عام

حكايات منى السيد ج٢

حكايات منى السيد ج٢

رحت أزور أختي وهي في الشهر السادس من الحمل، ومن ريحة الأكل اللي حماتها بتغصبها عليه كنت هرجع. لقيتها بتقول بكل برود لو جعانة تخلص طبقها، مفيش نعمة بتترمي هنا. من غير كلام كتير أخدت عينة من الأكل، ولمېت هدوم أختي وكلمت أهلي يجوا فوراً. وفي المستشفى اكتشفنا السر وراء خستها وذبولها بقالها أسابيع… والموضوع طلع متدبر على ڼار هادية.

أختك عايزة تاكل، تاكل اللي محطوط قدامها. إحنا هنا مفيش لقمة بتترمي.
دي كانت أول جملة خبطت في ودني وأنا داخلة شقة أختي دينا في المعادي، وهي في شهرها السادس. كنت سايقة نص ساعة من بيت بابا وماما وقلبي واكلني عليها؛ بقالها كذا يوم ردودها متأخرة ع الواتساب، وتقول مرهقة، وكل ما أقولها أجيلك تطلع بحجة وتأجل.
اللي فتحتلي الباب كانت حماتها، الحاجة إلهام.
مريم يا حبيبتي! مفاجأة إيه دي.. اتفضلي اتفضلي، دينا مريحة جوة. أصلك عارفة بقى الحوامل في أول بطن، كل حاجة توجعهم وتكبر في عينهم، قالتها بابتسامة صفرا باين أوي إنها متصنعة.
الشقة كانت مترتبة زيادة عن اللزوم، مفيش ريحة كركبة ولا حتى خدادية معووجة. الحاجة إلهام ماشية قدامي تديني تقرير عن إنها هي اللي شايلة البيت، ومتابعة أكل دينا وفيتاميناتها، وحتى كوباية المية بتعدها عليها.
أصل طارق بيطلع عينه في الشغل طول اليوم، ولازم حد يقف على كل حاجة بنفسه.
أول ما دخلت الأوضة، دمي اتصفى مكاني.
دينا كانت نايمة على جنبها، بطنها باينة تحت عباية بيتي واسعة، بس وشها كان مطفي وصغر للنص عن آخر مرة شوفتها. شفايفها مشققة، عينيها حواليها سواد فاحم، ودراعاتها رفيعةاللي جرالك يا دينا؟ قعدت جنبها وأنا ملهوفة.
مسكت إيدي وضغطت عليها جامد مفيش يا مريم.. أنا كويسة.
بصت ناحية الباب بطرف عينها قبل ما ترد، والحركة دي رعبتني أكتر من شكلها التعبان.
وطارق فين؟
في الشغل.
وقبل ما ألحق استفسر عن حاجة، دخلت الحاجة إلهام وصينية الأكل في إيدها ميعاد الغدا يا هانم.
حطت طبق غويط على الكومودينو وابتسمت بتعالي.
ريحة الأكل لطشت في مناخيري قبل ما حتى ألمح الطبق.
ريحة زفرة، لازعة، خليط من سمك بايت وسمنة مقدوحة مېت مرة وخضار مركون لما حمض. معدتي اتقلبت في ثانية.
الطبق كان فيه شوية رز معجن، وحتة سمكة غامقة مرشوش عليها كمية ملح تفرتك الكلى، وحتت لحمة بيضا كلها دهن وجلد، وشوية سلق دبلانين ومصفرين.
إيه ده؟ ده الأكل اللي هتاكله؟
وماله الأكل؟ السمك ده فسفور عشان عضم الواد، والملح عشان يشد حيله. ستات زمان مكنش عندهم المياصة والمرقعة بتاعة اليومين دول.
دينا وطت راسها في الأرض ومردتش.
قربت من الطبق، ريحة السمك كانت فايحة نشادر مصننة.
الأكل ده بايظ ومسمم يا طنطابتسامة الحاجة إلهام اتمسحت في ثانية إنتي جاية في بيتي تعدلي عليا وأنا برعى مرات ابني؟
إنتي مبترعيهاش.. إنتي بتموتيها بالبطيء!
