبح.
الهدوء خيّم على ممر الرعاية، وفجأة اتحركت أصابع مريم الضعيفة فوق الملاءة البيضاء. شفايفها بدأت تفارق بعضها، وعينيها فتحت ببطء وسط غشاوة النور.
أول حاجة شافتها كانت أنا؛ قاعدة جنبها على الكرسي، ماسكة إيدها بحنان أم.
همست بصوت باهت مليان دموع: «أمي.. أنا فين؟ هما قالوا إنك مش هتقدري تحميني.»
ملت عليها، وبوست جبينها ولمست شعرها بمنتهى الرقة:
«نامي وارتاحي يا قلب أمك.. الكابوس انتهى. وإنتِ دلوقتي في أمان، وحقك هيرجعلك بالقانون.»
مريم دموعها نزلت، بس المرة دي ما كانتش دموع خوف، كانت دموع سكينة؛ حست لأول مرة من فترة طويلة بالأمان اللي كانت محتاجاه.
بعد شهرين بالتمام والكمال، كانت قاعة المحكمة مليانة؛ صحفيين، قنوات إخبارية، ورجال أعمال، وجمهور جاي يتابع نهاية القضية.
داخل قفص الاتهام، كان مدحت واقف بملامح مرهقة، وجنبه سهير، بعد ما انتهت حياة الرفاهية اللي كانوا عايشين فيها.
وعلى الجانب التاني، كنت قاعدة في الصف الأول، وجنبي مريم.. مريم اللي وقفت على رجليها أقوى من الأول، رافعة راسها، لابسة بدلة أنيقة، وجنبنا المهندس فريد الشناوي وفريق الدفاع القانوني.
صوت الحاجب رج القاعة: «محكمة!»
وقف الجميع في صمت تام، واعتلى رئيس المحكمة المنصة، وبدأ يتلو حيثيات الحكم، مستندًا إلى ما قدمته جهات التحقيق من تقارير وأدلة ومستندات.
سكت القاضي لثوانٍ، والقاعة كلها كانت في حالة ترقب.
ثم أعلن الحكم وفق ما ثبت أمام المحكمة من وقائع ومسؤوليات قانونية.
ساد الصمت للحظات، وبعدها بدأت أصوات الحضور ترتفع، بينما ظلت مريم هادئة، ماسكة إيدي.
بصتلي بابتسامة وقالت:
«يلا نمشي يا سيادة اللواء؟»
ابتسمت لها وقلت:
«يلا يا باشمهندسة.. مستقبلك مستنيكي.»
خرجنا من باب المحكمة، وفلاشات الكاميرات كانت بتلاحقنا من كل اتجاه.
قدام السلالم، كان فريد الشناوي واقف ومعه مجموعة من العقود:
«باشمهندسة مريم.. بقرار رسمي من مجلس الإدارة، حضرتك هتكوني مسؤولة عن قطاع التصميمات الهندسية الكبرى في المجموعة، وكل أعمالك الأصلية هتتسجل باسمك وتحصل على حقها الكامل.»
شكرته مريم بتواضع، ونزلنا درجات المحكمة بهدوء.
وصلنا لعربيتي الشاهين القديمة اللي كانت مركونة في أول الشارع. فتحت لها الباب وركبت جنبي، وبصينا لبعض وضحكنا.
العربية دي اللي استهزأوا بيها وببساطتها، كانت شاهدة على أصعب يوم في حياتنا، وعلى بداية مرحلة جديدة.
دورت الموتور، ورفعت راسي للسما، والشمس الدافية بتغمرنا.
كانوا فاكرين إن الهدوء ضعف، وإن البنت الطيبة مالهاش سند، لكنهم نسوا إن الحق ممكن يرجع بالقانون، وإن الإنسان لما يتمسك بكرامته وحقه يقدر يبدأ من جديد.
انطلقت بالعربية في شوارع القاهرة، وإيد مريم في إيدي.
صفحة الألم اتقفلت، وبدأت صفحة جديدة من حياتنا.. صفحة عنوانها الأمان، والكرامة، والمستقبل.




