ثمن القناع ج١ منى السيد

كان متعبًا من الشغل، لكن يبدو عليه الرضا عن نفسه.
دخل وفي إيده كيس كبير ورماه على السفرة:
“خدي يا ستي، جبتلك نص كيلو جبنة ورغيفين من الفرن عشان ما تقوليش إني مقصر.. بكرة الجمعة، اليوم الموعود.”
بسمة بصت للكيس، والجبنة كانت من النوع العادي، لكنها ما علقتش.
هزت رأسها وقالت:
“تسلم.”
طارق استغرب من هدوءها:
“مالك؟ كفاية خيرك شرك كده بقالك يومين؟”
“ربنا يهديك دايمًا.”
قال:
“بكرة إن شاء الله هعدي على هايبر ماركت كبير بعد الصلاة، هجيب كل طلبات الحجة مديحة، وهجيب الحاجة هنا الأول عشان نرتبها، وأمي هتبعت السواق ياخدهم بالليل.”
“تمام، تجيبهم بالسلامة.”
يوم الجمعة.. ساعة الصفر
اليوم ده مشي ببطء شديد.
طارق نزل صلى الجمعة، ورجع لابس ملابس أنيقة، وأخذ بطاقته ومفتاح عربيته وقال:
“أنا نازل ألف على المحلات عشان أجيب أنضف حاجة.. مش عايز غلطة.. هرجع على المغرب كده بالحاجة.”
أول ما الباب اتقفل، بسمة أخذت نفسًا عميقًا وطلعت كرتونتين كبار كانت شايلهم تحت السرير.
بدأت بهدوء تفرز البيت.
هدوم طارق، جزمة، عطور، ساعاته، أوراقه الخاصة، وحتى متعلقاته الشخصية.. كل حاجة تخصه في الشقة اتلمت واتحطت في الكراتين والشنط الكبيرة.
وسابت له قميص وبنطلون واحد على السرير.
الساعة كانت ستة المغرب لما طارق رن الجرس وهو محمل بالأغراض.
بسمة فتحت الباب.
دخل وهو ينهج، وراه اتنين من عمال السوبر ماركت شايلين كراتين وشنط هدايا فاخرة عليها أسماء محلات معروفة.
قال لهم:
“حطوا هنا يا رجالة، على السفرة بالراحة.. الحاجة دي غالية.”
العمال رتبوا الأغراض، وأخذوا أجرهم وغادروا.
طارق قعد على الكرسي يمسح عرقه وهو بيبص للحاجة بفخر:
“شوفتي بقى؟ ده الشغل العالي! اللحمة دي سعرها كام؟ والجبنة دي جايبها بمبلغ كبير، غير المكسرات والحلويات.. أمي هتفرح بيا بكرة قدام ضيوفها!”
بسمة كانت واقفة عند باب المطبخ، بتبص للحاجة وبتبص له.
“مبروك يا طارق، شكلها حاجات تفتح النفس فعلًا.”
“طبعًا! ده ذوقي.. أنا هدخل الحمام آخد دش سريع وأغير هدومي عشان أنزل أحط الحاجة دي في شنطة العربية وأوديها لأمي بنفسي.”
دخل طارق الحمام وأغلق الباب، وفتح المياه.
وفي نفس اللحظة، جرس الباب رن رنة خفيفة.
بسمة فتحت.
كان الأسطى حربي ومعاه الكالون الجديد وبعض الأدوات، ومعاه عاملان.
قال:
“مسا الخير يا ست بسمة، كله جاهز؟”
بسمة أشارت إلى الشنط والكراتين التي تحتوي على ملابس طارق وأغراضه، وقالت:
“الشنط دي تطلع برة الشقة وتتحط على البسطة قدام الباب بهدوء تام.. وبعدها تغير الكالون.”
الأسطى حربي نظر إليها وفهم أن هناك أمرًا مهمًا يحدث، فهز رأسه وقال:
“اعتبريه حصل يا ست الكل.”
صوت المياه كان عاليًا ومغطيًا على صوت الأدوات والعمال وهم ينقلون الكراتين إلى الخارج بهدوء.
بسمة دخلت الصالة، وبصت على أكياس اللحمة الغالية، والمكسرات، والشوكولاتة، وعلب الجبن المستوردة التي كانت مرصوصة على السفرة.
شالت كل الشنط دي، ودخلتها المطبخ، ورصتها في التلاجة الصغيرة.
بعدها أغلقت باب التلاجة واحتفظت بالمفتاح معها.
بعد خمس دقائق، توقفت المياه في الحمام.
الأسطى حربي قال من عند الباب:
“الكالون الجديد ركب يا ست بسمة، وده المفتاح الأصلي ومعاه النسخ.”
“تسلم إيدك يا أسطى حربي.”
“ربنا يقويكي يا بنتي.”
نزل النجار والعمال، وفضل باب الشقة مغلقًا، بينما كانت الكراتين والشنط الخاصة بطارق مرتبة على السلم بالخارج.
خرج طارق من الحمام، وشعره ما زال مبلولًا، وهو يقول:
“يا سلام على الدش اللي يرد الروح! بقولك إيه يا بسمة، اعمليلي فنجان قهوة من البن الجديد اللي جبته لأمي لحد ما ألبس.”
وهنا.. وقف طارق مكانه.
وبص للصالة.
ترابيزة السفرة كانت فاضية تمامًا.
مفيش عليها ولا كيس ولا علبة.
طارق نظر حوله باستغراب، ثم قال:
“إيه ده؟! فين الحاجة؟! فين الأكل والكراتين اللي كانت هنا؟! بسمة، الحاجة فين؟!”
بسمة كانت واقفة عند باب الشقة، لابسة عبايتها وطرحتها، وماسكة شنطة يدها، ومفاتيحها الجديدة في إيدها.
بصت له بهدوء، وقالت:
“الحاجة في التلاجة يا طارق.. التلاجة اللي عيالي بياكلوا منها.
مش إنت قولت يوم الجمعة هتملا تلاجة البيت؟
أهو ربنا استجاب لكلامك، بس بالطريقة اللي أنا شايفاها مناسبة.”
طارق بدأ ينظر حوله بقلق، ثم توجه ناحية باب الشقة.
وهناك لمح المشهد على البسطة الخارجية.
كراتينه، شنطه، جزمه، هدومه، وبدلته، كلها كانت مرتبة خارج الشقة.
نظر إليها بدهشة وقال:
“إيه الشنط دي؟! إنتي حاطة هدومي برة ليه؟!”
بسمة خطت خطوة إلى الخارج، ووقفت بجوار الكراتين، ثم أخرجت عقد الإيجار من شنطتها وقالت:
“الشقة دي باسمي يا طارق.
وأنا وولادي هنقعد ناكل من الحاجة اللي جبتها أسبوع كامل.
وعشان متقلقش، الكوتشي الجديد بتاع مازن جه، وسالوبيت مريم اتجاب.
لكن إنت.. كفاية عليك ست سنين عايش على حساب احتياجات البيت.”
طارق حاول الدخول وهو يقول بانفعال:
“إنتي بتعملي إيه؟! ادخلي جوة وبطلي اللي بتعمليه!”
وقبل ما يكمل كلامه، بسمة أغلقت الباب بهدوء، وسمعت صوت الكالون الجديد وهو يغلق.
طارق وجد نفسه واقفًا خارج الشقة، وبين يديه متعلقاته، بينما بدأت أصوات بعض الجيران تظهر في المكان.
وفجأة، سمع صوت هاتفه القادم من إحدى الشنط.
نظر إلى الهاتف، فوجد اتصالًا من والدته، الست مديحة، التي كانت تنتظر تجهيزات المناسبة.
نظر طارق إلى الهاتف، ثم إلى باب الشقة المغلق، وأدرك أن الخطة التي كان يظن أنها ستجعله يرضي والدته، تحولت إلى موقف لم يكن يتوقعه إطلاقًا.
يتبع…