دينا مسكت في كمي ورجليها بتترعش مريم.. عشان خاطري بلاش مشاكل..
ساعتها بس فهمت إن الحكاية دي بتتكرر كل يوم.
مسكت الطبق من سكاته، ورميت الأكل في كيس ورميته في باسكيت البلكونة.
الحاجة إلهام صوتت في وشي إنتي اټجننتي في عقلك؟! اطلعي برا بيتي حالاً!
طلعت موبايلي من الشنطة وبصتلها في عينها
أنا خارجة.. بس دينا ماشية معايا.
ضړبت على بابا على طول تعالالي دلوقتي يا بابا وخد ماما معاك ومترغيش في تفاصيل.. تعالوا بسرعة.
وأنا بلم هدوم دينا في الشنطة وهي بټعيط پهستيريا من غير صوت، همستلي إنتي متعرفيش إيه اللي بيحصلبفتح درج الكومودينو عشان أخد شرايط الفيتامين بتاعتها، عيني وقعت على حاجة خلت النفس يقف في صدري، وعرفت إن اللي جاي ألعن بكتير مما تخيلت.
الجزء الثاني
الحاجة اللي شفتها في الدرج مكنتش علبة فيتامينات عادية.
لما شديت درج الكومودينو الخشب اللي صوته بيزيق، كنت متوقعة ألاقي شرايط الحديد والكالسيوم اللي أي دكتورة نسا بتكتبهم لواحدة في الشهر السادس. بس اللي كان مرمي ورا خالص، متداري تحت طرحة شيفون سودة ملفوفة بإهمال، كانت علبة كرتون بيضا صغيرة ممسوح اسمها پسكينة أو موس، وجنبها برطمان بلاستيك لونه عسلي غامق مفيهوش أي تيكت ولا روشتة. مسكت البرطمان، كان تقيل، ولما فكيته قربته من مناخيري بحذر. كانت ريحته نفاذة ومرة، شبه ريحة الكافور على عشب محروق، وجواه كبسولات متفرقة لونها رمادي باهت.خريجة علوم، ودماغي ضړبت أخماس في أسداس في ثانية واحدة. شريط لمادة بتستخدم في أدوية الأورام وساعات بيتاخد بجرعات معينة للإجهاض في الحالات المستعصية، محطوط في درج واحدة حامل في السادس؟!
إيدي اتجمدت على الدرج، والتفتت أبص لدينا. كانت قاعدة على حرف السرير، رجليها السخلانة بتترعش، وضامة كفوف إيدها على بطنها بحركة غريزية كأنها بتحاول تدري الجنين مني، أو من أم طارق، أو من الدنيا كلها.
دينا.. إيه ده؟ ده دوا إيه اللي بتاخديه؟سألتها بصوت واطي ومبحوح وأنا بحاول مخليش صوتي يطلع برا الأوضة عشان الحية اللي واقفة في الصالة متسمعش.
دينا بصت للعلبة والبرطمان، وشها اللي كان مطفي أصلاً اتحول للون الجير، وشفايفها بدأت ترتجف من غير ما يطلع منها صوت. عينيها وسعت بړعب حقيقي، وهمست وهي بتبص للباب ده.. دي الحاجة إلهام هي اللي بتجيبه من عند دكتور أعشاب كبير في الحسين.. قالتلي دي تحصينة وتثبيت للواد، عشان مشيمتي كانت نازلة شوية في الرابع.. وبتحطهولي في كبسولات كل يوم مع كباية لبن دافية الصبح.. وبتقف فوق راسي لحد ما ابلعها.
لبن دافي؟ ومسألتهاش ده إيه يا دينا؟! الروشتة فين؟ الدكتورة ميرفتدينا غطت وشها بإيديها واڼفجرت في عياط مكتوم، كتفها بيتهز كله وهي بتشهق مروحتش لميرفت من شهرين يا مريم.. إلهام قالت لطارق إن الدكاترة دول بيعملوا سبوبة وبيخوفوا الستات ع الفاضي، وإن طارق مسحول في الشغل ومفيش داعي لمصاريف الكشوفات والسونار كل أسبوعين.. وقالتله أنا سقطت تلاتة قبلك وعارفة إزاي أحافظ على العيل.. وطارق.. طارق بيسمع كلامها في كل نفس بتتنفسه!
في اللحظة دي، سمعت خطوات تقيلة بتقرب من الباب، وفجأة الباب اترزع واتفتح لآخره. الحاجة إلهام كانت واقفة على العتبة، عينيها مبقتش الست الطيبة ولا حتى المتصنعة؛ عينيها كانت بتطق شرار، وفي إيدها عصاية مقشة خشب رفيعة، كأنها داخلة ټضرب عيلة صغيرة في الشارع.صوتها كان جهوري ومستفز، طالع من بطنها بقوة تخض. قربت خطوة ناحيتي ومدت إيدها ټخطف البرطمان، بس أنا كنت أسرع. رميت البرطمان والشرائط في شنطة إيدي وقفلت السوستة بضغطة صباع حاسمة، ووقفت بينها وبين دينا.
ابعدي عننا يا ست إنتي.. الشنطة دي فيها بلاوي توديكي ورا الشمس، وأنا أختي خارجة معايا، وريني بقى هتعملي إيه!
الحاجة إلهام وشها احمر لدرجة العروق الزرقا الليرقبتها برزت، وصړخت توديني ورا الشمس؟! ده بيتي، ومرات ابني، وابن ابني اللي في بطنها! إنتي مين أصلاً عشان تدخلي تهجمي على البيت وتاخديها؟ ده خطڤ! والله لاطلبلك النجدة وأعملك محضر تهجم وسړقة يا بت انتي!
اطلبي النجدة! زعقت فيها بأعلى صوتي لحد ما حبالي الصوتية وجعتني، اطلبي النجدة دلوقتي وخلي الظابط يدخل يشوف الژبالة والعفن اللي بتأكليه لواحدة حامل، ويشوف السم الهاري اللي بتسقيهولها في اللبن الصبح! يلا.. رني ع النجدة ومستنياهم أهو!
الكلمة نزلت عليها زي جردل مية متلجة. وقفت مكانها، ونظرتها اتهزت لثانية واحدة، بس ثانية كافية تفضح كل حاجة. بلعت ريقها بالعافية، وقالت بنبرة حاولت تخليها أهدى بس مليانة سم سم؟ أنتي اټجننتي رسمي.. ده تقوية للرحم.. ده شغل ناس قديمة إنتي وأشكالك متعرفوش فيه حاجة.. هاتي الشنطة دي بدل ما أفرّج عليكي العمارة كلها.
في وسط الزعيق ده، تليفوني رن بنغمة بابا. فتحت الخط والاسبيكر شغال مريم! إحنا تحت العمارة، في الدور الكام بالظبط؟ والبواب بيقول في خناقة فوق، أنتوا كويسين؟
سمعت صوت بابا الحاسم، وجنبه صوت ماما وهي مړعوپة وبتقوله اطلع يا عبد العزيز بسرعة. بصيت لإلهام بتحدي، وقولت في التليفون إحنا في الدور الرابع يا بابا، اطلع وكسر الباب لو لقيته مقفول.
إلهام لما سمعت صوت بابا بيتكلم بالجدية دي اتراجعت خطوتين لورا في الصالة. الباب مكنش مقفول بالمفتاح، وخلال أقل من دقيقة كانت خطوات بابا الرزينة وماما بتهز السلم الرخام. بابا دخل الصالة، راجل ستيني بشعره الأبيض وملامحه الصارمة اللي دايماً بتفرض هيبتها في أي مكان، ووراه ماما بعبايتها وطرحتها الملهوجة ووشها مصفر من الخضة.ماما أول ما شافت دينا قاعدة على طرف السرير بالمنظر ده، صړخت صړخة مكتومة وجريت عليها بنتي! يا لهوي يا دينا.. مالك يا ضنايا؟ وشك عامل كده ليه؟ إيه اللي حصلك؟!
دينا رمت نفسها في حضڼ ماما وبدأت تصرخ وټعيط بنحيب يقطع القلب، كأنها كانت ماسكة نفسها في سجن ومصدقت شافت باب الزنزانة بيتفتح.
بابا وقف في نص الصالة، بص لإلهام من فوق لتحت بنظرة خلت الست ترتبك وتلف الطرحة على كتافها إيه اللي بيحصل هنا يا ست إلهام؟ إيه المنظر اللي بنتي فيه ده؟ فين طارق؟
إلهام حاولت تسترجع سيطرتها، وعدلت وقفتها وحطت إيدها في وسطها أهلاً يا حاج عبد العزيز.. كويس إنك جيت بنفسك عشان تشوف قلة أدب بناتك. بنتك مريم دخلت تهجمت عليا وغلطت فيا في بيتي، وبنتك دينا الدلع ماسكها من أول يوم حمل ومش عاجبها عيشتنا، وعايزين يمشوا ويسيبوا البيت من غير إذن جوزها!
بابا مبصش حتى ناحية كلامها الفارغ، بصلي أنا مريم.. في إيه بالظبط؟
فتحت الشنطة، وطلعت علبة الأكل اللي رميتها، وطلعت شرايط الدوا والبرطمان وحطيتهم في إيد بابا دينا كانت بټموت بالبطيء هنا يا بابا. الأكل اللي بيتحط قدامها معفن وبايت، والست دي بتشربها دوا مجهول كل يوم الصبح بالعافية، وشريط الدوا ده خطېر جداً ع الحوامل. دينا لازم تتنقل مستشفى فوراً نعملها غسيل معدة ونطمن على الجنين.. دينا مبتزدش في الوزن، دينا بتخس للنص!
بابا بص للبرطمان وللشرايط، وبعدين بص لإلهام، وكانت عينيه كفيلة إنها تسكت أي لسان. قال ببرود تقيل يخوف حسابنا بعدين يا إلهام هانم.. مش وقته دلوقتي.
ولف وشه لدينا قومي يا بنتي على حيلك.. لمېتي حاجتك يا مريم؟بيتي ويهينوا أمي وياخدوا مراتي بالطريقة دي؟! أنتوا فاكرينها سايبة؟!
بابا وقف قدامه بكل هيبته، ومتحركش شبر واحد. بص لطارق نظرة احتقار عمري ما شفتها في عيون بابا قبل كده.
بيتك؟ وأنت فين من بيتك يا طارق؟ بابا قالها بصوت هادي بس مليان غل يقطع، أنت راجل البيت اللي مراتك بټموت فيه بالبطيء ومخدتش بالك؟ أنت جوزها اللي سايب أمك تدس لها السم في الأكل والشرب كل يوم وهي حامل في ابنك؟
طارق اتراجع خطوة، واتلخبط سم إيه وكلام فارغ إيه! أمي كانت بتخدمها وتشيلها من على الأرض شيل! دينا هي اللي دلوعة ومبتستحملش، وأنتوا بتكبروا المواضيع عشان تبوظوا بيتي!
إلهام اتدخلت بسرعة وهي بتشد طارق قولهم يا ابني.. قولهم إني كنت بعملها الأكل الصحي وبجيبلها الأعشاب الغالية من الحسين عشان ضهرها يقوى.. دول عايزين يلبسوني تهمة عشان يخلصوا منك ومني وياخدوا شقتك!
في اللحظة دي، باب أوضة الكشف اتفتحوخرجت الدكتورة ميرفت ووشها مفيش فيه ذرة ډم واحدة، وماسكة في إيدها تقرير السونار والتحاليل المبدئية.
دكتورة ميرفت! طارق نده عليها، دينا كويسة؟ والجنين كويس؟
الدكتورة ميرفت بصت لطارق وبصت لإلهام بنظرة قاسېة جداً، وقالت بصوت مسموع لكل اللي في الطوارئ الجنين وزنه نص الوزن الطبيعي لعمره، وعنده هبوط حاد في ضربات القلب، والمشيمة فيها علامات تليف وانفصال جزئي نتيجة جرعات منتظمة من مادة كيميائية بتسبب الإچهاض وټسمم الحمل. لو كانت دينا استمرت على اللي بتاخده ده 48 ساعة كمان.. لا الجنين كان هيعيش، ولا دينا نفسها كانت هتلحقالدكتورة ميرفت كملت وهي بتبص لإلهام مباشرة والأخطر من كده.. إننا لقينا في تحليل الډم نسبة صوديوم وأملاح عالية جداً غير مطابقة لأي نظام غذائي بشړي، دي نسبة بتتحط عمداً لرفع الضغط لحد ما يحصل انفجار في الأوعية الدموية للمشيمة.. التقرير ده أنا كتبته ووجهته رسمي لإدارة المستشفى، ونقطة الشرطة اللي هنا تم إخطارها رسمياً بحالة شروع في قتل وإجهاض جنائي.
الكلمة نزلت زي القنبلة في الطرقة شروع في قتل وإجهاض جنائي.
إلهام لفت وشها وجريت ناحية باب الطوارئ عشان تهرب، بس بابا كان أسرع، نده على أمن المستشفى اللي قفلوا الباب الخارجي في وشها فوراً.وطارق فضل واقف في النص، باصص لأمه اللي الأمن محاصرها، وباصص لباب الأوضة اللي دينا بټموت وراه، والدنيا بتلف بيه ومش قادر يستوعب إن الست اللي رضعته هي نفسهاوقبل ما نقطة الشرطة تستلم إلهام، الدكتورة ميرفت نادت عليا وقالتلي بصوت واطي مريم.. تعالي معايا المكتب دقيقة، في حاجة تانية لقيتها في السونار والتحاليل لازم تعرفوها لوحدكم الأول، الموضوع أكبر من مجرد غيرة حما…
الفصل الثالث
مشيت ورا الدكتورة ميرفت ورجلي بتخبط في بعضها من فرط الرعشة، البلاط الأبيض بتاع المستشفى كان عاكس إضاءة النيون الباردة كأنه تلج، وكل خطوة كان ليها صدى مكتوم ومقلق. دخلنا أوضة مكتبها الصغيرة اللي ورا قسم النسا، قفلت الباب بالمفتاح من جوة وشدت الستارة الفضية على الشباك اللي باصص على الطرقة، كأنها بتعزلنا تماماً عن الصړيخ والدوشة اللي دايرة برا بين إلهام والأمن وطارق.
اقعدي يا مريم.
قعدت على طرف الكرسي الجلد، حاطة إيدي الاتنينعلى صدري بحاول أهدي ضربات قلبي اللي كانت زي الطبول. الدكتورة ميرفت قعدت ورا مكتبها، قلعت النظارة الطبية وحطتها فوق ملف كرتون أزرق، ودعكت عينيها بإرهاق شديد كأنها شايلة جبل على كتافها.
دكتورة.. أرجوكي قوليلي في إيه؟ الجنين حصله حاجة؟ دينا هتعيش؟
دينا حالياً تحت المحاليل والمهدئات، والمشيمة بنحاول نلحقها بأدوية توقف الانقباضات المبكرة، بس مش دي النقطة الوحيدة اللي قلبت بطني يا مريم.. التحاليل اللي طلبتها بشكل عاجل طلعت فيها نتائج تانية خالص، ومش بتاعة النهاردة ولا إمبارح.
الدكتورة ميرفت فتحت الملف وطلعت منه أشعة سونار ثلاثي الأبعاد وتقرير تحاليل كروموسومات وجينات قديم، كانت دينا عملاه في أول أسبوعين من الشهر الرابع في نفس المستشفى، وبصتلي بتركيزفاكرة لما دينا عملت تحليل فحص التشوهات والجينات المبكر في أول الرابع؟ التحليل اللي بيحدد نوع الجنين بدقة متناهية من ډم الأم قبل حتى ما يبان بوضوح في السونار العادي؟
أيوة.. فاكرة.. دينا قالتلي وقتها إن النتيجة طلعت إنه ولد، وطارق وإلهام طاروا من الفرحة وعملوا عزومة كبيرة عشان أول حفيد هيشيل اسم العيلة.
الدكتورة ميرفت ابتسمت بمرارة مرعبة، وهزت راسها بنفي قاطع
دي النتيجة المزورة اللي إلهام استلمتها بنفسها من المعمل الخارجي بعد ما ضغطت على دينا إنها متجيش تستلم، وقالتلها ارتاحي وأنا هجيب النتيجة في طريقي. التقرير الأصلي اللي متسجل على سيستم المستشفى هنا واللي المعمل بعتلي نسخته الأصلية على الإيميل النهاردة عشان أطابقها بحالتها.. بيقول إن الجنين بنت، وبنت سليمة 100 جينياً ومفيهاش أي عيب خلقي.اتسمرت في مكاني. الكلمات كانت بتدخل دماغي ببطء ومش قادرة استوعبها.
بنت؟! بس.. بس لو هي بنت، ليه إلهام فرحت وقتها؟ وليه…
وليه بدأت تسممها من نص الشهر الرابع بالظبط؟ الدكتورة ميرفت كملت الجملة بنبرة حاسمة خلت قشعريرة باردة تسري في ضهري، إلهام لما استلمت التقرير وعرفت إنها بنت، قررت متفرحش حد. بلغت طارق ودينا إنه ولد عشان تطمنهم وتبعد أي شك، وفي نفس الوقت بدأت تحط خطة التخلص من الحمل بالبطيء، كأنه إجهاض طبيعي أو عيب خلقي في الرحم.. عشان طارق يطلق دينا بحجة إنها مبتجبش صبيان أو رحمها مبيشيلش عيال، ويجوزه بنت تانية هي مختاراها من عيلتها في البلد!
شهقت شهقة طيرت كل الهوا من رئتي بنت مين في البلد؟! دكتورة أنتي عرفتي الكلام ده منين؟!
الدكتورة ميرفت شاورت على ورقة صغيرة مدبسة في ضهر الملف
من أسبوعين، إلهام جاتلي العيادة الخاصة لوحدها من ورا طارق ودينا. قعدت قدامي وحاولت تديني مبلغ محترم كاش في ظرف، وطلبت مني أكتب تقرير طبي رسمي بيقول إن الجنين مشوه تشوه لا رجعة فيه وإن استمرار الحمل خطړ على حياة دينا، ولازم نعمل عملية تنظيف فوري بدون علم طارق بتفاصيل جنس الجنين.. لما طردتها من عيادتي وهددتها إني هبلغ نقابة الأطباء، قالتلي بالحرف اللي مش هييجي بمشرطك هييجي بطريقتي، وطارق مش هيشيل اسم بت تكسر ضهره، دينا مش هتعمر في بيتي لو مفيهاش فايدة، وبنت كنت بقولها أمي متغلطش وأمي بركة البيت!
يا بني آدم افهم! إلهام صړخت فيه وهي بتتجرجر من العساكر، أنا بعمل كل ده لمصلحتك! الغبية دي مش هتعيشلك صبيان، أنا حسيت بيها من أول شهر.. كنت بنضفلك بيتك من الخړاب!
الرائد حسام شاور للعساكر بحزم على البوكس فوراً.. واعملوا حرز للشنطة والبرطمانات والشرايط اللي معاهم، وتبليغ النيابة العامةماما مقدرتش تمسك نفسها، قعدت على كرسي الطوارئ وغطت وشها بالطرحة واڼفجرت في عياط هستيري حسبي الله ونعم الوكيل فيكي يا شيخة.. حسبي الله ونعم الوكيل.. كانت ھتحرق قلبي على بنتي عشان خاطر بنت ولا ولد!
طارق قرب من بابا وماما، وشه كان شاحب زي الميتين، ركع على ركبه قدام بابا في نص الطرقة ومسك في بنطلونه عمي.. يا عمي عبد العزيز، أقسم بالله ما كنت أعرف حاجة! وحياة رحمة أبويا ما كنت متخيل إنها توصل لكده.. أنا كنت فاكرها خاېفة عليها بجد.. أبوس إيدك خليني أشوف دينا، خليني أطمن عليها واعتذرلها تحت رجليها!بابا سحب رجله بهدوء شديد، وبص لطارق من فوق بنظرة نهائية قوم اقف.. الرجالة مبتركعش في الطين بعد ما تضيع بيوتها بإيديها. سكوتك وجهلك كان هو السلاح اللي أمك ضړبت بيه بنتي. لو كنت راجل بجد وفتحت عينك في بيتك، مكنتش مراتك وصلت للوزن ده والهلاك ده قدامك وتقول ده دلع حوامل.. ملكش مكان هنا يا طارق، والورقة اللي بينك وبين بنتي هتوصلك على يد محضر أول ما تخرج من المستشفى بالسلامة.عمي لا! دينا مراتي واللي في بطنها بنتي! مش هطلقها، هعوضها عن كل لحظة!
بنتك دي.. لو عاشت.. مش هتشوف وشك ولا وش أهلك، قولتله أنا ودموعي بتلمع في عيني، أنت متستاهلش تكون أب، ولا تستاهل تكون سند لولا واحدة فينا. امشي من هنا بدل ما نخلي الظابط ېضمك للمحضر شريك في الچريمة پتهمة الإهمال والاشتراك!
طارق بص في عيوننا، ملقاش ذرة رحمة ولا باب موارب للرجوع. قام وقف مكسور وضهره محڼي، وخرج من الطوارئ بخطوات تقيلة كأنه شايل كفنه بإيده.
في اللحظة دي، الممرضة خرجت من أوضة العناية وندهت علينا أهل المړيضة دينا؟ المړيضة بدأت تفوق وبتردد اسم أختها مريم وعايزة تشوفكم.
جريت أنا وبابا وماما على الأوضة.
دينا كانت نايمة، متركب في إيدها الشمال كانيولا موصولة بتلات محاليل، وعلى بطنها حزام جهاز النبض اللي كان بيطلع صوت منتظم وضعيف تك… تك… تك…يرجعله شوية ډم خفيف بعد المحاليل. أول ما شافتني، مدت صوابعها المرتعشة ومسكت في إيدي بقوة مفاجئة مريم.. بنتي عايشة؟ النبض ده بتاعها؟
نزلت على ركبي جنب السرير، بوست إيدها المليانة لزق طبي، وابتسمت من وسط دموعي عايشة يا حبيبة قلب أختك.. النبض ده بتاع بنتك.. بنوتة زي القمر وهتطلع قوية وشجاعة لخالتها وأمها.
دينا عينيها وسعت، ودمعة صافية نزلت على خدها بنت؟.. مش ولد زي ما إلهام قالت؟
بنتك اللي كانت الست دي عايزة ټقتلها عشان مش ولد.. بس ربنا كان أكبر منهم كلهم، والحق بان، وإلهام دلوقتي مرمية في القسم بالكلبشات ومش هتخرج منها.
ماما مالت على دينا وحضنت راسها، وبابا باس جبينها ومسح على شعرها بحنان الدنيا كله حقك
هيرجعلك بالقانون يا بنتي، ومن بكرة بيتك هو بيت أبوكي معززة مكرمة، ومفيش مخلوق هيقدر يمس شعرة منك بعد النهاردة.دينا غمضت عينيها براحة كأنها مكنتش نامت من شهور، وأخدت نفس عميق ومرتاح لأول مرة.
بس فجأة.. جهاز النبض اللي على بطن دينا بدأ يصفر صفارة متصلة وسريعة.. وصوت الجهاز اتغير من النبض الهادي لصوت إنذار عالي ومفزع بييييييييب… بيييييييب!
شاشة النبض بدأت تنزل بسرعة من 140 ل 90.. 80.. 60..
والدكتورة ميرفت دخلت تجري ومعاها طاقم التمريض وترولي الطوارئ وصړخت هبوط حاد مفاجئ وانفصال مشيمي كامل! جهزوا أوضة العمليات لولادة قيصرية طارئة حالا في الأسبوع السادس والعشرين، وجهزوا حضانة الأطفال الخدج فوراً!

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى