أربعين سنة وأنا كل أسبوع بروح أزور تلات

أربعين سنة وأنا كل أسبوع بروح أزور تلات قبور مافيهاش . أقف قدامهم وأقرأ الفاتحة وأقنع نفسي إن مراتي وولادي راحوا وإن النهر أخدهم من غير ما يسيب لي حتى فرصة أودعهم. أربعين سنة وأنا مقتنع إنهم ماتوا. لحد اليوم اللي قررت فيه أفضي أوضة بنتي قبل ما أبيع البيت. وأنا برفع مرتبة سريرها، لقيت ظرف صغير مستخبي تحتها. أول ما شفت خط الإيد اللي عليه، حسيت إن قلبي وقف ولما فتحت الرسالة وقريت أول سطر. عرفت إن الأربعين سنة اللي فاتوا كانوا أكبر كذبة عشتها في حياتي.
بعد مرور أربعين سنة على اليوم اللي خرجت فيه مراتي مع ولادنا في زيارة قصيرة واختفت من غير أي أثر لقيت صندوقًا صغيرًا مستخبي جوّه مرتبة بنتي.
أول سطر في الرسالة اللي كانت جواه خلّى الدم يتجمد في عروقي
يا عاصم لو الرسالة دي وصلت لإيدك، يبقى أكيد حصل لي حاجة. اقرا كل كلمة كويس وما تثقش في أحتي.
أربعين سنة كاملة وأنا عايش على يقين إن مراتي وولادي ماتوا في النهر وأني خلاص استسلمت للحقيقة اللي قالتها الشرطة ورضيت بالحكم اللي كتبته الدنيا عليّا، لكن في اللحظة دي وأنا ماسك الورقة بإيد بترتعش، فهمت إن الحقيقة ما كانتش مدفونة في قاع النهر ولا بين ملفات القضية ولا في شهادات الشهود الحقيقة كانت مدفونة جوّه بيتي طول السنين دي كلها ومستنية اليوم اللي أوصل لها.
الغريب إن صباح اليوم ده بدأ عادي جدًا، كأنه واحد من آلاف الأيام اللي عدّوا عليّ من بعد اختفائهم.
صحيت بدري، أخدت دوا الضغط وقعدت أبص في البيت اللي بقى أوسع من قدرتي على احتماله وكل ركن فيه كان بيفكرني بحد راح ومارجعش، لحد ما سمعت جرس الباب ولما فتحته لقيت
ابن أخويا يوسف واقف، شايل اتناشر كرتونة فاضية وباين على وشه إنه فقد الأمل في إني أغيّر رأيي.
دخل وهو بيحط الكراتين على الأرض وبصلي بعتاب ما حاولش يخبيه وقال
يا عمي عاصم إنت قعدت واقع على أرضية المطبخ تلات ساعات قبل ما حد يوصلك.
ابتسمت ابتسامة مرهقة وقلت وأنا بحاول أقلل من اللي حصل
ساعتين ونص بس.
هز راسه وقال وهو بيبصلي بنظرة كلها خوف عليّا
تصحيحك ده هو أكبر دليل إنك ما ينفعش تعيش لوحدك.
زفرت بهدوء وقلت
رجلي زلقت.
رد من غير ما يديني فرصة أهرب من الحقيقة
وزلقتك دي خلتك ما تقدرش توصل للموبايل والدكتور قال بنفسه إن المرة الجاية ممكن تفضل واقع لحد الصبح وساعتها يمكن ما يبقاش فيه حد يلحقك.
سكت لأن الحقيقة المرة كانت إنه معاه حق.
كان عندي تلاتة وسبعين سنة وجسمي بقى أضعف من إنه يقاوم الوحدة، لكن قلبي كان لسه متعلق ببيت خرجت منه مراتي وولادي من أربعين سنة وما رجعوش له أبدًا.
يوسف بقاله سنين يحاول يقنعني أبيع البيت وأروح أعيش معاه وأنا كل مرة كنت أرفض، مش عشان الحيطان ليها قيمة، لكن لأن البيت ده كان آخر مكان سمع ضحكتهم وآخر مكان جريت فيه خطواتهم وآخر باب اتقفل وراهم وهم خارجين وقالوا لي راجعين بعد كام يوم.
وفي اليوم ده وافقت.
لكن بشرط واحد بصيت له وقلت بجدية
ولا ورقة ولا لعبة ولا أي حاجة في البيت تترمي من غير إذني.
ضحك وهو بيرفع أول كرتونة وقالإنت لسه محتفظ بفواتير من سنة ١٩٨٩.
ابتسمت ابتسامة باهتة وقلت وأنا ببص ناحية الدولاب القديم
الورق ذاكرته أقوى من البشر.
هز كتفه وهو بيقول
طيب نبدأ منين؟
قلت من غير لحظة تردد
من أوضة مصطفى.
فتحت الباب وكأني بفتحه لأول مرة، رغم إني كنت بدخله كل يوم، لكن من غير ما ألمس حاجة.
كان مصطفى عنده ست سنين يوم اختفى والعربيات الصغيرة لسه مرصوصة فوق الرف بنفس النظام اللي كان بيزعل لو حد غيره بوظه والبطانية الزرقا متنية عند طرف السرير، كأنها مستنياه يرجع آخر النهار، يرمي شنطته ويستخبى تحتها وهو بيضحك.
مشيت ناحية الكومود وخدت الساعة الفضية اللي كانت جنب الأباجورة ولفّيت مفتاحها وبعدها قربتها من ودني، فسمعت صوت التكتكة لسه شغال، كأن الزمن هو اللي وقف مش الساعة.
يوسف كان بيتابعني في هدوء وبعد لحظة سأل
هي لسه شغالة؟
قلت وأنا ببص للعقارب
بتتأخر أربع دقايق كل يوم.
ابتسم وقال
طب طالما بايظة ليه كل شوية تظبطها؟
فضلت أبص لها شوية وبعدها حطيتها في جيبي وقلت بصوت خرج مني بصعوبة
عشان مصطفى كان بيزعل جدًا لما كانت توقف وكان كل ليلة يقولي يا بابا، خليك مصحيها عشان تعرف تصحيني الصبح.
بلع يوسف ريقه وسكت.
وقفلنا أوضة مصطفى ودخلنا أوضة مريم.
كانت عندها تسع سنين لما اختفت وكانت تقعد بالساعات تخيط فساتين صغيرة لعرايسها وكل غرزة كانت تطلع ميلة، لأنها كانت تشد الخيط زيادة عن اللزوم وكل ما أمها تضحك عليها، كانت ترفع راسها بفخر وتقول إنها لما تكبر هتبقى أشهر مصممة فساتين في البلد.
بيت العرايس اللي صنعته بإيديها كان لسه واقف جنب الشباك وبابه الأمامي معوج بالشكل اللي سابته عليه آخر مرة.
يوسف مد إيده ناحية الباب وهو بيقول
أعدله؟
قلت بسرعة وبحدة خلت حتى أنا أستغربها
ما تلمسوش.
سحب إيده فورًا وبصلي باستغراب وقال وهو لسه مركز عينه على بيت العرايس
أربعين سنة ولسه ما عدلتش الباب؟
نزلت بعيني للأرض وابتسمت ابتسامة باهتة مالهاش أي ملامح.
عارف.
ما قدرتش أقول أكتر من الكلمة دي.
لأن الحقيقة كانت أبسط وأوجع من أي تفسير.
أنا ما كنتش بسيب أي حاجة مراتي أو ولادي لمسوها تتغير وكأن كل تفصيلة في البيت كانت آخر خيط بيربطني بيهم ولو قطعته، هحس إني بدفنهم للمرة التانية.
التعب كان أخد من جسمي أكتر مما توقعت، فقعدت على طرف سرير مريم وسندت ضهري وأنا بحاول أريح نفسي دقيقة قبل ما نكمل ترتيب الأوضة.
وفجأة طلع صوت مكتوم من تحت المرتبة، صوت حاجة صلبة خبطت في خشب السرير.
أنا ويوسف بصينا لبعض في نفس اللحظة.
وقال بسرعة
ده السرير؟
هزيت راسي بالنفي.
لأ.
قطب جبينه باستغراب وقال
عرفت منين؟
بصيت ناحية السرير وقلت بابتسامة حزينة
اشتغلت نجار أكتر من خمسة وأربعين سنة وأعرف صوت الخشب حتى وهو بيتنفس. ده مش صوته.
قمنا شيلنا المرتبة بحذر.
وفي اللحظة اللي قلبناها فيها وقعت عيني على جزء صغير من القماش كان متخيط بخيط لونه مختلف عن باقي المرتبة والغريب إن غرز الخياطة نفسها كانت ميلة وغير منتظمة، كأن اللي عملها كان لسه بيتعلم.
وقفت مكاني ومديت صوابعي ألمس الغرز واحدة واحدة.
ولقيت نفسي بقول بصوت خرج مخنوق من غير ما أحس
دي خياطة مريم
سكت لحظة وعديت صوابعي على الخيط كأني بلمس إيد بنتي نفسها، قبل ما أكمل
كانت كل مرة تشد الخيط زيادة عن اللزوم وأقولها سيبيه يريح في إيدك، كانت تضحك وتقول ما ينفعش الحاجة تفلت يا بابا.
حسيت إن نفسي بقى تقيل.
لكن فضولي كان أقوى. جبت مقص صغير من فوق التسريحة وابتديت أفك الخياطة غرزة غرزة وأنا حاسس إن كل غرزة بتتفك معاها سنة من السنين اللي ضاعت من عمري.
ولما فتحت الفتحة أخيرًا مديت إيدي لجوه المرتبة ولمست جسم خشبي صغير.
شدّيته براحة وطلع معايا صندوق خشب قديم، مغطى بطبقة سميكة من التراب، كأنه كان
مستخبي هناك من عمر كامل ومستني اللحظة دي بالذات علشان يخرج للنور.
بص يوسف للصندوق وبصلي، من غير ما واحد فينا ينطق.
فتحت الغطا. كان جواه شوية صور قديمة ورسالة مكتوب عليها اسم غنوة وكارت عيد ميلاد باهت الألوان ورسالتين متطويين بعناية، كأن صاحبهما كان خايف حد يفتحهما قبل أوانه.
مديت إيدي للصور الأول.
وأول ما بصيت فيها حسيت بقلبي بينقبض.
كانت صور ليا وأنا واقف جنب زميلة معايا في الشغل.
في صورة كنت بحط إيدي على دراعها بعد حفلة تكريم في الشركة.
وفي صورة تانية كنا داخلين كافيه مع باقي زمايلنا، لكن زاوية التصوير خلتنا باينين لوحدنا.
وأول ما شفت الصور فهمت فورًا إزاي أي حد يشوفها من غير ما يعرف حقيقتها، يقدر يفسرها بطريقة تانية خالص.
لكن رغم صدمة الصور ما كانتش هي أكتر حاجة رجفتني.
لأن عيني وقعت على الرسالة التانية.
عرفت خطها من أول نظرة.. خط خديجة.
إيدي بدأت ترتعش وأنا بفرد الورقة.
وأول سطر فيها كان كفيل يهدم أربعين سنة من اليقين.
يا عاصم لو بتقرأ الرسالة دي، يبقى أكيد حصل لي حاجة. اقرا كل حاجة للنهاية وما تثقش في اختي. فيه حقيقة عمرك ما عرفتها.
وقفت. نفسي اتقطع. لكن قبل ما أقلب الصفحة وقعت عيني على ورقة صغيرة مطوية، مكتوبة بقلم شمع بنفسجي باهت.
فتحتها.
ولما شفت أول كلمة حسيت إن الدنيا كلها بتلف بيا.
كان خط مريم يا بابا أنا خبيت جواب ماما، لأني ما كنتش عايزاك تزعل منها. أنا آسفة أرجوك، ما تسيبهاش تمشي.
قريت السطور مرة واتنين وتلاتة وكل مرة كانت الحروف بتوجعني أكتر من اللي قبلها.
يوسف قعد جنبي ولسه الصدمة مرسومة على وشه وقال بصوت واطي
يبقى مريم هي اللي خبت الصندوق.
هزيت راسي وأنا مش قادر أشيل عيني من
خط بنتي.
وقلت بصوت مخنوق كانت طفلة وفاكرة إن أمها كانت ناوية تسيبني وإنها لو خبت الجواب هتمنعها تمشي.
سكت يوسف لحظة وبعدها مد إيده للصور وقعد يقلب فيها واحدة واحدة، قبل ما يرفع عينه ويسألني
مين الست دي؟
أخدت نفسًا طويلًا وأنا ببص للصورة وقلت
كانت زميلة معايا في الشغل
رفع يوسف حاجبه وهو لسه ماسك الصور بين صوابعه وقلب واحدة منها قدام النور كأنه بيدور فيها على حاجة أنا مش شايفها وبعدها بصلي وسأل بهدوء، لكن السؤال كان تقيل على قلبي أكتر من أي اتهام
كان بينكم حاجة؟
رفعت عيني فيه وما هربتش من نظرته وقلت بثبات
والله ما لمستها يوم.
ابتسم ابتسامة خفيفة وهز راسه وقال
أنا ما اتهمتكش يا عمي.
تنهدت تنهيدة طويلة وأنا باخد الصور من إيده وقلت بصوت كله حسرة
بس ملامحك سألت قبل لسانك وأنا لو شفت الصور دي من بره، يمكن كنت هفكر زيك.
ساد بينا صمت قصير، قبل ما أرجع أبص للصور وأقرر لأول مرة بعد كل السنين دي أحكي الحقيقة كاملة.
سارة كانت زميلة معايا في الشغل واتعرضت لظلم كبير بسبب مديرها وكانت على وشك تخسر وظيفتها من غير أي ذنب ولأنها كانت عارفة إني أكبر منها وإن الناس كلها بتثق في كلامي، طلبت مني أقابلها بعيد عن الشركة علشان نراجع المستندات ونشوف إزاي نثبت حقها من غير ما الموضوع يكبر.
اللقاء ما كانش فيه أي حاجة غلط.
ولا كلمة خرجت عن حدود الأدب.
ولا نظرة تكسفني لو مراتي كانت قاعدة قدامنا.
لكن الصور ما بتحكيش الحكاية كلها.
الصورة بتاخد لحظة وتسيب الخيال يكمل الباقي.
يوسف فضل ساكت شوية وبعدها سألني
وطنط خديجة كانت تعرف؟
هزيت راسي بالنفي وقلت
لأ الموضوع ما كانش يخصني لوحدي وكان فيه أسرار تخص شغل سارة وما كانش من حقي أحكيها.
قال بهدوء وهو لسه مركز معايا
بس كان من حق مراتك تطمن حتى لو ما قلتش التفاصيل.
الكلام دخل قلبي زي السكينة.
وما عرفتش أرد.
لأنه كان عنده حق.
وفي لحظة رجعت بيا الذاكرة أربعين سنة لورا.
افتكرت خديجة وهي واقفة قدامي في المطبخ وعينيها مليانة قلق وقالتلي بصوت عمره ما فارق ودني
يا عاصم في حاجة مخبيها عني؟
وقتها بصيتلها وقلت بمنتهى الثقة
مفيش أي حاجة تستدعي القلق.
كنت فاكر إن سكوتي احترام لخصوصية إنسانة استأمنتني.
لكن بعد العمر ده كله اكتشفت إن السكوت ساعات بيكون أخطر من الكذب وإن الفراغ اللي بنسيبه من غير تفسير، الشك هو أول واحد بيجري يملأه.
مد يوسف إيده للرسالة التانية وابتدى يقراها بهدوء.
كانت مكتوبة بخط غنوة وفيها عنوان بيتها بالتفصيل وكلمتين بتقول فيهم إنه لو الأولاد تعبوا في الطريق، أو اتأخر الوقت، يبقى الأفضل يباتوا في الاستراحة اللي جنب بيتها لليلة وبعدها يكملوا المشوار الصبح.
اتسمرت مكاني لأن كل حاجة بدأت ترجع واحدة واحدة.
خديجة خرجت يومها ومعاها مريم ومصطفى علشان يزوروا أختها.
وأنا فضلت في الشغل.
مش لأني ما كنتش عايز أروح لكن لأن الضغط وقتها كان فوق احتمالي وقلت هسافر لهم بعد ما أخلص.
ولما الساعة عدت التاسعة بالليل وما حدش كلمني يطمني إنهم وصلوا
قلبي بدأ يقلق.
مسكت التليفون وكلمت غنوة.
أول ما ردت، سألتها من غير مقدمات
خديجة وصلت؟
سكتت لحظة.
وبعدين قالت بسرعة
يا عاصم هما ما وصلوش أصلًا.
فاكر اللحظة دي كأنها حصلت امبارح.
قومت من مكاني بعنف، لدرجة إن الكرسي اتقلب وخبط في الحيطة.
وقلت وأنا بحاول أقنع نفسي قبل ما أقنعها
اسألي الجيران يمكن مصطفى تعب في الطريق، أو العربية عطلت، أو وقفوا عند أي حد.
ردت بصوت كله خوف
لو حصل كده كانت كلّمتني.
صرخت فيها من غير ما أحس
اتأكدي الأول.
لكن قبل نص الليل كانت الشرطة بقت معاها خط السير كله ومواصفات العربية وأرقامها وبدأت رحلة البحث اللي فضلت تطاردني أربعين سنة.
وتاني يوم لقوا العربية واقفة عند الكوبري اللي بيعدي على النهر.
وقالوا وقتها إن خديجة غالبًا وقفت على جنب وإن فرامل اليد فلتت والعربية اندفعت لوحدها ناحية المية.
الغواصين نزلوا.
ودوروا.
ورجعوا.
ومن غير ولا جثة.
ومن غير ولا دليل.
ومن غير إجابة واحدة تشفي قلب أب.
وبعد سنين من الانتظار
صدر الحكم الرسمي باعتبار خديجة ومريم ومصطفى في عداد المتوفين.
رجعت أبص لرسالة غنوة مرة تانية.
العنوان المكتوب فيها كان أول مكان المفروض خديجة تكون عدت عليه.
رفعت عيني ليوسف وقلت بحزم لأول مرة من سنين
هنروح هناك.
يوسف ما ناقشنيش.
قام بهدوء، أخد جاكيتي من فوق الكرسي وقربه مني وهو بيقول
بعد ما تاخد دواك.
بصيتله بعصبية وقلت
أنا ضيعت أربعين سنة مش هضيع دقيقة كمان.
حط إيده على كتفي وقال بنفس الهدوء
وعشان كده ما ينفعش تضيع الحقيقة كلها لأنك وقعت في نص الطريق. أنا هسوق.
بعد أقل من ساعة
كنا واقفين قدام العنوان.
لكن الاستراحة القديمة ما كانتش موجودة.
مكانها بقى عمارة سكنية كبيرة وكل أثر للماضي اختفى، كأنه عمره ما كان موجود.
وفي مدخل العمارة
كانت قاعدة ست كبيرة في السن، بتسقي زرع صغير قدام الباب.
طلعت صورة خديجة ووريتها لها.
فضلت تبص فيها وقت طويل، قبل ما ترفع عينيها وتقول
فاكراها ابنها كان مولع من السخونية وكانت كل شوية تحاول تكلم جوزها، بس الخط ما كانش بيرد.
نفسي اتقطع.
طلعت صورة غنوة بسرعة وسألتها
والست دي شوفتيها؟
هزت راسها بالإيجاب.
أيوه جات بعدها بحوالي ساعة.
قلبي بدأ يدق بعنف.
وسألتها وأنا حاسس إن الإجابة هتغير حياتي
حصل إيه؟
تنهدت الست وقالت
كبيرة.
بلعت ريقي بصعوبة.
وبعدين؟
بصتلي في عيني وقالت
قالت الست وهي بتبص للصورة مرة أخيرة وكأن الذكريات بترجع قدام عينيها واحدة واحدة
مراتك
كانت مصممة ترجع بيتها وكانت بتقول إنها مش هتصدق أي كلمة سمعتها غير لما تسمع الحقيقة من جوزها بنفسه.
حسيت إن الكلمات خبطت في صدري خبطة رجعتني أربعين سنة لورا.
ومن غير ما أحس
همست
وأنا جوزها.
رفعت الست عينيها ناحيتي وكأنها افتكرت آخر جزء من الحكاية وقالت بصوت هادي
أختها هي اللي قالت لها إن جوزك سافر مع ست تانية وإنه خلاص اختار يعيش معاها وإنها لازم تواجه الحقيقة بدل ما تفضل مستنية.
في اللحظة دي
حسيت بألم حاد في صدري، لدرجة إني حطيت إيدي مكان قلبي من غير وعي وقلت بصوت مكسور، بالكاد خرج من بين شفايفي
ده كدب.
يوسف لمح اصفرار وشي، فجري بسرعة وسحب كرسي وقربه مني وقال بقلق
اقعد يا عمي بالله عليك اقعد.
لكن قبل ما أقعد، كان فيه سؤال واحد لازم أعرف إجابته.
بصيت للست وسألتها وأنا بحاول أتمالك نفسي
خديجة سابت المكان بمزاجها؟ ولا حد أجبرها؟
هزت راسها وقالت
لأ هي اللي ركبت العربية بنفسها، لكنها كانت باين عليها الدوخة وكانت بتعيط طول الوقت وأنا حتى عرضت عليها تستريح شوية قبل ما تمشي، لكنها رفضت وقالت إنها لازم ترجع بيتها حالًا.
قفلت عيني للحظة.
لأن أول مرة من أربعين سنة
بدأت أشوف اللي حصل يومها بعين خديجة، مش بعيني أنا.
يمكن كانت سايقة وهي بتبكي.
يمكن ما كانتش شايفة الطريق أصلًا.
ويمكن
كل اللي احتاجته في اللحظة دي كان مكالمة واحدة مني.
رجعنا العربية.
وطول الطريق، ما طلبتش من يوسف يوديني البيت.
قلت له بهدوء
وديني لسارة.
بصلي باستغراب، لكنه ما سألش.
ولما وصلنا
فتحت لنا الباب وأول ما شافتني عرفت من وشي إن فيه حاجة كبيرة حصلت.
دخلنا وحطيت الصور قدامها على الترابيزة، من غير أي مقدمات.
وقلت
خديجة شافت الصور دي.
أول ما وقعت عينيها عليها، اتغير لون وشها ورفعت
بصرها ناحيتي بصدمة حقيقية وقالت
يعني افتكرت إن بينا علاقة؟
هزيت راسي ببطء.
آه.
سكتت ثواني وبعدها قامت بسرعة ودخلت أوضتها.
رجعت بعد دقائق وهي شايلة ملفات قديمة ومستندات ومحاضر اجتماعات وحتى خطابات رسمية عليها التواريخ والأختام.
فضلت تفتح ورقة ورا التانية وتشاور على كل صورة وتقول إمتى اتصورت وليه وإيه الاجتماع اللي كان قبلها وإيه القرار اللي اتاخد بعدها، لحد ما بقى واضح إن كل لقاء بينا كان جزءًا من شغل رسمي وإن الصور اتقصت واتجمعت بطريقة تخلي أي حد يشوفها يصدق أسوأ احتمال.
وبعد ما خلصت
بصتلي بحزن وقالت
أنا قلتلك وقتها اشرح لمراتك، حتى لو ما قلتش كل التفاصيل، قول لها أي حاجة تطمنها.
نزلت عيني للأرض وقلت بصوت منخفض
ما كنتش أقدر أتكلم في قضيتك كنت واعدك إن كل اللي بينا يفضل سر لحد ما التحقيق يخلص.
هزت راسها بهدوء وقالت
وكان ينفع تحافظ على سري وتحافظ على بيتك في نفس الوقت.
سكتت لحظة، قبل ما تكمل وهي بتبص في الصور
إنت ما كذبتش على مراتك يا عاصم لكنك سيبت بينها وبين الحقيقة مسافة كبيرة ولما الإنسان يسيب فراغ، دايمًا بيلاقي حد يملأه.
تنهدت وقالت الكلمة اللي فضلت ترن في ودني طول الطريق
وغنوة هي اللي ملّت الفراغ ده.
خرجنا من عندها.
وطول طريق الرجوع
ما نطقتش ولا كلمة.
كنت ببص من شباك العربية والسنين كلها بتمر قدام عيني.
طول عمري كنت فاكر إن السكوت كان وفاء.
وإن حفظ الأسرار كان رجولة.
لكن الحقيقة اللي اكتشفتها بعد أربعين سنة
إن السكوت ساعات ما بيحميش حد.
بل ممكن يهدم بيت كامل.
وخديجة
ما كانتش طالبة مني اعتراف ولا تبرير ولا حتى كشف كل الأسرار.
كانت طالبة كلمة واحدة
تطمن قلبها.
وأنا رديت عليها بالصمت.
والصمت ده هو السلاح اللي غنوة استخدمته عشان تهدم بيتنا.
أول ما رجعنا، فتحت ورقة مريم المكتوبة بقلم الشمع البنفسجي.
وقريتها من جديد.
يا بابا أنا خبيت جواب ماما، لأني ما كنتش عايزاك تزعل منها. أنا آسفة أرجوك، ما تسيبهاش تمشي.
قلت وأنا حاسس بقلبي بيتقطع
البنت دي شالت الذنب ده طول عمرها.
يوسف قال بهدوء
إحنا لسه ما نعرفش.
هزيت راسي.
الطفلة اللي تكتب الكلام ده عمرها ما هتنساه.
في اللحظة دي
هدفي اتغير.
ما بقاش أهم حاجة أعرف الحقيقة.
أهم حاجة
ألاقي بنتي، قبل ما تقضي بقية عمرها وهي فاكرة إنها السبب في خراب أسرتنا.
بعد تلات أيام، يوسف قدر يوصل لمرشدة اجتماعية في مدرسة قديمة.
السجلات كانت مطابقة لاسم عيلة خديجة قبل الجواز ولنفس المدينة ولنفس سن مريم.
ولما شفت صورتها
قلبي وقف.
كانت واقفة وهي ماسكة كوعها بنفس الطريقة اللي كانت مريم بتعملها كل ما تتوتر.
دي مريم.
يوسف بص للصورة مرة تانية.
عشان شبه أمها؟
هزيت راسي.
لأ عشان لسه فيها نفس ملامحها.
عرض يوسف إنه يتواصل معاها بدالي، لكن رفضت.
كتبت لها رسالة.
مسحتها.
كتبت واحدة تانية.
وبرضه مسحتها.
الأولى كانت ناشفة والتانية كان الغضب ماليها.
وفي الآخر كتبت
يا مريم
أنا ما أعرفش إنتِ اتقالك إيه عني.
لكن اللي أعرفه إني حبيتك يوم خرجتي من البيت ولسه بحبك لحد النهارده.
لقيت الرسالة اللي خبيتيها في المرتبة.
واللي حصل عمره ما كان ذنب بنت عندها تسع سنين.
مش هاجي أشوفك إلا لو إنتِ طلبتي.
كتبت رقم تليفوني وعنوان بيتي.
وضغطت على زر الإرسال
وقعدت أدعي.
في نفس الليلة
رن الموبايل.
رديت بسرعة، لكن ما حدش اتكلم.
بعد صمت طويل
سمعت صوت ست، لكنه كان مألوف بطريقة وجعت قلبي.
قالت
إنت كنت تعرف إحنا فين؟
قلت من غير تردد
لأ.
سكتت لحظة.
إنت ما جيتش.
غمضت عيني.
لأني ما كنتش أعرف أدوّر عليكم فين.
قالت بصوت مكسور
غنوة قالت إنك سبتنا وسافرت مع واحدة تانية.
قلت بحزم
كدبت.
سمعت شهقة مكتومة.
وبعدين قالت
قابلني بكرة.
قلت بسرعة
فين؟
في قاعة المناسبات اللي بشتغل فيها.
هكون هناك.
تعالى لوحدك.
تاني يوم
دخلت القاعة.
لقيتها بتعدل صفوف الكراسي، رغم إنها كانت مترتبة أصلًا.
ولثواني
رجعت أشوف الطفلة اللي ضاعت مني.
لكن لما بصتلي
شفت الست اللي صنعتها السنين.
قالت
إنت جيت.
ابتسمت بحزن.
أنا وعدتك.
بصت في عيني مباشرة.
ليه بطلت تدور علينا؟
أول حاجة جت على بالي إني أدافع عن نفسي.
لكن ما عملتش كده.
قعدت على أول كرسي قدامي وقلت
احكيلي إنتِ فاكرة إيه.
بدأت تحكي.
قالت إن أمها كانت بتعيط في الاستراحة وغنوة كانت مصرة تقول لها إن عاصم اختار يعيش مع ست تانية.
ومصطفى كان كل شوية يسأل
بابا هييجي إمتى؟
بعدها، عربية خديجة سخنت وهي قريبة من الكوبري.
غنوة قالت إنها هتوصلهم بعربيتها.
وفي نفس الليلة
أصيبت خديجة بجلطة أثرت على كلامها وذاكرتها.
غنوة نقلتهم لمحافظة تانية.
كانت تمنع المكالمات والجوابات.
وكانت كل يوم تقنعهم إن عاصم عارف مكانهم
بس مش عايزهم.
عاشوا باسم عيلة خديجة قبل الجواز.
ومريم غيرت اسمها رسميًا بعد كده.
وعشان كده
ولا حد ربط بينهم وبين الأسرة اللي الكل كان فاكر إنها ماتت في النهر.
قالت وهي باصة في الأرض
أنا استنيتك سنين.
بلعت ريقي.
وأنا عمري ما بطلت أدور.
قالت بصوت مرتعش
لما كبرت افتكرت المرتبة.
رفعت عينيها ليا.
عرفت إنك أكيد ما شفتش الرسالة.
دموعها نزلت.
كل ده حصل بسببي.
هزيت راسي بقوة.
لأ.
أنا اللي خبيت الجواب.
كان عندك تسع سنين.
قالت وهي بتبكي
وده يغير إيه؟
قلت بهدوء
يغير مين اللي يتحمل المسؤولية.
سكت شوية وبعدين كملت
إنتِ خبيتي ورقة خوفًا
وأنا خبيت الحقيقة بصمتي وكبريائي.
بس الفرق
إن واحد فينا كان طفل.
والتاني كان راجل كبير.
غطت وشها بإيديها.
وقالت
أنا ضيعت عيلتنا.
قربت منها شوية.
العيلة ضاعت بسبب قرارات الكبار
مش بسبب طفلة.
بعد لحظات، شالت إيديها من على وشها.
وسألتني
بجد فضلت تدور علينا؟
فتحت الشنطة اللي معايا.
طلعت محاضر الشرطة.
قصاصات جرائد.
إيصالات لمحققين خاصين.
وخطابات قديمة.
فرشتهم قدامها.
وقلت
ولا يوم بطلت.
مسكت قصاصة جريدة وفضلت تقراها.
وبعدين
مدت إيديها ومسكت
إيدي لأول مرة من أربعين سنة.
أما مصطفى
فرفض يقابلني.
ما ضغطتش عليه.
بعتله الساعة الفضية بالبريد.
وحطيت معاها ورقة صغيرة.
كتبت فيها
لسه بتتأخر أربع دقايق كل يوم
وبرغم كده، كنت بلفها كل أسبوع.
بعد تلات أيام
كلمني.
أول سؤال قاله
بجد كنت بتلفها كل أسبوع؟
ابتسمت.
كل يوم جمعة.
سكت شوية.
وبعدين قال
مريم قالت إنك فضلت تدور علينا.
قلت
أيوه.
ضحك ضحكة باهتة.
واضح إنك ما كنتش شاطر أوي.
ابتسمت بألم.
معاك حق.
سكت.
وبعدين قال بصوت واطي
مش عارف أناديك يا بابا.
قلت
ناديني عاصم
لحد ما قلبك يبقى مستعد.
وقبل ما يقفل
سألني
إنت اتجوزت بعد ماما؟
قلت
لأ.
ليه؟
ابتسمت رغم الدموع.
لأني كان عندي عيلة
وما قدرتش أستبدلها.
قبل وفاة خديجة بفترة
وقعت في إيديها قصاصة جريدة عن الوقفة التذكارية اللي كنت بعملها كل سنة عند الكوبري.
لما عرفت إني ما بطلتش أدور عليهم
سجلت رسالة بصوتها.
وطلبت من غنوة تساعد الولاد يرجعوا لي.
لكن غنوة خبت الشريط وسط حاجات خديجة.
ومريم هي اللي لقيته بعد وفاتها.
قلت لها
شغليه.
بصتلي بتردد.
قلت
السلام اللي مبني على كدب
مش سلام.
اشتغل التسجيل.
وطلع صوت خديجة، ضعيف ومتقطع.
يا مريم يا مصطفى
أبوكم كان بيحبكم.
غنوة كانت فاكرة إنها بتحميني
لكن الخوف عمره ما كان حقيقة.
كان لازم أسأل جوزي بنفسي.
غطت مريم بوقها وهي بتعيط.
وفي اللحظة دي
دخل مصطفى من الباب.
وقال وعينه على الشريط
غنوة قالت إن بابا هو السبب في جلطة أمي
وقالت إنها وقعت لما عرفت إنه خانها.
قبضت على عصاي بقوة.
وأضافت مريم وهي بتمسح دموعها
وقالت كمان إن أمي فقدت رغبتها في الحياة بسببك
وعشان كده ماتت.
بصيت ليهم الاتنين.
وقلت بهدوء
إنتوا كنتوا أطفال
وما سمعتوش غير الحكاية اللي واحدة كبيرة سمحتلكم تسمعوها.
بعدها مباشرة
طلعت الموبايل واتصلت بغنوة.
ردت بعد ثواني.
خير يا عاصم؟
قلت بهدوء ثابت
لقيت رسالة خديجة.
سكتت.
وبعدين قالت
عايز إيه؟
قلت
كفاية إنك اتكلمتي باسم مراتي كل السنين دي.
بكرة
هيكون دورك تسمعي.
وفي مساء اليوم التالي
اتجمعت العيلة كلها.
كانت غنوة واقفة على رأس السفرة وكأنها لسه صاحبة القرار.
بصيت لها وقلت
إنتِ بتقولي إنك عملتي اللي خديجة كانت محتاجاه.
سكت شوية، ثم كملت
لكن الحقيقة
إنتِ عملتي اللي يخليها تفضل محتاجة لك.
ردت بعصبية
أنا حميتها منك.
قلت وأنا طلعت الصور قدام الجميع
إنتِ صورتي مواقف بريئة
وافترضتي أسوأ احتمال
وبعد حادث العربية بنيتي عليه أكبر كذبة في حياتنا.
وبصيت لمريم ومصطفى
أنا كمان خذلت أمكم.
الكل بصلي.
كملت
يوم خديجة سألتني أنا مخبي إيه رديت عليها بالسكوت. كنت فاكر إن إخلاصي ليها كفاية وإن الصمت هيحافظ على كرامة الناس.
ابتسمت غنوة ابتسامة خفيفة وقالت
أهو اعترفت بنفسك.
لفيت وشي ناحيتها.
وقلت بثبات
آه دي كانت غلطتي.
سكت لحظة.
لكن الأربعين سنة اللي بعد الغلطة دي كانت اختيارك إنتِ.
مريم طلعت ملفات سارة وحطتها قدام غنوة.
وسألتها
بابا قالك في يوم إنه هيسيبنا؟
غنوة ما ردتش.
مريم كررت السؤال.
قالها؟
همست
لأ.
سألتها تاني
ولما عرفتي إنه بيدور علينا قولتلنا؟
غنوة نزلت عينيها للأرض.
وبعد صمت طويل قالت
عرفت بعد فترة.
مصطفى كان لابس الساعة الفضية في إيده.
حط دراعه على الترابيزة وقال
يبقى إنتِ سيبتينا نكرهه.
قالت بسرعة
كنت فاكرة إن الحقيقة هتكسركم.
رد عليها مصطفى وعينه مليانة دموع
لأ إنتِ من الأول علمتينا مين نكرهه.
شغلت تسجيل خديجة مرة تانية.
الصوت الضعيف ملأ المكان.
يا مريم يا مصطفى أبوكم كان بيحبكم. غنوة كانت فاكرة إنها بتحميني، لكن الخوف عمره ما يبقى حقيقة. كان لازم أسمع من جوزي قبل ما أصدق أي حد.
ولما التسجيل خلص
ما حدش اتكلم.
ولا حد دافع عن غنوة.
مسكت جهاز التسجيل بإيدي.
وبصيت لها.
من النهارده مش إنتِ اللي هتحددي خديجة كانت بتفكر في إيه.
سكت شوية.
ومش إنتِ اللي هتتكلمي باسم ولادي.
وبعدين قلت آخر جملة
والسيطرة على الناس عمرها ما كانت حب.
في صباح اليوم اللي بعده
أنا ومريم ومصطفى وقفنا على نفس الكوبري.
المكان اللي قضيت عنده أربعين سنة، باجي كل سنة، أربط شريط أبيض جديد بدل اللي بهت لونه.
فكيت الشريط القديم بإيدي.
وقلت
هنا كنت باجي أرثيكم.
مصطفى بص للساعة اللي في إيده ولمسها برفق.
وسأل
هنعمل إيه دلوقتي؟
ابتسمت لأول مرة من سنين.
وقلت
دلوقتي هبطل أعيش على حزن ناس واقفين جنبي.
رجعنا البيت.
دخلت مريم أوضتها القديمة.
عدّت صوابعها على مكان الخياطة اللي كانت عاملاها في المرتبة.
وقالت بصوت مكسور
كنت فاكرة إن الغرزة دي هي اللي ضيعتنا.
قربت منها.
وقلت
لأ.
اللي ضيعنا كانت قرارات الكبار.
مصطفى مسك طرف المرتبة ورفعها.
وقال وهو بيبتسم
يبقى خلاص نرميها.
ضحكت لأول مرة من قلبي.
وبعدين فتحت بيت العرايس الخشب اللي كانت مريم بتلعب بيه.
الباب الأمامي
لسه مايل زي ما كان.
مديت إيدي أجيب المفك.
لكن مريم مسكت إيدي برفق.
وقالت
مش لازم يتصلح النهارده يا بابا.
مصطفى فتح درج العدة وطلع مفك تاني.
وقف جنبي وهو بيبتسم.
وقال
وكمان مش لازم تصلحه لوحدك.
بصيت لهم الاتنين.
أربعين سنة
وأنا مستني ولادي اللي كنت فاكر إني فقدتهم للأبد.
رجعوا
شايلين غضب وندم ووجع وأربعين سنة اتسرقت من عمرهم.
حطيت المفك على الترابيزة.
وبصيت لهم بابتسامة كلها أمل.
وقلت
المرة دي هنبني كل اللي اتكسر سوا..



