عام

الحقني يا خالو ج٢

أما الدكتور ياسر، فكان عليه أن يواجه أسئلة كثيرة حول دوره الحقيقي.

وشريف نفسه تم التحقيق معه بسبب أخذه ملك دون إذن، رغم أن الأدلة أظهرت أنه كان يحاول منع نقلها إلى مكان آخر.

لم تنتهِ الأمور في يوم واحد.

ولا في أسبوع.

الحقيقة احتاجت وقتًا.

لكن أهم شيء حصل…

إن ملك بقت في مكان آمن.

بعد عدة أسابيع، سامح أخذها في زيارة صغيرة لمكان مفتوح.

كانت ماسكة الدبدوب الأحمر.

وقفت قدام شجرة كبيرة.

وبصت لسامح.

— خالو؟

— نعم يا فراشتي؟

— هو الكرسي لسه بيوجع؟

سامح ابتسم.

— لأ.

— ليه؟

— علشان مفيش حد هيجبرك تقعدي على حاجة بتوجعك تاني.

ملك ابتسمت.

وبعدين جريت ناحية الشجر.

سامح وقف يتفرج عليها.

ولأول مرة من شهور، شافها بتجري من غير ما تبص وراها.

محمود وقف جنبه.

كان شكله مختلف.

مش رجل الأعمال اللي كان بيخبي مشاعره.

ولا الأخ اللي كان شايل أسراره لوحده.

كان مجرد أب فهم متأخر جدًا إن حماية الطفل مش معناها تخويفه.

— سامح.

— نعم؟

— أنا مدينلك بحياتي.

سامح هز راسه.

— مش أنا اللي أنقذت ملك لوحدي.

— مين؟

سامح بص ناحية ملك.

— هي.

محمود ابتسم.

— هي؟

— أيوه.

— إزاي؟

— لأنها رغم إنها كانت خايفة، اتكلمت.

محمود سكت.

سامح قال:

— وده أهم درس في كل اللي حصل.

— إيه؟

— إن الطفل لما يقول إن حاجة بتوجعه، لازم نسمعه.

بعد فترة، بدأت ملك تروح لمتخصصة نفسية للأطفال تساعدها تتجاوز آثار الخوف اللي عاشته.

ما كانش حد بيجبرها تحكي.

كانت هي اللي تختار إمتى تتكلم.

وكل مرة كانت بتتكلم فيها، كانت بتطلع خطوة جديدة من الخوف.

أما محمود، فباع جزءًا من استثماراته وسدد التزاماته القانونية، وقرر يعيد بناء حياته من البداية.

وكان أكتر قرار أخده صعوبة…

إنه اعترف بكل أخطائه بدل ما يحاول يخبيها.

نهى خضعت للتحقيق، وتحملت مسؤولية أفعالها، وبدأت إجراءات قانونية طويلة.

العلاقة بينها وبين محمود انتهت.

لكن محمود ما قطعش عنها حقها في التواصل مع ملك ضمن الإطار اللي يضمن سلامة الطفلة، لأن ملك في النهاية كانت محتاجة تعرف إن أمها أخطأت، لكن من غير ما تحمل نفسها ذنب أخطاء الكبار.

أما شريف…

فاختفى من حياة العيلة بعد ما انتهت التحقيقات الأساسية.

سامح قابله مرة واحدة.

قال له:

— ليه ما جيتش من البداية وقلت الحقيقة؟

شريف رد:

— لأن الخوف بيخلي الإنسان يعمل حاجات غلط وهو مقتنع إنه بيعمل الصح.

سامح قال:

— وده مش مبرر.

— عارف.

— لكن على الأقل اتعلمت.

شريف ابتسم.

— وأنت؟

سامح بص له.

— أنا اتعلمت إن التحقيق مش دايمًا يبدأ بسؤال.

— يبدأ بإيه؟

— يبدأ إنك تصدق الشخص اللي قدامك بما يكفي علشان تسمعه.

بعد شهور، سامح كان في بيت محمود.

ملك كانت بتلعب في الصالة.

دخلت وهي بتضحك.

— خالو!

— نعم؟

— بص!

رفعت الدبدوب الأحمر.

— الدبدوب بقى له سر جديد.

سامح ضحك.

— إيه؟

قربت منه وهمست:

— إنه مش بيخاف.

سامح ابتسم.

— وإنتِ؟

ملك فكرت لحظة.

ثم قالت:

— أنا كمان مبقتش بخاف.

محمود كان واقف عند الباب.

سمع الجملة.

وعينه دمعت.

ملك جريت عليه.

حضنته.

— بابا؟

— نعم يا حبيبتي؟

— أنا عايزة أقعد على الكرسي الكبير.

محمود بص للكرسي.

ثم ضحك.

— اقعدي.

ملك قعدت.

وبعدين قالت:

— مش بيوجع.

سامح ضحك.

محمود مسح دموعه.

— أيوه يا ملك.

وسكت لحظة.

— علشان المرة دي… إحنا سمعناكي.

مرت سنة.

وفي يوم، سامح كان قاعد في مكتبه بيكتب آخر سطور تحقيق جديد.

على مكتبه كانت صورة صغيرة لملك وهي بتضحك.

دخل كريم.

— خلصت؟

سامح قفل اللابتوب.

— خلصت.

— هتنشره؟

سامح بص للصورة.

— مش كل حاجة لازم تتنشر.

كريم فهم.

— عرفت تفرق؟

— أيوه.

— بين إيه وإيه؟

سامح قال:

— بين إنك تكشف الحقيقة… وإنك تكشف أسرار ناس ملهاش ذنب.

كريم ابتسم.

— ملك أخبارها إيه؟

سامح ابتسم.

— بقت بتتكلم كتير.

— دي حاجة كويسة.

— جدًا.

رن تليفون سامح.

كانت ملك.

رد.

— ألو؟

— خالو!

— نعم؟

— ماما بعتتلي جواب.

سامح سكت.

— قالتلك إيه؟

— مش عارفة.

— إنتِ عايزة تقريه؟

— لأ.

— ليه؟

— لما أبقى جاهزة.

سامح ابتسم.

— يبقى استني.

— حاضر.

وقبل ما يقفل، قالت:

— خالو؟

— نعم؟

— شكرًا إنك صدقتني.

سامح سكت لحظة.

وبعدين قال:

— أنا اللي بشكرك يا ملك.

— ليه؟

— علشان علمتيني إن صوت الطفل الصغير ممكن يكشف حقيقة كبيرة.

ضحكت.

— باي.

— باي يا فراشتي.

قفل سامح المكالمة.

وسند ضهره على الكرسي.

افتكر أول يوم شاف فيه ملك قاعدة على الكرسي وبتقول:

«الكرسي بيوجعني يا خالو.»

وقتها كان فاكر إن الحكاية كلها هتكون عن كدمة.

عن خوف.

عن مشكلة داخل بيت أخوه.

لكنه اكتشف إن الوجع الحقيقي ما كانش في الكرسي.

كان في إن طفلة صغيرة قالت الحقيقة…

والكبار اختاروا ما يسمعوهاش.

وفي النهاية، اللي أنقذ ملك ما كانش المال.

ولا نفوذ محمود.

ولا الملفات السرية.

ولا التكنولوجيا.

اللي أنقذها كان إن شخص واحد قرر يوقف كل حاجة ويسمعها.

وعشان كده، سامح احتفظ بالدبدوب الأحمر اللي ملك نسيته عنده مرة.

حطه فوق مكتبه.

وكل ما كان يشوفه، يفتكر إن بعض القصص بتبدأ بجملة بسيطة جدًا…

«أنا خايفة.»

لكن النهاية الحقيقية تبدأ لما حد يرد:

«أنا سامعك… ومش هسيبك لوحدك.»

وملك؟

كبرت.

وبعد سنوات، لما بقت في المدرسة الإعدادية، كانت كل ما تشوف طفل خايف أو ساكت زيادة عن اللزوم، تروح تقعد جنبه من غير ما تسأله أسئلة كتير.

مرة بنت صغيرة كانت قاعدة لوحدها في فناء المدرسة.

ملك قعدت جنبها.

— إنتِ كويسة؟

البنت هزت راسها.

— أيوه.

ملك ابتسمت.

— لو مش كويسة، عادي تقولي.

البنت بصت لها.

وبعد لحظات بدأت تبكي.

ملك ما قالتش لها «متعيطيش».

ولا قالت لها «أكيد الموضوع بسيط».

بس مسكت إيدها.

وقالت:

— أنا مصدقاكي.

الجملة دي كانت كفاية.

لأن ملك كانت عارفة كويس معنى إن طفل يقول الحقيقة…

وما يلاقيش حد يصدقه.

أما سامح، ففضل محتفظًا بالدبدوب الأحمر فوق مكتبه.

وكل مرة حد يسأله:

— ليه محتفظ بيه لحد دلوقتي؟

كان يبتسم ويقول:

— علشان يفكرني إن أصغر صوت ممكن يكون أهم صوت في المكان كله.

ومن يومها، عمره ما سمع طفل يقول:

«أنا بتوجع»…

ويعدّي كلامه كأنه ولا حاجة.

لأن سامح عرف أخيرًا إن الكرسي ممكن يتصلح.

والبيت ممكن يتغير.

والفلوس ممكن ترجع.

والأسرار ممكن تنكشف.

لكن خوف طفل صغير…

لو اتساب يكبر جواه…

ممكن يفضل معاه العمر كله.

وعشان كده، لما ملك كبرت وسألته في يوم:

— خالو، لو كنت رجعت من البيت يومها ومصدقتنيش، كان إيه اللي هيحصل؟

سامح بص لها فترة طويلة.

ثم قال:

— مش عارف.

— ليه؟

— علشان الحمد لله إني ما سمحتش لنفسي أعرف.

ملك ابتسمت.

وحضنته.

وفي اللحظة دي، سامح عرف إن أصعب رحلة في حياته انتهت أخيرًا.

مش يوم اتقبض على المذنبين.

ولا يوم ظهرت الحسابات.

ولا يوم انكشفت الأسرار.

انتهت يوم ملك قدرت تقعد على كرسي…

من غير خوف.

ومن غير ألم.

ومن غير ما تستنى حد يصدقها.

وساعتها فقط، فهم سامح معنى الجملة اللي بدأت بيها كل الحكاية:

«الكرسي بيوجعني يا خالو.»

ما كانش الكرسي هو اللي كان محتاج يتغير.

كان لازم الكبار هم اللي يتعلموا يسمعوا.

الصفحة السابقة 1 2 3

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى