عام

اخت جوزى زهرة الربيع ج٣

اخت جوزى زهرة الربيع ج٣

“المتهمة ماتت يا فندم..” الظابط قالها وهو بيقفل عين هبة بإيده.

العميد بتاع الأمن الوطني بص لسامح وليا ولنور، وقال بنبرة حادة وصارمة جداً مفيهاش أي مجال للمناقشة: “أنت وهو وهي هتحركوا معايا فوراً تحت الحراسة المشددة لمكان آمن تماماً! القضية دي مش قصة مفارش مكسورة ولا سرقة دهب.. الأوراق والهاردات اللي بنتك وجدتها جوة المفرش فيها أسماء شبكة تجسس وتهريب أموال وسلاح على أعلى مستوى في البلد! وأنتم بقيتوا الهدف الأول والوحيد للعصابة دي عشان يمسحوا القضية!”

سامح بص للظابط بذهول وشهقة مكتومة: “شبكة تجسس وسلاح?!”

أنا مسكت في إيد سامح ونور بكل قوتي، وجسمي كله كان بيتنفض. الحقيقة الكاملة المرعبة بدأت تتكشف قدامنا.. هبة مكنتش مجرد ست خايفة من جوزها، ولا كانت بتخبي شوية دهب وفلوس مشبوهة.. هبة وطارق كانوا جزء من أبشع شبكة خيانة وتجسس، وكانت بتستخدم شقتي الصغنونة وبراء بنتي ومفارش سرير الضيوف كـ ستارة مغفلة لأكبر عمليات تهريب في تاريخ البلد!

والألعن من ده كله.. إن العميد مسك تليفونه وجاته مكالمة عاجلة، وقفت ملامحه ومشى ناحية الشباك، ولما رجع بص لنا وقال بصوت مرعب: “الشقة بتاعتكم في العمرانية.. لسه ولعوا فيها حالا ودمروا كل حاجة فيها عشان يمسحوا أي بصمات أو أدلة فاضلة!”

بيتي.. شقتي اللي عشت فيها 8 سنين سمنة على عسل، اتحرقت وبقت رماد!

وقفنا إحنا التلاتة في نص الأوضة المغرقة مية، بملابسنا المبلولة ودمائنا ونادمتنا، مفيش حتة نرجع لها، ومفيش بيت يأوينا، والأعداء اللي بره مش حاسمين على روحنا ولا روح بنتنا، وفي انتظار الفصل الأخير والنهائي اللي هينتهي عنده الكابوس ده.. يا إما بالقصاص.. يا إما بالدفن تحت التراب!

العميد طوى تليفونه وحطه في جيبه، وبص لنا بعيون صارمة مفيهاش أي مجال للتفاوض: “المكالمة دي بتقول إن الشركاء الكبار خلاص جابوا آخرهم.. بيتكوا اتحرق عشان يوصلوا لكم رسالة مفادها إن مفيش مكان ترجعوا له، وإن الحساب هيكون عسير لو نطقتم بحرف واحد في التحقيقات.”

سامح انهار على الكرسي وهو بيحط إيده على دماغه الملفوفة بالرباط، وبكى بصوت مكتوم بيقطع القلب: “بيتي! شقا عمري والـ 8 سنين اللي بنيت فيهم طوبة طوبة راحت في ثانية! عشان إيه؟! عشان فتحت بابي لأختي وافتكرتها صاحبة بيت ودم?!”

مسكت سامح من كتفه بقوة، ورغم إن دموعي كانت مغرقة وشي، ورغم إن الخوف على بنتي كان هيموتني، بس حسيت بنار جوايا اتحولت لقوة مش طبيعية. بصيت لسامح في عينيه وقلت له بصوت حازم: “قوم يا سامح! قوم على حيلك.. البيت يغور، والعفش يغور، والمفارش اللي كانت السبب في الخراب ده تولع! المهم إننا عايشين، والنذالة والخيانة ماتت مع اللي عملوها.. لازم نجيب حقنا وحق بنتنا اللي اترعبت وشافت الموت بعينيها!”

الظابط شاور للقوة، ونزلنا تحت حراسة أمنية مشددة، أربع عربيات دفع رباعي سودا مصفحة ومظللة. أخدونا على مقر آمن ومجهول، شقة سرية تابعة للأجهزة الأمنية، ومؤمنة بالكامل بالأسلحة والكاميرات.

في اليوم التالي، بدأ التحقيق الموسع في القضية الكبرى. النيابة العامة بالتنسيق مع الأمن الوطني فتحوا الهاردات والفلاشات اللي كانت نور بنتي أخدتها وافتكرتها لعبة وفضلت في شنطتها. المفاجأة إن الهاردات دي مكنتش بس فيها مستندات، ده كان عليها تسجيلات وصوت وصورة، وحسابات بنكية أوفشور، وأسماء شخصيات كبيرة في عالم التجارة والسلاح والتهريب!

هبة وطارق كانوا مجرد أداة صغيرة في الشبكة، وهبة كانت بتستخدم طيبتي وقلة حيلتي ونيتي الصافية عشان تغير الهاردات والمستندات كل كام شهر جوة حشوة الفايبر بتاعة سرير الأطفال، بعيد عن أي شك أو مراقبة أمنية!

على مدار أسبوع كامل، وأحنا تحت الحراسة، الأجهزة الأمنية بدأت تشن حملات ومداهمات مكثفة بناءً على الأدلة اللي خرجت من شنطة نور. وفي يوم فجر هادي، نزل الخبر في التلفزيون والأخبار الرسمية: “القبض على أكبر شبكة تهريب وتجسس وغسيل أموال في البلاد، وتحويل أكثر من 12 متهم من كبار رجال الأعمال والشركاء للنيابة العامة.”

في اللحظة دي، حسيت إن النفس رجع لصدري تاني، وإن الحريق اللي كان بياكل في قلبي بدأ يطفي.

بعد شهرين من الأحداث المرعبة دي.. النيابة أنهت تحقيقاتها معنا وتم إخلاء سبيلنا تماماً كشهود وأحراز مجني عليهم. سامح أخد التعويضات القانونية، وبمساعدة الأجهزة والأهل، قدرنا نأجر شقة جديدة في مكان جديد خالص، بعيد عن العمرانية وعن كل ذكريات الكابوس ده.

الشقة الجديدة مكنتش كبيرة، بس كانت دافية.. أول حاجة عملتها وأنا بفرش الشقة الجديدة، إني رميت كل المفارش الفايبر والملايات القديمة، واشتريت مفارش جديدة خالص، وكل يوم أصحى الصبح بدري، أدخل أوضة نور عشان أروقها وأشوف المفارش سليمة ونظيفة ومفيهاش أي قطع!

نور رجعت لمدرستها، وبدأت تبتسم وتلعب تاني، وسامح ربنا شفاعه وجرح رأسه التأم، بس الجرح اللي في قلبه من خيانة أخته قفل عليه بدرس عمره ما هينساه.

علمتني الأيام دي إن مش كل اللي يدخل بيتك ويضحك في وشك يكون بيحبك، وإن الباب المقفول على أهله بالنظافة والستر أحسن ميت مرة من فتح الباب للي مبيصونش النعمة.. والمفارش اللي هبة كانت بتقول عليها “قديمة ودايبة زيك”، طلعت هي اللي دايبة ومريضة وخاينة، وعاشت وماتت في رخصها، وأحنا خرجنا من وسط النار مرفوعين الرأس.. وأبرياء.

“هذه القصة من وحي خيال الكاتب، وأي تشابه بينها وبين الواقع في الأسماء أو الأحداث هو محض صدفة غير مقصودة.”

الصفحة السابقة 1 2

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى