عام

عيد ميلادابن اخويا ج٢ منى السيد

السماعة كانت بتزن على الأرض بصوت الصفارة المتقطعة، وأنا كنت حاسة إن الحيطان بتلف بيا. طارق فتح عينه بنعاس مكسور، فرك وشه وبصلي باستغراب مين يا منى اللي بيتصل على الصبح كده؟ في إيه وشك مخطوف ليه؟.
لساني كان متكتف، بلعت ريقي بصعوبة بالغة وقولت وصوتي بيرتعش طارق… البس هدومك بسرعة، ياسمين في القسم!.
طارق اتنفض من على الكنبة زي الملدوع، حتى التعب والهدة اللي كانت فيه اتبخرت في ثانية في القسم بتعمل إيه؟! بنتي جرالها حاجة؟ ابني حصله حاجة؟!.

لأ يا طارق… بتعمل فيك محضر وتبديد، ومطلعة تقرير طبي!

طارق فضل ساكت ثانيتين كاملين، السكوت اللي بيسبق طوفان. عيونه اتحولت لكتلة نار هادية، الهدوء ده كان يخوف أكتر من أي زعيق. مسح على وشه بقوة وقال بصوت جامد أنا مش هسيبها تكسرني مرتين. الأولى عدتها عشان بنتي وابني، لكن قلة الأصل لما توصل للمحاضر والشرطة، يبقى مفيهاش رحمة.
طلع يجري على شقته فوق عشان يغير هدومه وياخد أوراقه، وأنا نزلت بسرعة رنيت على جوزي وعلى خالتي، وقولت لأمي وحياتك عندي يا أمي ما هتتساب.. الغدر ده ميتسكتش عليه. بس أمي كانت قاعدة بتبكي وبتدعي يا فارج الهم، يا كاشف المستور، اظهر حق ابني المظلوم وانصره على اللي

طارق نزل، لابس ومستعد، وشه مفيش فيه نقطة دم بس عينيه فيها ثبات راجل ناوي ياخد حقه بالقانون. نزلنا الشارع، وركبنا مع بعض رايحين على قسم الشرطة، وفي السكة اتصلت بمحامي ابن حلال صاحب طارق من زمان اسمه أستاذ عصام، حكيناله السكة في كلمتين، وقالنا سبقوني على هناك ومحدش فيكم يفتح بوقه بكلمة لحد ما أجيلكم، الحركات دي حافظينها صم.

أخوها محروس وقف ونفخ صدره وبص لطارق بغل جاي برجليك يا بطل؟ والله لنسجنك وناخد شقا عمرك كله، مبقاش إلا الحثالة يمدوا إيدهم على أختي!.
طارق كان هيندفع ناحيته، بس أستاذ عصام شد طارق من كتفه بقوة وهمسله اثبت مكانك، ولا حركة، ولا كلمة، هو عايز يستفزك عشان تعمل مصيبة هنا قدام الأمين.
دخلنا لأمين الشرطة اللي بيكتب المحضر، والراجل كان باين عليه الزهق من قضايا البيوت، بس التقرير الطبي اللي في إيده كان تقيل كدمات في الوجه وسحجات متفرقة واشتباه كسر في الرسغ.
عصام المحامي قعد وقدم كارنيه النقابة وقال بكل هدوء يا فندم، التقرير ده كيدي والواقعة دي ملفقة جملة وتفصيلاً، وموكلي طارق موظف محترم ومعندوش سوابق، والهانم نزلت من بيتها إمبارح الساعة اتنين بالليل سليمة معافاة، بكامل إرادتها ومعاها والدها وأخوها.

أم ياسمين زعقت من ورا كذابين! كذابين وستين كذابين! ده بنتي كانت بتموت ونازلة سايحة في دمها، حتى اسألوا الجيران!.
هنا طارق مقدرش يسكت، بص للضابط وقال يا باشا، أنا راجل شقيان على لقمة عيشي، عمري ما مديت إيدي على ست، ولا ربياني أبويا على كده. الست دي مراتي بقالها سبع سنين، إمبارح اكتشفت إنها بايعة دهب بنتي من ورا ضهري، وحصلت مشادة كلامية، نزلت مع أبوها من غير ما ألمس منها شعرة، وربنا شاهد على كلامي.
الضابط بصلهم الاتنين بتمعن، وهو راجل فاهم وخبير في مشاكل الحريم والأزواج الكلام ده كله هيتحقق فيه في النيابة، إحنا هنا بنحرر المحضر بالتقرير الطبي المرفق، والنيابة هي اللي تفصل.

خرجنا من الأوضة والجو مسموم بالغل. أخو ياسمين قرب من طارق وابتسم بخبث وهو بيهمس بصوت واطي ومستفز العفش كله هيتفرش في المحكمة، وقايمة المنقولات ب 600 ألف جنيه، غير المؤخر، غير حبسك في الضرب يا طارق.. هتدفع تمن الحلق ده دم قلبك، وهتركع عشان نبقى نتنازل!.
أنا دمي غلي، وكنت لسه هرد عليه وأمسح بكرامته الأرض، بس طارق مسك إيدي وبص لأخوها في عينه بنظرة موت وقاله الحق مبيضيعش يا محروس، واللي بيبني بيته  والكدب، بيته بيقع على دماغه في الآخر.

أمي رفعت إيدها وقالت فجأة يا بني… هو إحنا مش في الشارع بتاعنا ده في كاميرات؟.
الكلمة كانت زي النور اللي نور في أوضة ضلمة!
أنا ضربت على جبهتي يا خبر أبيض يا

أمي! الكاميرات! محل السوبر ماركت اللي قصاد بيتنا على طول، والمدبغة اللي على أول الشارع!.
طارق اتعدل في قعدته كأن الروح ردت فيه أيوا! كاميرا عم جرجس بتاع الماركت جايبة بوابة العمارة كلها من فوق لتحت، بزاوية واضحة جداً!.
عصام المحامي ابتسم وضرب كف على كف الله ينور عليكي يا طارق مقعدش دقيقة، نزل جري على عم جرجس. عم جرجس راجل أصيل وجار عمر لأبويا الله يرحمه، أول ما طارق قاله، الراجل قفل دكانه وفتح جهاز التسجيلات من عنيا يا طارق، ده أنت ابني، وأنا عارف أصلك وفصلك، مش البت دي اللي هتتبلى عليك!.

قعدوا يرجعوا في التسجيلات بتاعة إمبارح بالليل… الساعة اتنين ودشر دقايق ظهر باب العمارة بيتفتح. خرج منه أبو ياسمين الأول وهو باصص في الأرض، ووراه ياسمين، بكامل صحتها، لابسة العباية السودة، شايلة الشنطة الكبيرة في إيدها الشمال، وماسكة بنتها الصغيرة بإيدها اليمين اللي بتدعي إنها ، وأخوها وراها شايل شنطة تانية. وفوق كل ده، التسجيل جاب ياسمين وهي واقفة على أول الشارع مستنية تاكسي، وبتتكلم في التليفون وبتضحك باستهزاء لأخوها!
طارق فرغ الفيديو على فلاشة، بس المفاجأة الكبرى مكنتش في كاميرا عم جرجس بس!

الست اللي رنت عليا الصبح بالرقم الغريب… الست دي رنت تاني على تليفون البيت بعد الضهر!
أنا رديت عليها بسرعة ألو؟ مين معايا وليه بتعملي كده؟!.
الست قالت بنبرة فيها ندم وتردد أنا سحر… جارة أم ياسمين في الحارة اللي هما ساكنين فيها.
وعايزة إيه مننا يا سحر؟.
عايزة أخلص ذمتي قدام ربنا يا أختي… أنا لما كلمتك الصبح كنت فاكرة إن أخوكي مفتري زي ما هما قالوا في الحارة، بس لما شوفت اللي حصل الصبح على السطوح مقدرتش أنام من خوفي من ربنا.
سطوح إيه؟! فهميني!.

ياسمين وصلت بيت أمها الفجر سليمة مفيهاش خدش، وأخوها محروس وأمها فضلوا يسخنوها ويقولولها هنسيبه يطردك كده بشنطة هدومك وناخد إيه؟ محروس هو اللي أقنعها تعمل التقرير الطبي، وهو اللي جاب شفرة موس خفيفة وخربشلها دراعها، وخلاها تخبط راسها في الحيطة علشان تعمل كدمة زرقا تحت عينها، وراحوا لدكتور معرفة بياخد قرشين في المستشفى العام طلع لهم التقرير الملفق ده! أنا سمعت صريخها الصبح وشوفتهم بعيني وهما بيلفقوا الحكاية، والواد محروس عمال يقولها ده إحنا هنخرب بيته وناخد شقته، ضميري أنبني ومقدرتش أسكت.

الدنيا كلها وضحت وبانت. ربنا سبحانه وتعالى لما بيحب ينصر مظلوم، بيسوقله البراءة من وسط النار.
أستاذ عصام المحامي جمع كل الخيوط فلاشة الكاميرات اللي بتثبت خروجها سليمة تماماً في نفس وقت الواقعة المدعى بيها، وبيان تحركات تليفون طارق إنه كان في البيت تحت عند والدته ومخرجش وراهم، وشهادة الست سحر اللي وافقت تيجي تدلي بشهادتها رسمي قدام وكيل النيابة بعد ما طارق حلفلها إنه هيحميها من شرهم.
تاني يوم الصبح في سراي النيابة، كان لا يُنسى.
دخلنا كلنا قدام وكيل النيابة. محامي ياسمين بدأ يتكلم بفصاحة عصام المحامي وقف بكل ثقة، وحط الفلاشة والمستندات على مكتب وكيل النيابة ردنا يا فندم في الفيديو ده، اللي مسجل بالوقت والتاريخ بالثانية، ومرفوع من كاميرات مراقبة رسمية لشارع عمومي.

وش ياسمين اتقلب زي الميتين. أخوها محروس بدأ يفرك في إيديه ويتلفت حواليه كأنه بيدور على باب يهرب منه. أمها فتحت بقها ومطلعتش كلمة.
وقعت على الأرض عند رجلين طارق في مكتب النيابة قدام الكل أبوس إيدك يا طارق! اتصالح.. هتحبس أنا وأخويا! والله هما اللي ضحكوا عليا، والله أمي وأخويا هما اللي قالولي أعمل كده عشان نلوي دراعك وناخد قرشين! سامحني يا طارق عشان خاطر عيالك، مين هيربي فريدة ويوسف لو أنا ؟!.

طارق رجع خطوة لورا، وبصلها بنظرة برود خالية من أي شفقة، نظرة راجل شال حبيبته من قلبه ورماها في الزبالة عيالي أنا اللي هربيهم، هربيهم بلقمة حلال وفي بيت نضيف ميعرفش الكدب ولا الغدر ولا الحرام. أنتي اللي حطيتي نفسك وأخوكي في الحبس، واللي يزرع شوك مبيجنيش غير الجراح.
ولف وشه لوكيل النيابة وقال بكل هدوء وثبات يا فندم، أنا برمي عليها يمين الطلاق قدام معاليك دلوقتي، وورقتها هتوصلها في الحبس مع المأذون، وحقي في بنتي وابني هاخده بالقانون وبحكم المحكمة، ومش هتنازل عن محضر البلاغ الكاذب والتزوير.
خرجنا من باب المحكمة، كانت شمس الظهر طالعة دافية، الهوا كان نضيف ونقي كأننا كنا محبوسين في كابوس وخرجنا منه للدنيا الواسعة.

طارق أخد نفس عميق وطويل، حسيت بكتفيه اللي كانوا مشدودين بقالهم أيام بيهدوا، والهم التقيل اللي كان على صدره انزاح. ركبنا العربية ورجعنا على بيت أمي.
أول ما فتحنا الباب، لقينا أمي قاعدة على سجادة الصلاة، ماسكة سبحتها ودموعها بتنزل في صمت وبتدعي. أول ما شافت طارق داخل بابتسامة راضية ورافع راسه، رفعت إيديها الاتنين للسما وصرخت بفرحة الحمد لله! الحمد لله الذي نصر عبده وأعز جنده وهزم الأحزاب وحده! حقك رجع يا ضنايا؟.
طارق نزل على ركبه وحضن أمي حضن طويل، وباس راسها وإيديها ورجليها رجع يا أمي.. ربنا مبيسبش حق حد بيتقي الله. كيدهم اتقلب في نحورهم، وربنا نجدني من بيت كان هيخرب حياتي وديني ودنيتي.

أنا قعدت جنبهم ومسحت دموع الفرحة اللي نزلت من عيني شوفي يا أمي، سبحان الله، لو مكنتيش وقفتي في البلكونة وشوفتي إنهم داخلين من غير تورتة، مكنش طارق شك، ومكنش الدهب اتعرف إنه اتسرق، ومكنش الغدر ده كله اتكشف! لقمة التورتة اللي استكتروها عليكي كانت السبب في إن ربنا يرفع الغطا عن البير كله.
أما طارق، فرفع قضية ضم لحضانة أولاده، وبما إن الأم عليها أحكام وقضايا مخلة بالشرف والأمانة، المحكمة حكمت بإن الحضانة تروح للجدة للأب.. يعني أمي!
وفي يوم جمعة مبارك، بعد شهرين من كل اللي حصل، البيت كان منور ومملي دفا. ريحة البخور كانت مالية الشقة، وصوت القرآن شغال في الراديو.
فريدة ويوسف الصغيرين كانوا بيجروا في الصالة ويضحكوا، يوسف ماسك العجلة الجديدة اللي أبوه كان جايبهاله، وفريدة لابسة حلق دهب جديد طارق اشتراهولها ولبسهولها في ودنها بإيده، وقالها ده من خير أبوكي يا حبيبة أبوكي، ومحدش في الدنيا يقدر يمد إيده عليه تاني.

أنا كنت في المطبخ بعمل صينية كيكة بالشوكولاتة كبيرة، وطلعت بيها على الصالة وحطيتها على التربيزة قدام أمي وطارق والولاد.
أمي بصت للكيكة وبصت لعيال ابنها وهما فرحانين وبيسقفوا، ضحكت من كل قلبها ووشها كان منور رضا ونور تسلم إيدك يا منى يا بنتي.. شوفي يا سبحان الله، الكيكة البيتية اللي معمولة بحب ورضا وبركة، أحسن وأطعم من مية تورتة معمولة بالغدر والسرقة والكبرياء.
طارق قطع أول خرطة، وحطها في طبق، وراح باس راس أمي وقدمهالها بإيده كلي يا أمي واتهني.. البيت ده بيتك، وعيال طارق هما عيالك، ومفيش لقمة هتدخل البيت ده من هنا ورايح إلا وإنتي راضية عنها ومباركاها.. إنتي الخير والبركة، ومن غير رضاكي ملناش في الدنيا دي عازة.
أمي أكلت اللقمة ودعت لأولادها، والصالة اتملت بضحكات الولاد ولمة العيلة الصافية اللي مفيهاش غل ولا نفاق.
ساعتها بس اتأكدت إن ربنا لما بيقفل باب  ، بيكون بيحميه، وبيفتحله بداله أبواب من راحة البال والسكينة اللي متتقدرش بمال الدنيا.. وإن الحق، مهما طال عليه ليل الظلم والافتراء، لازم يشرق بنوره  العتمة، ويخلي كيد الخاينين في نحورهم، ويفضل بيت الأصول عامر برضا الوالدين واللقمة الحلال.
النهاية حكايات مني السيد حصري

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى