
لما دخلت بيت أهلي لقيت اولادي قاعدين وقدامهم أطباق فاضية، لكن ولاد أختي خلصوا أكلهم. أختي قالت لهم بالنص إنهم اتولدوا يعيشوا على بواقي أكلنا، وأبويا قال بكل برود لازم يعرفوا مقامهم. قلبي كان بيغلي بس أخدت ولادي ومشيت وانا في دماغي اني لازم ارد عليهم..وبعد دقائق بس، البيت كله اتحول صراخ ورعب.
_________
أول ما دخلت بيت أهليسمعت أمي وهي بتقولسيبوا ولاد ماجدة ياكلوا الأولأما ولادها يستنوا اللي يفضل.
اتجمدت مكاني إيدي كانت لسه ماسكة أكياس الأكل اللي جايباهالكن ساعتهاماحسيتش بوزنها ريحة الفراخ المشوية والرز والمحشي والحلويات كانت مالية البيت.
ريحة كانت زمان بالنسبالي تعني لمة العيلةلكن النهارده
كانت ريحة وجع بصيت ناحية السفرةولقيت ابني مازن اللي عنده ٨سنين، قاعد في ركن الصالة، حاضن الطبق الورق الفاضي.
وأخته رنا، عندها 6 سنين، ماسكة طرف الجاكيت بتاعها، وبتحاول تمنع دموعها تنزلأما ولاد أختي
كانوا قاعدين على السفرةقدامهم أطباق مليانة.
وبيضحكوا ويهزرواأمي كانت واقفة بالمعلقة في إيدها.
كأنها القاضي اللي بيقسم الأكل.
أختي ماجدة بصت لولادي وقالت بابتسامة باردةيتعودوا
هما اتولدوا يعيشوا على بواقينا.
أما أبويافماحاولش حتى يخبي اللي جواه.
قال وهو متكي على الكرسيلازم يعرفوا مقامهم.
في اللحظة ديكل حاجة جوايا هديتسنين وأنا ساكتة.
ماجدة كانت دايمًا تاخد أحسن أوضةوأغلى هدايا.
وأبويا يصرف عليهاأما أنافكان نصيبي المسؤولية.
بعد طلاقياشتغلت شغلانتين عشان أصرف على ولادي.
وبرغم كل اللي شفتهكنت باجي بيهم كل شهر عشان أقول لنفسي إن لسه عندهم جد وجدةعندنا عيله ضهر وسند لكن لما شفت رعشة دقن رناوشفت مازن قابض على الطبق الفاضيآخر نقطة صبر جوايا ماتت.
حطيت أكياس الأكل على الأرضوبصيت لولادي.
وقلت بهدوءمازنرناالبسوا الجواكيت.
أمي بصتلي باستغرابوقالتإيه الدراما دي يا ماجدة ولاد اختك مش بنشوفهم الا كل فين وفيناقعدي بلاش كلام فاضي؟
بصيت لولادي بسوقلتيلا.
قاموا في نفس اللحظةمازن مسك إيد أخته.
وساعدتها تلبس الجاكيتأختي ضحكت وقالت بسخرية
رايحة بيهم فين؟ ماكدونالدز؟ هنا أنسب ليكم.
خدت شنطة رناوبخاخة الربو بتاعة مازن.
واتجهت ناحية البابقبل ما أخرج
أبويا قال بصوت عاليلو خرجتي من الباب دهما ترجعيش تطلبي مساعدة من العيلة.
لفيت ناحيتهوقلت بمنتهى الهدوء إنتوا عمركم ما ساعدتونا أصلاً.وفتحت البابوخدت ولاديونزلناركبنا العربيةوأول ما تحركت
رنا انفجرت في العياط.. أما مازن
فقال بصوت مكسورماماإحنا عملنا حاجة غلط؟
بصيتله في المراية.. وقلتلأ يا حبيبيإنتوا معملتوش أي حاجة غلط.. الناس بقت مريضه.
بعد كام دقيقةتليفوني بدأ يرنأول واحدة
أميبعدها ماجدةبعدها أبوياما رديتش على حد.
وبعدينوصلني فويس من أمي.
صوتها كان مرعوب بطريقة عمري ما سمعتها بيها.
كانت بتصرخ وهي بتقول ماجدةارجعي بسرعة
الحقيناالبيت كله بيصرخحصلت مصيبة!
وقفت العربية على جنب الطريق.
إيديا كانت بترتعش فوق الدركسيون.
الفويس لسه شغال
وصوت أمي بيتحول من صريخ لبكا.
ماجدة ارجعي الحقينا البيت كله بيصرخ حصلت مصيبة!
قفلت التسجيل.
مازن بصلي وقال بخوف
في إيه يا ماما؟
ابتسمت بالعافية.
مفيش يا حبيبي خليكم قاعدين.
لكن الحقيقة
قلبي كان بيقول إن اللي حصل مش طبيعي.
رن التليفون تاني.
المرة دي جارهم، عم رمزي.
رديت.
قال وهو بيحاول ياخد نفسه
يا بنتي إلحقي أبوكي وقع فجأة ومحدش قادر يقربله.
اتصدمت.
وقع إزاي؟
قال
كان واقف يزعق بعد ما مشيتي وفجأة مسك صدره ووقع على الأرض وكل الناس بتصرخ.
غمضت عيني.
مش علشان أشمت.
لكن علشان أهدى.
مهما عمل
ده أبويا.
لفيت العربية ورجعت.
أول ما وصلت
لقيت البيت قدامه ناس كتير.
باب العمارة مفتوح.
وصوت العياط مالي المكان.
دخلت أجري.
لقيت أبويا على الأرض.
وشه أصفر.
وبيتنفس بصعوبة.
أمي كانت بتعيط.
وماجدة بتصرخ
حد يجيب إسعاف!
أول ما شافوني
أمي جريت عليا.
وقالت وهي منهارة
اعملي حاجة.
بصيت حوالي.
ولا واحد فيهم اتحرك.
كلهم واقفين.
افتكرت إن أخويا الصغير كان مسعف قبل ما يسافر.
وكان علمني زمان الإسعافات الأولية.
نزلت على ركبتي.
رفعت رأس أبويا شوية.
وفضيت المكان حواليه.
وقلت بصوت عالي
حد يتصل بالإسعاف بدل الصويت.
الكل سكت.
وكأنهم مستنيين حد يقودهم.
بعد دقيقتين
الإسعاف وصلت.
المسعف كشف عليه بسرعة.
وقال
لازم المستشفى حالًا.
شالوه على النقالة.
وأمي ركبت معاه.
أما ماجدة
فوقفت تبصلي.
وقالت بنبرة كلها لوم
إنتِ السبب.
لفيتلها ببطء.
وسألتها
أنا؟
قالت
لو ماكنتيش عملتي المشكلة دي بابا ماكانش هيحصله كده.
ضحكت.
أول ضحكة أضحكها من وجع.
وقلت
المشكلة إني أخدت ولادي ومشيت؟
سكتت.
كملت وأنا بصوت ثابت
ولا المشكلة إنكم أهنتوا طفلين مالهمش ذنب؟
وشها احمر.
لكن مردتش.
وصلنا المستشفى.
الدكاترة دخلوا أبويا بسرعة.
بعد نص ساعة
خرج الدكتور.
وقال
جلطة بسيطة في القلب والحمد لله وصل في الوقت المناسب.
أمي انهارت من البكا.
وقالت
الحمد لله.
الدكتور كمل
الانفعال الشديد هو السبب.
كل العيون بصت عليا.
كأنهم مستنيين أعتذر.
لكن الدكتور قال جملة غيرت كل حاجة.
أي ضغط نفسي أو عصبي تاني ممكن يبقى أخطر.
ساعتها
مازن شد طرف هدومي.
وقال بصوت واطي
ماما هو جدو هيخف؟
نزلت حضنته.
وقلت
إن شاء الله.
رغم كل اللي حصل
ماقدرتش أزرع الكره في قلبه.
بعدها بساعتين
كنا قاعدين في استراحة المستشفى.
رنا نامت في حضني.
ومازن سرحان.
فجأة
سمعت صوت أختي.
كانت بتتكلم في الموبايل.
وماخدتش بالها إني سامعاها.
قالت
أيوة الحمد لله المهم بابا يكتبلي البيت قبل ما يحصل أي حاجة.
اتجمدت.
كملت وهي بتضحك
ماجدة خلاص خرجت من الصورة دي أصلاً مش هتعرف تعمل حاجة.
قفلت المكالمة.
ولما لفتت
اتفاجئت بيا واقفة قدامها.
وشها شحب.
قلت بهدوء
يعني حتى وهو بين الحياة والموت بتفكري في الورث؟
بلعت ريقها.
وقالت
إنتِ فهمتي غلط.
قلت
لأ أنا فهمت متأخر.
ولأول مرة
بدأت أربط كل حاجة ببعض.
ليه كانوا دايمًا بيذلوني؟
ليه كانوا بيطردوا ولادي من السفرة؟
وليه ماجدة متأكدة إن كل حاجة هتبقى ليها؟
كان فيه سر
سر أكبر من مجرد تفرقة بين الأحفاد.
وساعتها
باب أوضة العناية اتفتح.
والمحامي الخاص بأبويا دخل المستشفى وهو شايل ملف بني كبير.
وبمجرد ما شافني
وقف مكاني
وقال
الحمد لله إنك جيتي يا أستاذة ماجدة لأن والدك قبل ما يتعب كان طالب يشوف الملف ده قدام كل أولاده.
بصيت للملف.
وقلبي دق بقوة.
ماكنتش أعرف
إن الورق اللي جوه الملف
هيقلب العيلة كلها فوق تحت
أول ما المحامي دخل وهو شايل الملف البني الكبير حسيت إن في حاجة أعمق بكتير من اللي كنت فاكراه.
ماجدة كانت أول واحدة قامت من مكانها.
وقالت بسرعة
هو جاي ليه دلوقتي؟
المحامي بص لها بهدوء.
وقال
الحاج عمران كلمني قبل ساعة من اللي حصل، وقال لو حصل له أي طارئ أجمع أولاده.
أمي قربت وهي لسه بتمسح دموعها.
وقالت
مش وقته الكلام ده.
لكن المحامي هز رأسه.
ده كان طلبه.
سكتنا كلنا.
فتح الملف.
وطلع ظرف أبيض كبير.
وقال
دي وصية مكتوبة بخط إيده، وموقعة قدام شاهدين.
ماجدة ابتسمت بثقة.
واضح إنها كانت متأكدة إن كل حاجة هتكون من نصيبها.
أما أنا
فماكانش فارق معايا.
كل اللي كنت بفكر فيه إن أبويا يقوم بالسلامة.
فتح المحامي أول ورقة.
وبدأ يقرأ.
أنا عمران المصري بكامل قواي العقلية
الصمت نزل على المكان.
حتى صوت أجهزة العناية المركزة كان واضح.
كمل
أشهد أن ابنتي الكبرى ماجدة كانت تعيش بجواري بإرادتي، وأنني أنفقت عليها وعلى أسرتها لسنوات طويلة.
ماجدة بصتلي بابتسامة انتصار.
لكن المحامي أكمل القراءة.
وأشهد أيضًا أن ابنتي الصغرى شيماء لم تطلب مني يومًا مالًا، وكانت تعتمد على نفسها بعد طلاقها، وتتحمل مسؤولية طفليها وحدها.
ابتسامتها اختفت.
أما أنا
فرفعت عيني باستغراب.
أول مرة أسمع أبويا يعترف بده.
ثم قلب المحامي الصفحة.
وقال
وأشهد أنني ظلمت شيماء كثيرًا وفضلت أختها عليها دون حق.
أمي شهقت.
وماجدة قامت واقفة.
وقالت بعصبية
إيه الكلام ده؟
لكن المحامي رفع إيده.
من فضلك اسمعي للنهاية.
رجع يقرأ.
كل مرة كانت ماجدة تيجي البيت، كنت أشوف حفيدي مازن وحفيدتي رنا واقفين في هدوء، وماكنتش أتكلم لما حد يجرحهم.
الكلمات بدأت تخبط في قلبي.
كأن أبويا كان شايف كل حاجة
وساكت.
كنت فاكر إن السكوت هيحافظ على البيت لكن اكتشفت إنه هدمه.
أمي نزلت دموعها.
وأول مرة أشوف الندم في عينيها.
أما ماجدة
فبدأت تتوتر.
المحامي فتح آخر صفحة.
وقال
ولو ربنا كتب لي عمر بعد الرسالة دي، فأنا هحاول أصلح اللي فات.
ثم سكت لحظة.
وأكمل ولو ماقدرتش فأنا بطلب من بنتي شيماء تسامحني .
الورقة وقعت من إيد المحامي.
والمكان كله سكت.
أنا نفسي ماعرفتش أتكلم.
كل سنين القهر
وكل ليلة نمت فيها بعيط
وكل مرة ولادي اتكسروا
رجعت قدام عيني في ثانية واحدة.
لكن اللي خلاني أتجمد فعلًا
إن باب العناية المركزة اتفتح في اللحظة دي.
وخرجت الممرضة وهي بتقول
الأستاذ عمران فاق وأول اسم قاله وهو بيفتح عينه كان
وسكتت وهي بتبص ناحيتي.
شيماء.
قلبي دق بعنف.
بصيت للممرضة وقلت بسرعة
ينفع أدخل؟
هزت رأسها وقالت
قال يدخل شيماء لوحدها.
ماجدة اعترضت فورًا.
إزاي يعني؟ إحنا أولاده كلنا.
لكن الممرضة ردت بحزم
دي تعليمات الدكتور والمريض بنفسه طلب كده.
بصيت لولادي.
كانوا قاعدين جنب أمي.
مازن حضن أخته، ورنا كانت لسه عينيها وارمة من العياط.
ربت على راسهم.
وقلت
هرجع بسرعة.
دخلت أوضة العناية.
ريحة المطهرات كانت مالية المكان.
وصوت الأجهزة منتظم.
أبويا كان باين عليه التعب لأول مرة في حياتي.
الرجل اللي كنت دايمًا بشوفه قوي
كان نايم على السرير، وجسمه كله متوصل بأسلاك.
أول ما شافني
رفع إيده بصعوبة.
قربت منه.
مسكت إيده.
كانت باردة.
قال بصوت ضعيف
سامحيني.
الكلمة نزلت على قلبي تقيلة.
فضلت ساكتة.
قال وهو بيحاول ياخد نفسه
أنا ظلمتك.
دموعي نزلت من غير ما أحس.
لكن ما رديتش.
كمل
كنت فاكر إني لما أرضي أمك وأختك البيت هيبقى هادي.
وقف شوية.
وبعدين قال
لكن أنا ضيعت بنتي.
غمض عينيه للحظة.
ولما فتحهم
قال
ولادك جعانين كانوا؟
افتكرت منظر مازن وهو حاضن الطبق الفاضي.
وافتكرت رنا وهي بتحبس دموعها.
هزيت راسي بالإيجاب.
دمعة نزلت من عين أبويا.
وقال بصوت متقطع
أنا شوفتهم.
بصيت له باستغراب.
قال
كنت شايف كل حاجة لكن سكت.
سكت ثانية.
والساكت عن الظلم شريك فيه.
ماعرفتش أتكلم.
كل الغضب اللي كان جوايا
اختلط بوجع عمري كله.
مد إيده ناحية الكومودينو.
وقال
افتحي الدرج.
فتحته.
لقيت مفتاح صغير.
وملف أحمر.
طلعتهمله.
قال
الملف ده محدش يعرف عنه حاجة غيري.
فتحته.
كان فيه عقود.
وأوراق بنك.
وكشوفات تحويلات.
وأول ورقة فوق
كانت باسم ماجدة.
من أكتر من عشر سنين.
مبالغ كبيرة.
تحويلات شهرية.
وسيارة.
وشقة.
وأرض.
كلها مكتوبة بالتواريخ.
بصيت له بدهشة.
قال
كل اللي كنت بديهولها متسجل.
ثم أشار لآخر الملف.
كان فيه ظرف صغير.
فتحته.
لقيت دفتر توفير.
باسم مازن.
ودفتر تاني باسم رنا.
كل واحد فيهم فيه مبلغ كبير.
بصيت له.
قال
كنت بجهزهولهم وأقول بكرة.
ابتسم بحزن.
لكن بكرة عمره ما جه.
سكت لحظة.
ثم قال بصوت خافت
أنا مش خايف أموت.
بلع ريقه بصعوبة.
أنا خايف حفيدي وحفيدتي يفتكروا إن جدهم كان بيكرههم.
الكلمات دي كسرتني.
قلت لأول مرة
هما أطفال ولسه قلبهم أبيض.
ابتسم ابتسامة صغيرة.
وقال
خديهم كل يوم.
استغربت.
إيه؟
قال
أنا مش ضامن عمري لكن لو خرجت من هنا عايز أصلح اللي عملته.
وقبل ما أرد
باب الأوضة اتفتح بعنف.
وماجدة دخلت رغم اعتراض الممرضة.
وشها كان أحمر من الغضب.
وأول جملة قالتها كانت
هو صحيح هتديها كل حاجة بعد ما ضحكت عليك؟!
قبل ما أبويا يرد
بص لها نظرة عمري ما شفتها في عينيه.
نظرة كلها خيبة ووجع.
قال بصوت متعب
اطلعي بره.
ماجدة افتكرت إنه بيهزر.
ضحكت وقالت
بابا هي لعبت في دماغك؟
كرر الجملة.
المرة دي بصوت أعلى شوية
قولت اطلعي بره.
أمي دخلت بسرعة تحاول تهدي الموقف.
وقالت
بلاش زعيق الدكتور مانع الانفعال.
لكن أبويا رفع إيده.
وقال اسكتي يا أم ماجدة.
كانت أول مرة في حياته يناديها بالاسم ده.
مش يا أم شيماء.
ولا يا أم البنات.
يا أم ماجدة.
الجملة لوحدها خلت أمي تنكس رأسها.
كأنه بيقول لها إن انحيازها كان واضح لدرجة إنها بقت أم بنت واحدة بس.
ماجدة قربت من السرير.
وقالت بعصبية
هي قالتلك إيه عني؟
رد أبويا وهو بيبص في عينيها
ولا كلمة.
أمال ليه بتعاملني كده؟
قال بهدوء
لأني أول مرة في حياتي بشوف الحقيقة.
سكت ثواني وهو بياخد نفسه.
ثم قال
أنا اللي دلعتك زيادة.
أنا اللي علمتك إن كل حاجة من حقك.
وأنا اللي سكت لما كنتِ تكسري قلب أختك.
أمي بدأت تعيط.
وقالت
إحنا كلنا غلطنا.
لكن أبويا هز رأسه.
لا أنا الغلط الأكبر.
لف ناحيتي.
وقال
فاكرة يوم جوازك؟
هزيت رأسي.
إزاي أنسى؟
كان يوم فرحي أبسط من فرح ماجدة بكتير.
حتى الشبكة كانت أقل.
وقتها قال لي
ظروفنا.
رغم إنه بعدها بشهور اشترى لماجدة عربية جديدة.
قال وهو بيبص في السقف
أنا كذبت عليكي.
حسيت إن الأرض بتميد بيا.
كمل بصوت ضعيف
كان معايا فلوس لكن كنت شايف إن
ماجدة أولى.
ماجدة صرخت
يعني هتحاسبني على حاجة عملتها من عشرين سنة؟
قال
لأ هحاسب نفسي.
ثم أشار للمحامي اللي كان واقف عند الباب.
وقال
هات الورق.
المحامي دخل.
وفتح الملف الأحمر.
طلع منه مجموعة عقود.
وحطها قدام أبويا.
قال
دي كل الأملاك اللي اتكتبت باسم ماجدة.
وش ماجدة شحب.
قالت بسرعة
إيه يعني؟
رد المحامي
الأستاذ عمران كان كاتب بند قانوني في كل العقود.
استغربت.
المحامي قلب أول عقد.
وقال
الأملاك دي هبات وليست بيعًا.
ثم أشار لبند صغير.
ولو ثبت استخدام الهبات للإضرار بباقي الورثة أو التمييز المتعمد بينهم يحق للواهب الرجوع فيها قانونًا وفق الشروط المنصوص عليها بالعقد.
ماجدة خطفت العقد من إيده.
وبدأت تقرأ.
إيديها كانت بترتعش.
وأبويا قال بهدوء
أنا كنت عامل البند ده من سنين لأن جوايا كان حاسس إني بغلط.
أمي بصت له بصدمة.
وقالت
إنت عمرك ما قلت.
رد
لأني كنت جبان.
ثم بص لي.
وقال
مش هعرف أصلح عمرك اللي ضاع.
ولا دموع ولادك.
لكن اللي باقي من عمري مش هسيب فيه ظلم.
في اللحظة دي
ماجدة رمت العقود على الأرض.
وقالت وهي بتصرخ
يعني هتضيع مستقبل ولادي علشان خاطرها؟
أبويا رد بهدوء شديد
لأ.
وسكت لحظة.
ثم قال الجملة اللي جمدت الدم في عروقها
أنا بحاول أرجع الحق قبل ما أقابل ربنا.
وتحولت ملامح ماجدة فجأة من الغضب
إلى خوف حقيقي.
لأنها أدركت لأول مرة
أن كل الامتيازات اللي عاشت عليها سنين
ممكن تضيع في لحظة واحدة.
قبل ما حد ينطق
ماجدة خرجت من الأوضة وهي بتخبط الباب وراها بعنف.
سمعنا صوتها في الممر وهي بتصرخ
أنا مش هسيب حقي!
أبويا ابتسم ابتسامة كلها تعب.
وقال
شايفة؟
لسه فاكرة إن اللي معاها حق.
قعدت جنبه في هدوء.
قلت
سيب كل حاجة دلوقتي أهم حاجة صحتك.
هز رأسه بالنفي.
وقال
لا لو أجلت الموضوع، عمري ما هعرف أعمله.
ثم بص للمحامي.
وقال
اتصل بالمأذون واتصل بالمحاسب وخليهم ييجوا بكرة الصبح.
المحامي كتب الملاحظات بسرعة.
وسأله
تحب تبلغ الأستاذة ماجدة؟
رد أبويا من غير تردد
كل حاجة هتتعمل قدام الجميع.
خرجت من أوضة العناية.
لقيت أمي قاعدة على الكرسي، عينيها حمرا من كتر البكا.
أول ما شافتني قامت.
وقالت بصوت مكسور
قالك إيه؟
بصيت لها شوية.
وبعدين قلت
قال إنه ندمان.
أمي غمضت عينيها.
وقالت
وأنا كمان.
سكتت لحظة.
ثم انفجرت في العياط.
أنا اللي بوظت البيت.
ماكنتش فاهمة.
فضلت ساكتة.
قالت وهي بتتكلم بالعافية
كل ما أبوكي كان يحاول يقرب منك كنت أقول له ماجدة أولى.
ولما كان يجيبلك هدية أقوله بلاش تزعل أختها.
ولما كان يفكر يساعدك بعد الطلاق أقوله ماجدة عليها التزامات أكتر.
بصيت لها بعدم تصديق.
قالت
كنت فاكرة إني بحافظ على راحة البيت.
ثم نزلت رأسها.
لكن أنا كنت بهد بيت بنتي بإيدي.
الكلمات دي وجعتني أكتر من أي إهانة.
لأنها أثبتت إن اللي حصل ليا ماكانش صدفة.
كان اختيار.
اختيار استمر سنين.
في آخر الممر
كانت ماجدة واقفة بتتكلم في التليفون بصوت واطي.
لكن مع هدوء المكان
قدرت أسمع جزء من كلامها.
لازم تيجي المستشفى حالًا.
أيوه الورق كله هيضيع.
قبل ما يغير أي حاجة.
أول ما لمحتني
قفلت المكالمة بسرعة.
وقالت بابتسامة مصطنعة
كنتي بتتصنتي؟
قلت بهدوء
لا.
الكذب هو اللي صوته عالي.
وشها اتقلب.
لكنها سكتت.
بعد أقل من عشر دقائق
وصل راجل في أواخر الأربعينات.
بدلة شيك.
وشنطة جلد في إيده.
أول ما شاف ماجدة
جريت عليه.
وقالت
أخيرًا جيت.
عرفته من بعيد.
كان إيهاب.
المحاسب اللي ماسك كل أملاك أبويا من سنين.
دخل مباشرة ناحية أوضة العناية.
لكن المحامي وقف قدامه.
وقال
ممنوع.
إيهاب اتضايق.
وقال
أنا عندي شغل مهم مع الأستاذ عمران.
رد المحامي
وأنا عندي تعليمات منه.
أي ورقة أو توقيع أو ملف هيكون بحضور كل أفراد الأسرة.
ملامح إيهاب اتغيرت.
وماجدة بدأت تتوتر.
وأنا لأول مرة
بدأت أحس إن الموضوع أكبر من مجرد تفرقة بين أختين.
فيه أسرار مالية.
وفيه أوراق.
وفيه ناس خايفة من حاجة مستخبية.
وفي اللحظة دي
المحاسب لف علشان يمشي.
لكن ملف أسود صغير وقع من شنطته على الأرض.
الملف اتفتح من أثر الوقعة
وتناثرت منه عشرات الإيصالات وصور العقود.
وقبل ما يقدر يلمهم
وقعت عيني على ورقة واحدة.
كانت صورة عقد بيع
يحمل اسم بيت أبويا
ومكتوب في أسفله بخط واضح
تمهيدًا لنقل الملكية.
لكن التاريخ
كان من أسبوع كامل.
يعني حد كان بيحاول يبيع البيت
وأبويا لسه عايش.
قبل ما إيهاب يلحق ينزل يلم الورق
كنت انحنيت بالفعل.
مسكت العقد.
وبصيت في أول سطر.
العنوان كان عنوان بيت أهلي.
نفس البيت اللي اتربينا فيه.
البيت اللي أمي كانت تقول عمره ما هيتباع.
رفعت عيني لإيهاب.
وقلت بهدوء
إيه ده؟
اتوتر.
ومد إيده بسرعة.
دي أوراق قديمة.
لكن المحامي كان أسرع.
خد العقد من إيده.
وبدأ يقرأ.
كل ثانية كانت بتعدي
لون وش إيهاب بيتغير.
وفجأة المحامي رفع رأسه.
وقال
العقد ده معمول من أسبوع.
سكت لحظة.
ثم كمل
ومكتوب فيه إن البائع هو الأستاذ عمران.
أمي قامت من مكانها.
وقالت بذهول
إزاي؟
أبوكم من شهرين ماخرجش من البيت إلا للمستشفى.
المحامي قلب الصفحة.
ثم عقد حاجبيه.
والتوقيع
بص للعقد مرة تانية.
غريب.
إيهاب قال بسرعة
الأستاذ عمران هو اللي وقع.
لكن في اللحظة دي
باب أوضة العناية اتفتح.
وأبويا كان سامع آخر الجملة.
قال بصوت متعب
أنا
وسكت وهو بياخد نفسه.
ثم قال بوضوح
عمري ما شفت العقد ده.
الصمت نزل على الممر كله.
ماجدة صرخت
بابا إنت تعبان ومش فاكر.
لكن أبويا هز رأسه.
أنا فاكر كويس.
وأشار ناحية العقد.
ودي مش إمضتي.
المحامي قرب من السرير.
وحط العقد قدامه.
أبويا بص له ثواني.
ثم قال
دي إمضاء متقلدة.
أمي حطت إيدها على بقها.
يا ساتر.
أما إيهاب
فبدأ العرق ينزل من جبينه.
قال وهو بيتلعثم
أكيد حصل سوء تفاهم.
لكن المحامي طلع من الملف ورقة تانية.
كانت فيها نماذج من توقيعات أبويا الرسمية.
حطها جنب العقد.
وقال بهدوء
في اختلاف واضح.
ثم بص لإيهاب.
مين اللي عمل العقد ده؟
إيهاب ما ردش.
ماجدة اتدخلت بسرعة.
أكيد موظف غلط.
لكن المحامي قال
دي مش غلطة موظف.
دي محاولة نقل ملكية.
ثم أضاف وهو ينظر إلى إيهاب مباشرة
ودي جريمة.
إيهاب رجع خطوة لورا.
وقال
أنا ماليش دعوة.
أنا مجرد نفذت تعليمات.
الممر كله سكت.
أنا حسيت إن قلبي هيقف.
المحامي سأله
تعليمات مين؟
إيهاب بلع ريقه.
وبص ناحية ماجدة.
ثانية واحدة
لكنها كانت كفاية.
ماجدة صرخت فيه
بتبصلي ليه؟
إيهاب نزل عينه في الأرض.
وقال بصوت مكسور
أنا أنا كنت باخد أوامري من الأستاذة ماجدة.
الجملة وقعت على المكان كأنها انفجار.
أمي رجعت لورا وهي مش مصدقة.
وقالت
ماجدة الكلام ده صح؟
ماجدة هزت رأسها بعنف.
كداب.
لكن إيهاب كان خلاص انهار.
قعد على أول كرسي قابله.
وقال
قالتلي إن الأستاذ عمران موافق وإنها هتبقى المالكة الوحيدة للبيت وإن الورق لازم يخلص قبل ما يغير رأيه.
أبويا قفل عينيه من شدة الصدمة.
ولما فتحهم
كان فيهم دموع لأول مرة أشوفها.
وقال بصوت مخنوق
أنا ما ظلمتش شيماء بس
وسكت لحظة.
أنا ربيت واحدة كانت مستعدة تبيع بيت أبوها وهو لسه عايش.
الكلمات خرجت من فم أبويا كأنها كسرت آخر حاجة كانت واقفة جواه.
أما ماجدة
فضلت واقفة مكانها.
وشها شاحب.
لكنها ما انهارتش.
بالعكس
رفعت راسها وقالت ببرود
أيوه كنت هبيع البيت.
بصتلها أمي كأنها أول مرة تشوفها.
وقالت
إنتِ اتجننتي؟
ردت من غير تردد
وأستفيد إيه لما أفضل مستنية؟
البيت قديم والأرض تمنها دلوقتي ملايين.
وأصلًا كله هيبقى بتاعي.
أبويا قاطعها بصوت ضعيف لكنه حاسم
مين قال كده؟
قالت وهي بتنفخ بضيق
إنت طول عمرك بتقول إن كل حاجة ليا.
سكت لحظة.
ثم كملت
أنا عملت اللي اتعودت عليه.
الجملة دي وقعت على أبويا كأنها صفعة.
لأنه لأول مرة
فهم إن اللي حصل ماكانش بسبب طمع ماجدة وحدها.
كان نتيجة سنين كاملة من التفرقة.
هو اللي زرع.
والنهارده
بيحصد.
المحامي قفل الملف وقال
أنا مضطر أبلغ حضرتك إن المستندات دي لازم تتحفظ.
إيهاب رفع راسه فجأة.
وقال بسرعة
أنا معايا كل النسخ.
كلنا بصيناله.
قال وهو بيحاول يخفف عن نفسه
وفيه تسجيلات ورسائل وكل التعليمات كانت محفوظة.
ماجدة جريت ناحيته.
وقالت وهي بتصرخ
اسكت!
لكنه كان خلاص فقد أعصابه.
أنا مش هشيل الليلة لوحدي.
كل مرة كنت أقولك ده غلط تقولي متخفش.
ثم أخرج موبايله من جيبه.
وفتحه.
وقال للمحامي
كل المحادثات موجودة.
مداله الموبايل.
بدأ المحامي يقلب فيه.
وفجأة
وقف عند رسالة صوتية.
شغلها.
وانتشر صوت ماجدة في الممر كله.
خلص الورق بسرعة قبل ما أبويا يغير رأيه أو يكتب حاجة لشيماء.
أمي حطت إيديها على ودانها.
وصرخت
كفاية
أما أنا
ماكنتش مصدقة إن دي أختي.
أختي اللي كنت أفتكر إن أقصى حاجة ممكن تعملها إنها تجرحني بكلمة.
طلعت مستعدة تاخد بيت أبوها
وتحرم أختها وولادها من أي حق.
أبويا طلب من المحامي يقرب.
وقال بصوت متعب
اكتب.
المحامي فتح دفتره.
أنا عمران عبدالحميد ألغي أي توكيل صادر لإيهاب اعتبارًا من اللحظة دي.
وأمنع أي تصرف في أي مال أو عقار إلا بحضور بنتي شيماء والمحامي.
إيهاب هز رأسه وقال
حاضر.
ثم أكمل أبويا
وماجدة
رفع عينه ناحيتها.
كانت واقفة تبكي لأول مرة.
لكن دموعها ماحركتش فيه حاجة.
قال
من النهارده هتتحملي نتيجة كل قرار خدتيه.
وفجأة
رنا دخلت الممر وهي ماسكة إيد مازن.
كانت خارجة تدور عليّ.
وقفت قدام سرير جدها.
وقالت ببراءة
جدو إنت هترجع البيت؟
أبويا بص لها.
ثم فتح دراعه بصعوبة.
قربت منه.
حضنها وهو بيبكي.
وقال
لو رجعت
أول سفرة هتكون ليكم.
رنا ابتسمت.
وقالت بعفوية
بس إحنا مش عايزين ناكل قبل حد.
إحنا عايزين ناكل كلنا سوا.
الجملة الصغيرة دي
خلت كل اللي في الممر ينزلوا راسهم.
لأن الطفلة اللي اتقال لها قبل ساعة إنها تعيش على البواقي
كانت هي الوحيدة اللي لسه قلبها يعرف معنى العيلة.
قبل ما حد يتكلم
فضلت رنا واقفة جنب سرير جدها، وإيديها الصغيرة ماسكة في طرف الغطا.
أبويا كان بيبصلها ودموعه بتنزل في صمت.
قال لها بصوت مبحوح
يا حبيبتي؟سامحيني
رنا بصتلي الأول.
كأنها بتستأذنني.
وبعدين بصت له وقالت
أنا زعلت بس ماما قالت اللي بيفهم غلط ممكن يتعلم.
الكلمة هزته.
رفع إيده وربت على شعرها.
أما مازن
فقرب هو كمان.
وقال بهدوء أكبر من سنه
أنا مش زعلان علشان الأكل.
كلنا بصينا له.
كمل
أنا زعلان إنكم كنتوا فاكرين إن إحنا أقل.
الممر كله سكت.
حتى الدكاترة اللي كانوا معديين وقفوا لحظة.
أبويا دفن وشه في إيده.
وأول مرة في حياتي أشوفه بيبكي بالشكل ده.
بعد ساعة
الدكتور خرج وقال إن حالته استقرت، لكن لازم يقعد كام يوم تحت الملاحظة.
رجعنا البيت.
بيتي الصغير.
شقتي اللي كنت دايمًا أسمع إنها ما تليقش ببنتهم.
أول ما دخلنا
مازن حط شنطته على الكنبة.
وقال
ماما أنا جعان.
ابتسمت.
ودخلت المطبخ.
طلعت الفراخ اللي كنت جايباها لأهلي.
والرز.
والمحشي.
وسخنتهم.
قعدنا حوالين السفرة التلاتة.
قبل ما ناكل
رنا قالت
هو ينفع ندعي لجدو؟
قلت
أكيد.
رفعنا إيدينا.
ودعينا له بالشفا.
وفي اللحظة دي
حسيت إن السفرة الصغيرة دي فيها راحة أكتر من أي عزومة كبيرة دخلتها في حياتي.
تاني يوم الصبح
صحيت على خبط شديد على الباب.
فتحت.
لقيت جارنا.
واقف وهو بيقول
في عربية نقل كبيرة واقفة تحت.
استغربت.
نزلت.
لقيت العربية محملة بأثاث.
وتلاجة.
وغسالة.
وسفرة خشب.
وسواق واقف ماسك ورقة.
أول ما شافني سأل
حضرتك الأستاذة شيماء؟
قلت
أيوه.
اداني الظرف.
فتحته.
كان فيه جواب بخط أبويا.
يا شيماء
أنا عارف إن الحاجات دي عمرها ما هتعوضك عن سنين الوجع.
لكن دي حاجات كنت شاريها لماجدة من شهور، ولسه ما استلمتهاش.
دلوقتي أنا شايف إن أول بيت محتاجها هو بيتك.
يمكن أكون اتأخرت.
بس نفسي ألحق أصلح حاجة قبل ما أمشي.
وقفت مكاني.
والدموع نزلت من غير ما أحس.
في نفس اللحظة
وقفت عربية ماجدة قدام العمارة.
نزلت منها بسرعة.
وأول ما شافت العمال بينزلوا الأثاث
صرخت
الحاجات دي بتاعتي!
العمال بصوا لبعض.
ثم بصوا للورقة اللي معاهم.
وقال كبيرهم بهدوء
إحنا بننفذ تعليمات صاحب الفاتورة.
ماجدة جريت ناحيتي.
وقالت بانفعال
رجعيهم.
طيّت الجواب بهدوء.
وبصيت في عينيها لأول مرة من غير خوف.
وقلت
زمان كنت هرجعهم.
سكت لحظة.
ثم كملت
لكن المرة دي أنا هاخد حقي.
ولأول مرة
لفت ماجدة حواليها.
ولقت كل جيران العمارة واقفين في البلكونات.
وكلهم شافوا المشهد
وشافوا مين اللي كان بياخد كل حاجة
ومين اللي عاش عمره كله مستني البواقي.
قبل ما ماجدة ترد
سمعنا صوت عربية تانية وقفت قدام العمارة.
نزل منها المحامي.
ومعاه المحاسب الجديد اللي أبويا عينه بدل إيهاب.
كان شايل شنطة مليانة ملفات.
طلع ناحيتنا وقال
صباح الخير.
ماجدة بصتله بضيق.
وقالت
إنت جاي تعمل إيه هنا؟
رد بهدوء
أنفذ تعليمات الأستاذ عمران.
فتح الشنطة.
وطلع ملف أزرق.
وقال
الأستاذ عمران طلب جرد كامل لكل ممتلكاته.
ثم بص ناحية العمال.
وأي حاجة عليها فواتير باسمه، ولسه ما اتسلمتش، تتسلم للمكان اللي حدده بنفسه.
ماجدة صرخت
وأنا؟
المحامي قال
حضرتك هتستلمي كشفًا بكل ما حصلتي عليه خلال السنوات الماضية.
استغربت.
وسألته
كشف إيه؟
رد
الأستاذ
عمران طلب نحسب كل المصروفات والهبات اللي دفعها لكل بنت من يوم جوازها.
ماجدة ضحكت باستهزاء.
وإيه يعني؟
فتح المحاسب الملف.
وقال
إجمالي ما حصلتِ عليه خلال خمسة عشر عامًا
وسكت وهو يقلب الورق.
تلات شقق.
قطعة أرض.
عربيتين.
ورأس مال لمشروع.
ومبالغ مالية شهرية.
أمي حطت إيدها على قلبها.
واضح إنها ماكنتش تعرف الأرقام دي.
أما أنا
فكنت واقفة ساكتة.
المحاسب قلب الصفحة.
وقال
أما الأستاذة شيماء
ابتسم بأسف.
فإجمالي ما حصلت عليه من والدها خلال نفس الفترة
نظر في الورقة مرة تانية كأنه مش مصدق.
ولا جنيه واحد.
الصمت نزل على المكان.
حتى ماجدة ماعرفتش ترد.
أمي بدأت تبكي.
وقالت وهي بتبصلي
أنا كنت فاكرة إن الفرق بسيط.
المحاسب هز رأسه.
الفرق مش بسيط.
ثم حط الورقتين جنب بعض.
الفرق بالملايين.
بصيت للورق.
ماكنتش حاسة بفرحة.
كنت حاسة بحزن.
حزن على سنين كاملة كنت بحاول أقنع نفسي فيها إن اللي بيحصل طبيعي.
بعد الضهر
رن تليفوني.
كان المستشفى.
قلبي وقع.
رديت بسرعة.
لكن الممرضة قالت بابتسامة باينة في صوتها
متقلقيش.
والد حضرتك طلب يشوفك.
وصلت بعد نص ساعة.
دخلت عليه.
كان شكله أحسن.
ابتسم أول ما شافني.
وقال
تعرفي أكتر حاجة وجعتني؟
هزيت رأسي.
قال
إني اكتشفت إن حفيدي وحفيدتي اتربوا أحسن مننا كلنا.
استغربت.
ابتسم وقال
بعد كل اللي حصل
رنا دعتلي.
ومازن سأل الدكتور إذا كنت هقدر أمشي تاني.
سكت لحظة.
وبعدين قال وهو بيبص من الشباك
أما الكبار
كل واحد فيهم كان بيفكر في البيت والفلوس والورق.
ثم التفت ناحيتي.
أنا عايز أعمل عزومة.
ضحكت باستغراب.
عزومة؟
قال
أيوه.
أول ما أخرج من المستشفى.
بس المرة دي
ابتسم وهو يكمل
مش هيقعد على السفرة غير اللي يعرف إن مفيش إنسان بيتقاس بفلوسه ولا بمقامه ولا بنصيبه.
ثم مد إيده ومسكني من إيدي.
وقال بهدوء
والمكان اللي هيقعد فيه مازن ورنا
هيكون أول مكان على السفرة.
بعد أسبوع
خرج أبويا من المستشفى.
الدكتور شدد عليه
ممنوع أي عصبية.
وممنوع أي انفعال.
ولو هتعملوا عزومة تبقى هادية.
أبويا ابتسم وقال
إن شاء الله.
لكن أنا كنت عارفة
إن اللي جاي مش هيكون هادي أبدًا.
يوم الجمعة
وصلت أنا ومازن ورنا.
دخلنا البيت.
نفس البيت.
نفس الصالة.
نفس السفرة.
لكن لأول مرة
ماكنتش حاسة إني دخيلة.
أول حاجة لفتت نظري
إن السفرة اتغير مكانها.
كانت أكبر.
ومتغطية بمفرش أبيض جديد.
وفي كل كرسي
كان فيه كارت صغير عليه اسم صاحبه.
بصيت أدور على أسماء ولادي.
لقيت أول كرسي على يمين أبويا
مكتوب عليه
مازن.
والكرسي اللي جنبه مباشرة
رنا.
أما أنا
فكان مكاني على شماله.
وقفت مكاني مش قادرة أصدق.
في نفس اللحظة
دخلت ماجدة.
أول ما شافت ترتيب الكراسي
وشها اتقلب.
وقالت
إيه الهزار ده؟
أبويا كان قاعد مستنيها.
رد بمنتهى الهدوء
مفيش هزار.
النهارده كل واحد هيقعد في المكان اللي يستحقه.
ماجدة بصت للكارت اللي عليه اسمها.
كان في آخر السفرة.
بعيد عن أبويا.
قالت بانفعال
أنا بنتك الكبيرة.
رد
صح.
لكن الكبر مش بالميلاد.
الكبر بالأخلاق.
سكت البيت كله.
حتى أمي.
ماقدرتش تقول كلمة.
ماجدة رفضت تقعد.
وقالت
أنا مش هقبل الإهانة دي.
أبويا قال
براحتك.
الباب مفتوح.
فضلت واقفة دقيقة.
مستنية حد يقف معاها.
لكن محدش اتحرك.
في الآخر
قعدت وهي مكسورة.
الأكل اتحط على السفرة.
لكن قبل ما حد يمد إيده
أبويا وقف بصعوبة.
كلنا قمنا نخاف عليه.
قال
سيبوني.
ثم مسك الملعقة بنفسه.
وملأ طبق مازن.
بعدها طبق رنا.
وبعدين بص لهم وقال
المرة اللي فاتت
أنا سبتكم جعانين.
النهارده
أنا اللي هأكلكم بإيدي.
رنا ابتسمت.
وقالت
شكراً يا جدو.
أما مازن
فقال بهدوء
إحنا مسامحينك.
الجملة دي خلت أبويا يعيط قدامنا كلنا.
وأمي بكت معاه.
أما ماجدة
فكانت باصة في طبقها.
ولا قادرة تاكل.
ولا قادرة ترفع عينيها.
بعد الغدا
أبويا طلب من المحامي يدخل.
كان مستنيه في أوضة المكتب.
دخل ومعاه ملف أخضر.
حطه على الترابيزة.
وقال
كل حاجة جاهزة.
أبويا بص للجميع.
وقال
قبل ما أموت
أنا لازم أخلص آخر حاجة.
فتح الملف.
طلع منه عقد تأسيس شركة جديدة.
استغربت.
قلت
شركة؟
ابتسم.
وقال
أيوه.
أنا قررت أبيع قطعة الأرض القديمة.
أمي اتفاجئت.
الأرض؟
هز رأسه.
وأعمل بثمنها مشروع.
ثم بص ناحيتي.
وقال
المشروع ده
هيكون باسم شيماء.
شهقت.
وقبل ما أتكلم
رفع إيده.
اسمعيني للنهاية.
أنا مش بديهولك هدية.
أنا بديكي فرصة.
لأنك الوحيدة اللي عرفت تعيش من شغلها.
والوحيدة اللي عمرها ما مدت إيدها لحد.
ثم التفت ناحية ماجدة.
وقال
ولو عايزة تعيشي
اشتغلي مع أختك.
زي أي موظفة.
الجملة وقعت كالصاعقة.
ماجدة قامت واقفة.
وقالت وهي بتبكي
يعني بعد كل السنين دي
هشتغل عند شيماء؟
رد أبويا بمنتهى الهدوء
لأ.
ثم ابتسم ابتسامة صغيرة.
هتشتغلي مع شيماء
مش عندها.
لو هي قبلت.
وساعتها
كل العيون اتلفتت ناحيتي.
وكان أول قرار هقوله
هيحدد إذا كانت العيلة دي لسه ليها فرصة تتجمع من جديد
ولا كل واحد هيمشي في طريقه للأبد.
قبل ما أجاوب
بصيت ناحية ماجدة.
كانت أول مرة أشوفها بالشكل ده.
لا فيها غرور.
ولا تحدي.
ولا حتى ثقة.
كان فيها خوف.
الخوف من أول يوم تضطر تعتمد فيه على نفسها.
أبويا كرر السؤال
ها يا شيماء موافقة؟
سكت شوية.
كل العيون كانت عليا.
أمي.
المحامي.
ولادي.
حتى ماجدة.
أخدت نفس طويل.
وقلت بهدوء
موافقة
ماجدة رفعت رأسها بسرعة.
لكن كملت كلامي.
بس بشروط.
أبويا قال
قولي.
قلت
أول شرط مفيش حد في الشركة ليه معاملة خاصة.
أنا قبل أي حد هحاسب نفسي.
ولو ماجدة اشتغلت
هتبدأ من أول السلم.
ماجدة عضت على شفايفها.
لكن ما اعترضتش.
كملت
تاني شرط
أي مرتب هتاخده هيكون مقابل شغل حقيقي.
ولو قصرت
هتتحاسب.
أبويا ابتسم لأول مرة من قلبه.
وقال
وده اللي كنت مستنيه.
لكن كان لسه عندي شرط أخير.
بصيت ناحية أمي.
وقلت
أنا مش هرجع البيت ده تاني
الكل اتصدم.
حتى ولادي بصوا لي.
كملت بهدوء
إلا لو مازن ورنا دخلوا من الباب وهم عارفين إنهم أحفاد البيت مش ضيوف عليه.
أمي قامت من مكانها.
وقربت مني.
وقالت وهي بتعيط
أوعدك.
وعهد عليا
ولا حد فيهم هيتكسر تاني.
بعد شهر
بدأت الشركة.
كانت صغيرة.
مكتب واحد.
وست موظفين.
وأول يوم
دخلت ماجدة لابسة لبس رسمي بسيط.
مافيش ماركات.
ولا شنط غالية.
ولا عربية فخمة.
وقفت قدامي.
وقالت
صباح الخير يا مديرة.
بصيت لها.
وقلت
في الشغل اسمي أستاذة شيماء.
هزت رأسها.
حاضر.
أديتها أول ملف.
وقلت
راجعي الفواتير دي.
أخدته.
وقعدت تشتغل.
بعد ساعة
رجعت الملف.
قلت لها
فيه أخطاء.
اتضايقت.
لكن رجعت صححته.
تاني يوم.
وثالث يوم.
وأسبوع.
وشهر.
ولأول مرة في حياتها
بدأت تعرف يعني إيه تشتغل علشان تقبض آخر الشهر.
وفي يوم
كان عندنا اجتماع مهم مع عميل كبير.
دخل مازن ورنا الشركة بعد المدرسة.
جروا على مكتبي.
رنا قالت
ماما جبنا الرسم اللي طلبتيه.
مازن كان شايل شنطهم.
وفجأة
ماجدة نادت عليهم.
تعالوا.
الولدين بصوا لي الأول.
ابتسمت.
ورحت لهم.
ماجدة طلعت من درج مكتبها علبتين صغيرين.
وقالت
دي هدية نجاحكم.
مازن قال بأدب
شكراً.
أما رنا
فحضنتها فجأة.
وقالت
أنا بحبك يا خالتي.
ماجدة اتجمدت.
واضح إنها ما كانتش متوقعة الحضن.
بعد ثواني
حضنتها هي كمان.
وانفجرت في البكاء.
وقالت وهي بتبكي
إيهابيني.
رنا سألتها ببراءة
على إيه؟
قالت وهي تمسح دموعها
على حاجات كتير إنتِ صغيرة ومش هتفهميها.
لكن مازن فهم.
قرب منها.
وقال
إحنا خلاص نسينا.
وقفت أبص للمشهد.
وحسيت إن الأطفال
سبقونا كلنا في التإيهاب.
أما الكبار
فاحتجنا نخسر كتير
علشان نتعلم إن العدل داخل البيت
أغلى من أي ميراث.
قبل ما أقفل الشركة في اليوم ده
لمحت ماجدة قاعدة لوحدها في مكتبها.
الكل كان مشي.
وهي لسه قدام شاشة الكمبيوتر.
بتراجع ملفات.
خبطت على الباب بخفة.
رفعت رأسها.
وقالت
اتفضلي.
دخلت.
ولقيتها ماسكة صورة قديمة.
صورتنا وإحنا صغيرين.
أنا وهي.
واقفين في جنينة البيت.
أنا لابسة فستان أبيض بسيط.
وهي ماسكة لعبة جديدة.
قالت وهي بتبتسم بحزن
فاكرة اليوم ده؟
هزيت رأسي.
أفتكره.
قالت
أنا لأ.
استغربت.
كملت
لحد ما ماما ادتهولي من كام يوم.
وسكتت شوية.
عارفة إيه اللي اكتشفته؟
قلت
إيه؟
قالت
إني طول عمري فاكرة إن كل اللي كنت باخده حقي.
ماكنتش شايفة إن كل حاجة كانت بتتاخد من نصيبك.
بصيت لها.
ولأول مرة
حسيت إن الكلام خارج من قلبها.
قالت
أنا لما كنت ألاقي لعبة جديدة
ماكنتش بسأل ليه إنتِ معندكيش.
ولما بابا اشترالي عربية
ماكنتش بسأل ليه إنتِ بتروحي شغلك بالمواصلات.
ولما ولادي كانوا بياكلوا
ماكنتش شايفة ولادك.
دموعها نزلت.
وقالت
أنا اتربيت غلط.
قعدت قدامها.
وقلت بهدوء
إحنا الاتنين اتربينا في نفس البيت.
بس كل واحد فينا عاش حياة مختلفة.
مرت الشهور
وأبويا بدأ يتحسن.
رجع ينزل الشركة يومين في الأسبوع.
لكن المرة دي
ماكنش بيقعد في مكتب المدير.
كان يقعد في الريسبشن.
يشرب شاي.
ويتفرج على الموظفين.
وفي كل مرة يشوف ماجدة شايلة ملفات
كان يبتسم.
وفي كل مرة يشوفني بجري بين المكاتب
كان يقول
أخيرًا بقيت مرتاح.
في يوم
ناداني.
وقال
تعالي.
دخلت مكتبه.
طلع ظرف من الدرج.
وقال
الظرف ده معايا من خمس سنين.
فتحته.
لقيت شيك بمبلغ كبير جدًا.
قلت باستغراب
إيه ده؟
قال
كنت ناوي أديهولك بعد طلاقك.
لكن كل مرة كنت أتراجع.
مرة علشان أمك.
ومرة علشان أختك.
ومرة علشان أقول بعدين.
تنهد.
البعدين ده كان هيضيعني.
رجعت له الظرف.
وقلت
مش عايزاه.
استغرب.
قلت
أنا الحمد لله بقيت واقفة على رجلي.
لو عايز تعوضني
ابتسم.
اعوضك بإيه؟
قلت وأنا ببص ناحية الجنينة
اقضي وقت مع مازن ورنا.
هما محتاجين جد
أكتر من احتياجهم لأي فلوس.
سكت ثواني.
وبعدين قام من مكانه.
رغم إن الحركة كانت لسه صعبة عليه.
فتح باب المكتب.
ونادى بصوت عالي
مازن رنا.
الطفلين جريوا عليه.
فتح دراعه ليهم.
حضنهم.
وقال وهو بيضحك لأول مرة من سنين
إيه رأيكم كل جمعة تبقوا عندي؟
رنا قالت بحماس
بس هنقعد كلنا على نفس السفرة؟
ضحك.
وقال
لا.
سكت لحظة.
فضحكت هي.
ثم كمل بابتسامة
هنقعد على سفرة أكبر علشان ميبقاش فيها مكان لحد يحس إنه أقل من حد.
وفي اللحظة دي
بصيت حواليا.
وشفت بيتنا أخيرًا بقى بيت.
مش مكان فيه ناس عايشة تحت سقف واحد
لكن عيلة اتعلمت الدرس بعد ما دفعت تمنه غالي.
مرت سنة كاملة
والحياة اتغيرت بشكل ماكنتش أتخيله.
الشركة كبرت.
بقينا أكتر من خمسين موظف.
وأول واحد كان يوصل كل صباح
كان أبويا.
يقعد يشرب قهوته.
ويسلم على كل واحد باسمه.
أما ماجدة
فبقت مسؤولة عن قسم الحسابات.
مش لأنها بنت صاحب الشركة
لكن لأنها اجتهدت.
غلطت.
واتعلمت.
وبقت تستحق مكانها.
وفي يوم
دخلت عليّ المكتب.
وقالت وهي مبتسمة
فاكرة أول يوم اشتغلت فيه؟
ضحكت.
لما زعقتيلي علشان رجعتلك الملف.
هزت رأسها.
وقالت
وقتها كنت شايفة إنك بتنتقمي مني.
سكتت شوية.
دلوقتي فهمت إنك كنت بتعلميني.
ابتسمت.
وقلت
الشغل مفيهوش أخوات.
ردت
بس بعد الشغل
ومدت إيدها.
ينفع نبقى أخوات من جديد؟
بصيت في عينيها.
وشفت الندم الحقيقي.
مسكت إيدها.
وقلت
ينفع.
وحضنتها.
ولأول مرة من سنين
كان حضن من غير وجع.
أما أمي
فاتغيرت هي كمان.
بقت كل خميس تعمل الأكل بنفسها.
وترفض إن حد يقرب من السفرة.
ولما نيجي
كانت تنادي بصوت عالي
مازن يا حبيبي.
رنا تعالى شوفتي عملتلك إيه.
وفي كل مرة
كانت تحط أطباق الأطفال الأول.
لكن مش علشان تفرق بينهم وبين حد
بل لأنها كانت تقول
الأطفال يجوعوا أسرع.
وبعدين تنادي على الكبار.
كلنا ناكل مع بعض.
من نفس الأكل.
وفي نفس الوقت.
ومن غير ما حد يحس إنه أقل من حد.
أما أبويا
ففي عيد ميلاده السبعين
جمع العيلة كلها.
وقف وهو ماسك العصاية.
وقال
أنا عايز أقول كلمة.
سكت الجميع.
قال
زمان كنت فاكر إن العدل هو إني أدي اللي محتاج أكتر.
لكن اكتشفت إن العدل
هو إني ما أكسرش قلب حد.
لف ناحية مازن ورنا.
وقال
حبايبي تعالوا.
الطفلين جريوا عليه.
حضنوه.
وقالوا في نفس الوقت
إحنا بنحبك يا جدو.
بكى.
وبكينا كلنا معاه.
ثم طلع من جيبه الطبق الورقي القديم.
اللي مازن كان ماسكه يوم الإهانة.
كنت مستغربة إنه احتفظ بيه.
قال
اليوم ده هيفضل قدامي طول عمري.
علشان كل ما أشوفه
أفتكر إن أكبر ظلم ممكن يعمله الإنسان
إنه يحسس طفل إنه أقل من غيره.
بعدها أخد الطبق.
وقطعه بإيده.
ورماه في سلة المهملات.
وقال
من النهارده
في البيت ده
مفيش حد هياكل على البواقي.
بعد سنوات
كبر مازن.
ودخل كلية الطب.
ورنا دخلت كلية الهندسة.
وفي يوم تخرج مازن
وقف على المسرح.
وكان مطلوب منه يقول كلمة.
بص ناحية الصف الأول.
لقى جده وجدته.
وأمه.
وخالته.
كلهم قاعدين جنب بعض.
ابتسم وقال
وأنا صغير حد قالي مرة إني اتولدت أعيش على البواقي.
سكتت القاعة.
ثم ابتسم.
بس أمي علمتني إن اللي بيشتغل ويتعب
عمره ما يعيش على بواقي حد.
هيعيش من خير تعبه.
وقف الجميع يصفقون.
أما أنا
فكنت أبكي في صمت.
لأنني تذكرت ذلك اليوم
اليوم الذي خرجت فيه من بيت أهلي وأنا أحمل طفلين مكسوري الخاطر.
وقتها ظننت أنني خسرت عائلتي.
لكن الحقيقة
أنني في اللحظة التي رفضت فيها الإهانة
أنقذت أولادي.
وأنقذت نفسي.
وأعطيت عائلتي فرصة أخيرة لتتعلم أن المحبة لا تُقسم
والعدل لا يُؤجل
وأن الكرامة
إذا ضاعت مرة
فلا بد أن يستعيدها الإنسان، مهما طال الزمن.
تمت بحمد الله



