عام

حكايات زهرة الربيع ج١

حكايات زهرة الربيع ج١

لما الجرار حصد عربية أبويا على طريق السكة الحديد من عشر سنين. يومها مش بس أبوي اللي مات، كل حياتنا اتردم عليها بالتراب. كنا صغيرين أنا وأحلام اختي، هيه كان عندها عشر سنين وأنا تسعة، كأننا توأم اتخلقوا مع بعض، بناكل من طبق واحد، وبننام على سرير واحد، وبنطبطب على بعض لما الدنيا تضيق.

 

بعد العزا بعشر أيام، أعمامي جم لأمي وصوتهم عالي وقاسي وقالوا: “انتي يا صفية ملكيش عندنا ولا مليم، انتي خلفتك بنات ملهمش ورث عندنا، تاخدي بنياتك وتروحي بيت أبوكي.” أمي ما نطقتش ولا كلمة، كانت واقفة وعيونها بتبص للفراغ ببرود، لا دمعة نزلت من عينها ولا صرخات زي باقي الحريم. ومن يومها عشنا مع جدتي في بيتها القديم على أطراف البلد.

جدتي كانت هي كل حياتنا. هي اللي بتجيب اللبس، وهي اللي بتنزل السوق تجيب الخضار، وهي اللي بتسرحلي أنا وأحلام شعرنا كل يوم الصبح قبل ما نروح المدرسة. أمي كانت عايشة معانا في نفس البيت، بس كأنها خيال مآتة. تقعد بالساعات قدام الطبلية الخشب تبص للحيطة، ما بتتكلمش، ما بتضحكش، ولا بتتحرك إلا لو حد طلب منها حاجة. أنا وأحلام كنا بنخاف من نظرتها، فكنا بنلجأ لبعض. أحلام كانت تقولي: “ما تسيبيش إيدي يا عبير، طالما احنا مع بعض محدش يقدر يعملنا حاجة.”

عدت سنتين على موت أبوي. سنتين كاملين ما خرجناش فيهم برة باب البيت إلا للمدرسة والرجوع منها. وفي ليلة من ليالي الموالد اللي بتتعمل على طول في البلد، كنا قاعدين أنا وأحلام في الأوضة بنراجع دروسنا على ضوء اللمبة السهاري. فجأة، الباب اتفتح بالراحة.

دخلت أمي.

عيونها كانت خالية تماماً من أي تعبير، جافة زي أرض محروقة، فيها برود غريب. وقفت عند الباب وبصت لأحلام مباشرة، وبصوت واطي قالت:
“أحلام.. البسي عشان هفسحك في المولد.”

أحلام من الفرحة قامت نطت من على السرير، عيونها لمعت، بقالنا سنتين ما شفناش الشارع ولا فرحة المولد! بس أنا بصيت لأمي وقلت باستغراب وخوف: “وأنا يا اما؟ ليه مش هروح معاكوا؟”

أمي عيونها ما اتزحزحتش عن أحلام، وقالت بنفس الهدوء: “هوديكي مرة تانية.”

أحلام بصتلي وشافت الزعل في عيني، ولأنها أختي الحنينة اللي ما بترضاش تزعلني، التفتت لأمي وقالت: “طب ما تخلينا أنا يوم ما تروح عبير يا اما عشان نلعب سوا بمراجيح المولد؟”

فجأة، وش أمي اتغير وصوتها طلع حاد: “أنا قلت البسي! عبير هتروح مرة تانية!”

أحلام خافت من نبرتها، وبصتلي بقلة حيلة. لبست طرحتها الخفيفة وفستانها الأزرق، وخرجت ورا أمي وهي زعلانة ومكسورة عشان سايباني لوحدي. أنا فضلت قاعدة على السرير، قلبي مقبوض، عيني على الباب بتمنى يرجعوا.

فاتوا ساعتين.. أصعب ساعتين عدوا عليا في حياتي.

سمعت صوت باب البيت الخشب بيتقفل بالراحة. خرجت أجري على الصالة، لقيت أمي داخلة لوحدها، وشها هادي جداً، ومافيش في إيدها أي حاجة.

جدتي خرجت من المطبخ وهي محتارة، وبصت ورا أمي وقالت: “فين أحلام يا صفية؟”

أمي ردت ببرود: “تاهت مني.. وملاقيتهاش وسط الزحمة.”

جدتي إيديها اترعشت، والطبق الفخار وقع من إيدها اتكسر على الأرض، وقالت بصدمة وحزن: “هو انتي خدتيها المولد يا صفية؟!”

ردت أمي بصوت هادي: “ايوه، الزحمة خطفتها مني.”

من اليوم ده، أحلام اختفت، وكل محاولات البحث عنها في القسم وبصوار القرى ما جابتش أي نتيجة، كأن الأرض انشقت وبلعتها. عشت سنين طويلة من القهرة والحزن على فراق توأم روحي، لحد ما كبرت وبقى عندي 19 سنة، واعتبرت إن اللي حصل قضاء وقدر.

وفجأة من شهر، أتقدم لي شاب من البلد، اسمه محمود، ابن ناس طيبين وشغال في صيدلية، وقال إنه هيخلص شقته في خلال شهور ونتجوز. جدتي وافقت، وأمي وافقت من غير ما تتكلم كتير، وأنا بيني وبين نفسي قلت شاب كويس وابن حلال، يمكن ربنا بيرد لي جزء من الفرحة اللي راحت مني.

تاني يوم الصبح بدري، صحيت على إيد بتتحرك على كتفي بالراحة. فتحت عيني بالتدريج، لقيت أمي واقفة فوق راسي.

نفس النظرة الخالية من التعبير.. ونفس الهدوء المرعب القديم.

قربت مني، وبصوت واطي قالتلي:
“قومي البسي يا عبير.. هاخدك افسحك في المولد قبل جوازك.”

في اللحظة دي، حسيت برعشة سريعة سرت في جسمي، رنت الجملة في ودني كأن الزمن بيرجع بيا 8 سنين ورا. بس استهدفت بالله، وقلت يمكن دي طريقة أمي الغريبة في التعبير عن الفرحة بطريقتها الخاصة، أو يمكن عاوزة تعوضني قبل ما أسيب البيت وأتجوز.

قمت لبست هدومي وروحت معاها بهدوء، مشينا وسط شوارع المولد المضيئة والزحمة، وأمي شادة إيدي بإحكام كأنها خايفة أتوه منها زي ما حصل زمان. وقفت بيا عند نفس الساحة القديمة للمراجيح، وبصتلي وقالت بصوت دافئ لأول مرة في حياتها:
“افرحي يا عبير.. وادعي لأختك إن ربنا يجمعنا بيها، سامحيني.. أنا عمري ما كرهتكم، بس الحزن ساعات بينشف القلوب.”

بصيت لعيون أمي، ولأول مرة أشوف دمعة حقيقية تلمع في عينها، فحسيت إن الجفا والبرود اللي طال سنين كان مجرد انكسار داخلي من يوم ما أبويا مات. حضنتها لأول مرة من سنين طويلة، ودعيت في نفسي لأحلام، وأنا باصة لأنوار المولد اللي رجعت تملى الدنيا أمل من جديد.

“هذه القصة من وحي خيال الكاتب، وأي تشابه بينها وبين الواقع في الأسماء أو الأحداث هو محض صدفة غير مقصودة.”

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى