
كان موارب.
وسمعتها بتقول وهي بتعيط:
— أنا ماكنتش عايزة الموضوع يوصل للدرجة دي.
اتجمدت.
صوت أدهم جالها هادي:
— اهدي بس.
قالت:
— أنا افتكرت الناس هتشوفه يومين وخلاص.
قلبي ضرب ضربة قوية.
إيه اللي الناس هتشوفه يومين؟
قربت أكتر.
وسمعت أدهم يقول:
— الحساب اتقفل خلاص؟
نادين ردت:
— قفلته.
رجلي بردت.
الحساب؟
إيه الحساب اللي قفلته؟
سمعتها تكمل:
— بس الفيديو اتاخد واتنشر في كل حتة. أنا ماكنتش متخيلة إنه ينتشر بالشكل ده.
حسيت إن الدنيا بتلف بيا.
حطيت إيدي على الحيطة.
أدهم قال:
— خلاص، حصل خير.
نادين شهقت.
— حصل خير إزاي؟ مريم بتقول إنها هترفع .
سكت أدهم.
وبعدين قال:
— كريم وسارة بيحاولوا يمنعوها.
نفسي وقف.
كريم؟
سارة؟
عرفوا؟
نادين قالت بسرعة:
— ومرات خالتك؟
— أمي كلمتها.
قفلت عيني.
أمي كلمتها.
كلهم.
كلهم كانوا عارفين.
وفجأة نادين قالت:
— بس أنا عملت اللي عملته عشانك إنت.
سكتت لحظة.
وبعدين جت الجملة اللي كسرت آخر حاجة سليمة جوايا.
— أنا بقالي سنة مراتك في السر يا أدهم.
ماحسيتش غير بإيدي وهي بتدفع الباب.
الباب اتفتح مرة واحدة.
الاتنين لفوا ناحيتي………..
ارتطمت ضلفة الباب بالحيط، والصوت كان زي في هدوء المكتب.
أدهم اتنطر من كرسيه، ونادين شهقت وهي بتمسح دموعها بسرعة وبتبصلي بذعر.
فضلت واقفة مكاني عند العتبة. حاسة إن في تلج ماشى في عروقي، ومش قادرة آخد نفسي. نظراتنا التقوا.. أدهم، الراجل اللي كنت فاكرة إنه الشخص الوحيد اللي مستحيل يخذلني، كان وشه أصفر زي الورد الدبلان.
نادين قامت وقفت ورجعت خطوة لورا، كأنها مستخبية ورا أدهم.
— مريم… إنتِ… إنتِ جيتي إمتى؟
الكلمة طلعت من بق أدهم مكسورة. بصيتله بس. ما نطقتش.
كنت بصالهم هما الاتنين، وبحاول أربط الخيوط ببعضها في دماغي. السنين اللي فاتت كلها مرت قدام عيني في ثواني. عزومات العيلة، نظرات حماتي، دخولات نادين الخفيفة لبيتنا، المكالمات اللي كانت بتتقفل أول ما أدخل الأوضة، واليوم.. الـ 300 مكالمة، والفيديو المفبرك، والمكالمات المستميتة من كريم وسارة وحماتي عشان “أدفن الموضوع وأسكت”.
كلهم كانوا متغطين على القذارة دي.
كلهم كانوا عارفين إن بنت خالة أدهم هي اللي فبركت الفيديو ونشرته، مش عشان تفضحني بس.. عشان أجبر على السكوت وأتكسر، أو يمكن عشان أطلب الطلاق وأسيب الساحة فاضية للجوازة المستخبية!
أدهم قرب مني خطوتين ورَفَع إيديه:
— مريم.. اهدي.. أنا هفهمك كل حاجة.. الموضوع مش زي ما إنتِ فاهمة.
ضحكت.
ضحكة واطية ومكتومة، طلعت من وسط قهرتي.
— مش زي ما أنا فاهمة؟ أصل المحامي الكبير العظيم هيشرحلي إزاي بنت خالته.. قصدي مراته السحرية اللي في السر.. فبركتلي فيديو فاضح ونشرته على النت عشان تتسلوا عليا؟
نادين صرخت فجأة وهي بتعيط بحرقة:
— أنا ماكنتش قاصدة أعمل فيكي كده! أنا كنت عايزة أعمل حوار صغير أفرق بينك وبينه.. ماكنتش أعرف إن الفيديو هينتشر كده وملايين هيشوفوه!
— اسكتي يا نادين!
أدهم زعق فيها بصوت هز المكتب، وبعدين بصلتي ونبرة صوته اتغيرت للدفاع والمساومة:
— مريم.. نادين غلطت.. غلطة طيش وغيرة، وهي معترفة بغلطها.. الحساب اتقفل، وأنا هخليها تفرمت كل حاجة عندها، والناس بكره هتنقل على فضيحة جديدة وتنسى. بس لو رفعتِ .. الموضوع هيفضل شغال في المحاكم، واسم العيلة هيتدمر، واسمك إنتِ كمان هيتقلب في كل الجرايد!
بصيت في عينيه. ملامحه اللي كنت بعشقها بفت فيها وش شخص غريب.. مجرم بيحاول يحمي مجرمة زيّه.
— عشان كده كريم جه؟ عشان كده سارة شدت الملف من إيدي؟ عشان كده أمك اتصلت بيا بدم بارد وتقولي “لو عندك ذرة احترام لجوزك تدفني الموضوع”؟ كلكوا اتفقتوا عليا؟ كلكوا كنتوا عارفين إنها هي، وخايفين على صورتها وصورتك إنت، ومحدش فيكوا فكر فييا أنا؟ في سمعتي أنا؟ في حقي؟
أدهم مسك إيدي بجنون:
— مريم.. أنا جوزك! 5 سنين يا مريم! ما تهديش بيتك عشان لحظة طيش! أنا هعوضك.. هخلي نادين ترحل من البلد خالص.. تسافر لأي حتة.. بس بلاش محاكم! بلاغ واحد من محامي زيي بتهمة التزوير الإلكتروني والفبركة هيضيع مستقبلها ومستقبلي!
شدّيت إيدي منه بقوة وأنا بلطشه على إيده:
— ما تلمسنيش! إنت بيتك مهدوم من سنة يا أدهم! من الساعات اللي كنت بتروح لها فيها في السر وتيجي تنام جنبي في سرير واحد وتكدب عليا!
نادين قربت وهي بتترجى:
— مريم.. أرجوكي.. أنا مستعدة أعملك أي حاجة.. أعتذرلك، أديكي فلوس، أعمل أي حاجة.. بس بلاش محاكم.. خالي لو عرف هيموتني، وأدهم شغله هيتدمر!
بصيت لنادين بقرف. كانت باصالي بعيون مرعوبة.. نفس البنت اللي كانت بتقعد في بيتي وتاكل من أكلي وتاخدني بالحضان.
مسكت الملف اللي كان في إيدي بضغط عليه بأصابعي لدرجة إن الورق اتعصر.
— إنتوا فاكرين إن الفبركة هي قضيتكم الوحيدة؟ إنتوا فاكرين إنكم بتتعاملوا مع مريم الهادئة اللي بتعدي كل حاجة عشان المراكب تسير؟
طلعت موبايلي من شنطتي بسرعة، وأدهم حاول يمد إيده ياخده مني، بس أنا واجهته بنفس اللحظة ونظرتي كانت كفيلة تخليه يتسمر مكانه.
— الخطوة الجاية هتعرفوها في النيابة.
لفت ظهري ومشيت بسرعة باتجاه الباب.
أدهم جرى ورايا في الطابق:
سيبته ورايا ودست بنزين بكل قوتي.
العربية كانت بتجري بينا، ودموعي كانت بتنزل بسرعة رهيبة، بس إيدي على الطارة كانت ثابته. الصدمة الأولى عدت.. وجاي وقت التخطيط.
وأنا ماشية في الطريق، موبايلي بدأ يرن من جديد.
كريم.
وبعديه سارة.
وبعدين حماتي “مدام سلوى”.
الرسائل كانت بتتوالى على الشاشة:
“مريم ردّي بسرعة، أدهم اتصل بينا وهو متجنن!”
“يا مريم تعالي البيت نتكلم بالعقل، ما توديش نفسك وتودينا في داهية!”
“لو عملتي كده مش هنسيبك يا مريم!”
قفلت الموبايل خالص وحطيته جنبي على الكرسي.
كنت محتاجة أفكر بوضوح. أدهم محامي شاطر، وعارف ثغرات القانون كويس. لو أنا دخلت المعركة دي باندفاع، هيعرف يلف الموضوع ويدبس نادين في “حساب مهكور” أو يقول إن الفيديوهات ملهاش أصل معلوم، أو حتى يضغط عليا بالشهود اللي هما أهله.
لازم أكون أذكى منهم كلهم.
العربية خدتني على مكان واحد.. مكتب الأستاذ فاروق.
الأستاذ فاروق كان المحامي الكبيرة اللي اتدربت عنده زمان، راجل خبير في القضايا الجنائية ومعروف إنه ما بيكسبش قضايا غير بالحق، وما بيخافش من حد.
دخلت عنده المكتب وأنا بالمنظر ده.. وشي أصفر وعيوني أحمرت من الدموع.
أول ما شافني، قام من على كرسيه بذهول:
— مريم؟ في إيه يا بنتي؟ إيه اللي حصلك؟
قعدت قدامه، وحطيت الملف على مكتبه، وحكيتله كل حاجة من أول الـ 300 مكالمة الصبح، مرورًا بالزيارة الغريبة لـ كريم وسارة ومكالمة حماتي، لحد ما دخلت مكتب أدهم وسمعت الاعتراف بأذني.
الأستاذ فاروق كان بيسمعني وهو حاطط إيديه على دقنه، وملامح وشه بتتحول من الصدمة للغضب الشديد.
لما خلصت كلامي، سكت شوية وهو بيبص للملف، وبعدين قال بنبرة هادية وبطيئة:
بصيتله بأمل:
— هنعمل إيه يا متر؟
الأستاذ فاروق ابتسم ابتسامة خفيفة، ومال على المكتب:
— زي إيه؟
كمل وهو بيفتح درج مكتبه وبيطلع استمارة:


