عام

زهرة الربيع

كان يوم أسود يوم ما أختي الكبيرة عملت العملية الصعبة دي في المخ. بعد فترة طويلة ومحنة ملهاش أول من آخر في المستشفى، أخيراً الدكتور كتبلها خروج، بس قعد يوصي وينبه علينا ألف مرة: “الست دي محتاجة راحة تامة، متتحركش كتير، والأهم من كل ده.. ميبقاش فيه أي ضغط عصبي ولا زعل، لأن أي عصبية خطر على حياتها”.

 

​أمي من خوفها عليها قالت لجوزها: “يا ابني سيبها تجي تقعد عندي الفترة دي لحد ما تقف على حيلها”، بس هو ركب رأسه ورفض بغشامة وقال: “مراتي متسيبش بيتها أبداً! إحنا نخدمها برموش عنينا، أمي وأختي قاعدين تحت وموجودين مش هيقصروا”.

​أنا وأختي قلبنا نغزنا لما قال الكلمة دي، لأن أختي ياما شكتلي من حماتها وأخت جوزها، وإنهم مبيحطوش إيدهم في قشة حتى في شغل البيت الكبير ومبيحرحموهاش. بس قلنا يمكن.. يمكن لما يشوفوها في الظرف ده ورأسها مفتوحة وعاملة عملية كبيرة في المخ، قلوبهم تحن ويقفوا جنبها.

​وراحت أختي بيتها، ومر أول يوم والتاني، وأنا كل ما أكلمها ألقى صوتها رايح ومش قادرة تتكلم، تقول لي: “معلش يا سعاد، شوية تعب ويروحوا لحالهم”. لحد اليوم التالت، لقيت تليفوني بيرن، فتحت الخط لقيت أختي بتبكي بحرقة وشهقاتها طالعة بالعافية: “تعاليلي يا سعاد.. تعاليلي حالا.. أنا مش قادرة أقوم من السرير، ولا حد بيطلعلي ولا يعملولي لقمة أكل، والعيال بيبكوا وهتجنن من صوتهم ومش قادرة أغير للصغير!”

​ساعتها جريت زي المجنونة ورحت لها. دخلت لقيتها مرمية على السرير وشها اصفر وحالتها حاله. حكتلي والدموع نازلة على خدها إنهم من أول يوم طلعولها شوية شوربة ونزلوا، ومفيش واحدة فيهم عتبت باب شقتها تاني! وهيا بالوجع ده كله بتتحامل على نفسها وتقوم تخدم جوزها وعيالها الصغار!

​أنا اتنرفزت وجبت آخري، وقلت لها: “أنا هطلع عينهم دلوقتي! وهتصل بأمي نيجي نكلم جوزك، لما هما مش قد الشيلة وجايبينك يرموكي كده ليه؟!”

أختي مسكت إيدي وهي بتترجاني والدموع في عينها: “عشان خاطري يا سعاد مش عايزة مشاكل.. أمي تعبانة وعندها الضغط ولو عرفت هتتعب وجوزي مش هيريح في الكلام انا عرفاه. عشان خاطري بلاش تتعبوني عليا أكثر من كده”.

​سألتها بقلة حيلة: “طب والحل إيه في الوضع ده؟”

قالت لي: “تعاليلي أنتِ كل يوم معلش هتعبك معايا.. جوزك إنسان كويس ومحترم وأنا متأكدة إنه مش هيمانع”.

قلت لها فوراً: “ماشي يا ستي دي بسيطة، أهم حاجة راحتك”.

​استأذنت جوزي، ورغم إن واحدة تسيب بيتها كل يوم دي حاجة تضايق أي راجل، بس عشان أصيل وراجل بجد قال لي: “وماله يا سعاد، دي أختك، ربنا يشفيها ويقومها بالسلامة”.

وبقيت كل يوم من صباحية ربنا أصحى، آخد عيالي أوديهم عند أمي، وأطلع أركب وأروح لشقة أختي. أراعيها، وأراعي عيالها الصغار، أطبخ، وأغسل، وأكوي، وأروق البيت من أوله لآخره عشان متمدش إيدها في حاجة. وبدأت أختي فعلاً ترتاح ووشها يرد وتتحسن شوية بشوية.

​بس المشكلة كانت في جوزها! الراجل ده كان في إجازة أسبوعين من شغله لانه مرشد سياحي، وكان قاعد في البيت. طول ما أنا شغاله طالع داخل ينفخ بضيق، ويقول بصوت عالي يسمعني: “أمي كانت طالعة تخدم وتعمل، بس لما لقت أختك هنا قالت ملوش لزوم ندخل بين الأخوات!”

كنت أرفع رأسي وأبقى هموت وأرد عليه، بس أختي تمسك إيدي وتقول لي: “طنشي عشان خاطري.. عشان خاطري يا سعاد اسكتي”. وكنت ببلع الإهانة وأسكت عشان عارفة إن أي ضغط أو زعل خطر على دماغها.

​لحد ما في يوم دخل الصالة، وبصلي ببرود وقرف وقال لي عيني عينك: “هو أنتِ معندكيش حاجة تعمليها في بيتك ولا إيه؟ على طول فاضية كده يا سعاد؟”

أنا من كتر الاحراج وشي جاب ألوان ومقدرتش أرد، أختي اتعصبت وقالت له: “بتيجي تشوف طلباتي! أنا عاملة عملية كبيرة ومفضية نفسها عشاني!”

قعدت أهدي في أختي وأقول لها حصل خير، وأنا جوايا بدعي الأيام تعدي وأختي تقف على حيلها عشان أحلف ما أدخل بيته ده تاني أبداً.

​وصل بيه الحال بعد كده يتعمد يقعد بالهدوم الداخلية في الصالة عشان يحرجني وأمشي، أو يتكلم بصوت عالي وهو ماشي في الشقة: “والله الواحد مش عارف ياخد راحته في بيته ولا يعيش حياته! لو مراته وحشته حتى مبيعرفش يقعد معاها دقيقتين!”

أنا كنت بعدي بالعافيه، وأقول عشان خاطر الغلبانة اللي جوة.

​لحد ما في يوم جاب آخره.. كنت واقفة في المطبخ بعمل الأكل، وهو دخل على أختي الأوضة، واتعمد يعلي صوته على الآخر عشان أسمعه: “هي أختك دي هتفضل طالعالنا كل يوم كده؟ هي مش وراها بيت ولا راجل؟!”

أختي قالت له بخوف وصوت واطي: “وطي صوتك عيب الكلام ده! أنا اللي عايزاها تيجي عشان بحتاجها ومقدرش أستغنى عنها”.

رد عليها بقلة أدب وقسوة: “لا يا أختي متحتجيهاش! كفاياكي دلع بقى وقومي شدي طولك بدل ما البيت بقى ساحة! أختك نايمالنا هنا وأمك كل يومين تنطلنا.. بقت عيشة تقرف هو انتي اول واحده تعمل عمليه!”

أول ما سمعت كلامه ده، كنت طالعه اهزأه واللي فيها فيها بقى جابت اخرها معاه.

بس في اللحظة دي.. الباب خبط بقوة!

راح فتح الباب، ولقى جوزي واقف!

جوز أختي بصه بقلة ذوق وبرود وقال له: “أهلاً.. كملت والله! أنت كمان جاي تقعد ولا إيه؟!”

​ساعتها الأرض دارت بيا، وجوزي اتصدم صدمة عمره من الطريقة والكلام، وأنا وقفت في المطبخ مسمرة في مكاني، ركبي بتخبط في بعضها وموقف ملوش أي حل.. يا ترى جوزي هيسحبني من إيدي ويمشي ويمنعني أدخل البيت ده تاني وأسيب أختي للتعب ده؟ ولا هيتخانق معاه وتولع حرب بينهم واختي هي اللي تدفع الثمن من صحتها وعشتها؟؟؟؟؟

الباب كان لسه مفتوح، وجوزي واقف قدامه، وأنا حاسة إن نفسي اتقطع.

جوز أختي كان واقف في وشه بنفس البرود، وكأنه مش هو اللي من شوية كان بيتكلم عني وعن وجودي في بيته بالطريقة دي.

جوزي بصله ثواني من غير ما يرد.

وبعدين دخل خطوة واحدة جوه الشقة وقال بهدوء غريب:

“أنا جاي آخد مراتي.”

قلبي وقع في رجلي.

افتكرت إن اللي كنت خايفة منه حصل.

إنه جه عشان يرجعني.

إنه سمع اللي اتقال ومش هيقبل إني أدخل البيت ده تاني.

جوز أختي ضحك ضحكة صغيرة وقال:

“اتفضل خدها، محدش ماسكها.”

الكلمة وجعتني أكتر من كل اللي قاله قبل كده.

بصيت لجوزي وأنا مستنية منه أي كلمة.

أي إشارة أفهم منها هو جاي يعمل إيه.

لكنه ما بصليش.

فضل عينه على جوز أختي وقال:

“إنت فاهم أنا سمعت إيه وأنا واقف على الباب؟”

جوز أختي رفع كتفه وقال:

“سمعت إيه يعني؟ كلام بيني وبين مراتي.”

جوزي رد بهدوء:

“لا… أنا سمعت كلام عن مراتي.”

سكتت الشقة كلها.

حتى صوت العيال اللي كانوا بيلعبوا في الأوضة اختفى.

أختي حاولت تقوم من السرير، لكن رجليها خانتها، فصرخت من الوجع.

جريت عليها بسرعة:

“إنتِ بتقومي ليه؟”

جوزي أول ما سمع صوتها، لف وبص عليها.

وشاف بعينه حالتها.

وشها أصفر، جسمها ضعيف، وعلى الترابيزة طبق الأكل اللي كنت عاملاه لها، والأدوية مترتبة جنب بعضها.

بص حوالين الشقة.

الغسيل متطبق.

الأكل متحضر.

البيت مترتب.

وبعدين بصلي.

المرة دي عينه كانت مليانة وجع.

قال لي:

“إنتِ بقالك كام يوم بتعملي كل ده؟”

قلت له:

“من أول ما خرجت من المستشفى.”

هز راسه ببطء.

وبعدين قال:

“وإنتِ بتسيبي بيتك وعيالك كل يوم عشانها؟”

قلت:

“أيوه.”

“وهي محدش كان بيخدمها؟”

سكت.

أختي حاولت تدافع عن جوزها وقالت:

“هو مشغول…”

جوزي قاطعها بهدوء:

“أنا مش بسأل علشان أعمل مشكلة يا أختي. أنا بس بحاول أفهم.”

جوز أختي اتضايق وقال:

“وأنا مش مقصر مع مراتي.”

جوزي بصله وقال:

“أنا ما اتهمتكش بحاجة.”

رد بسرعة:

“أمال جاي ليه؟”

جوزي قال:

“عشان أعرف ليه مراتي بترجع كل يوم على بيتنا مهدودة، وليه أختها اللي عاملة عملية في المخ بتطلب منها تيجي كل يوم، وليه إنت شايف إن وجودها هنا إهانة ليك.”

جوز أختي اتوتر.

وقال:

“أنا بيتي حر وأنا اللي أحدد مين يدخل ومين يخرج.”

جوزي هز راسه وقال:

“صحيح. بيتك حر.”

وبعدين بصلي وقال:

“لكن مراتي كمان حرة.”

جوز أختي فهم إن الكلام مش هيخلص بسهولة، فقال بنبرة حادة:

“خد مراتك وروح، وأنا هتصرف مع مراتي.”

أختي أول ما سمعت الجملة دي، وشها اتغير.

وقالت:

“هتتصرف معايا إزاي؟”

جوزها بص لها وقال:

“إنتِ عارفة.”

أنا قربت منها.

“سليم…”

جوزي رفع إيده لي إشارة إني أسكت.

وبص لجوز أختي وقال:

“أنا مش هسمحلك تهددها قدامي.”

قال:

“أنا جوزها.”

رد:

“وأنا جوز سعاد.”

الجملة نزلت على المكان كله كأنها حجر.

جوز أختي اتقدم خطوة.

لكن جوزي ما اتحركش.

فضل واقف مكانه.

وبصوت هادي قال:

“أنا مش جاي أضرب ولا أتشاجر. أنا جاي أفهم حاجة واحدة بس.”

سكت لحظة.

“إنت لما أختها وقفت جنبها في مرضها، بدل ما تشكرها، ليه كنت بتعمد تحرجها؟”

جوز أختي اتلخبط.

قال:

“أنا كنت متضايق من الوضع.”

“من إيه؟”

“من إنها قاعدة طول اليوم.”

جوزي رد:

“كانت قاعدة بتخدم أختها.”

“بس دي مش مسؤوليتها.”

جوزي ابتسم ابتسامة قصيرة وقال:

“ولا مسؤولية أمك وأختك؟”

سكت.

أختي بصت في الأرض.

وأنا حسيت إن جوزي بدأ يفهم الصورة كاملة.

فجأة جوز أختي قال:

“بص يا أستاذ، أنا مقدر إنك جاي تدافع عن مراتك، بس متدخلش في حياتي أنا ومراتي.”

جوزي قال:

“أنا فعلاً مش هدخل.”

وبعدين مد إيده ناحيتي.

“سعاد، تعالي.”

أنا اتجمدت.

بصيت لأختي.

لقيتها بتبصلي وهي بتحاول تمنع دموعها.

قالت لي بصوت مكسور:

“روحي يا سعاد.”

قربت منها ومسكت إيدها.

“أسيبك؟”

ابتسمت بالعافية:

“أنا مش صغيرة.”

لكن عينيها قالت العكس.

قالت:

“روحي عشان جوزك ما يزعلش منك.”

جوزي سمعها وقال:

“أنا مش زعلان منها.”

أختي رفعت عينيها له.

قال:

“أنا زعلان عشان هي اضطرت تشيل حاجة المفروض البيت ده كله يشيلها.”

جوز أختي احمر وشه.

وقال:

“يعني إيه؟”

جوزي رد:

“يعني إنت مش محتاج حد يعمل شغل بيتك. إنت محتاج حد يسأل عن أختك ويطمن عليها. ولو مش قادر تعمل ده، يبقى على الأقل متأذيش اللي بيعمله.”

جوز أختي سكت.

جوزي مسك إيدي.

لكن قبل ما نخرج، أختي قالت:

“استنى.”

بصينا لها.

قالت:

“أنا عايزة أقول حاجة.”

حاولت تنزل من على السرير.

أنا جريت أسندها.

وقفت بصعوبة.

وبصت لجوزها.

وقالت:

“أنا عايزة أروح عند أمي.”

أنا حسيت إن قلبي وقف.

جوزها قال:

“إيه؟”

قالت:

“سمعتني.”

“إنتِ عارفة إني رفضت.”

“وعارفة إني من حقي أروح عند أمي وأنا تعبانة.”

اتسمر مكانه.

أختي كملت:

“أنا مش عايزة سعاد تيجي هنا تاني.”

بصيت لها بصدمة.

“إيه؟”

لفت لي وقالت:

“مش عشان مش عايزاكي… بالعكس. عشان أنا مش عايزة أوشك تتبهدلي عشاني.”

دموعها نزلت.

“كل يوم بشوفك داخلة من الباب وإنتِ مرهقة، وبشوفك بتطبخي وتغسلي وتروقي، وبسمع الكلام اللي بيتقال عليكِ، وبسكت عشان صحتي.”

وبعدين بصت لجوزها.

“بس أنا تعبت من السكوت.”

جوزها حاول يقاطعها:

“إنتِ بتقولي إيه؟”

قالت:

“بقول إني هروح عند أمي.”

سكت ثواني.

وبعدين قال:

“وأنا قلت لأ.”

هنا جوزي لأول مرة اتدخل بشكل مباشر.

قال:

“هي مش محتاجة إذن عشان تروح لأمها.”

جوز أختي بص له.

“إنت بتقول إيه؟”

قال:

“بقول إن الست المريضة محتاجة مكان ترتاح فيه، مش مكان تخاف فيه من إنها تطلب مساعدة.”

أنا حسيت إن الكلام بدأ يكبر.

قربت من جوزي وقلت له:

“خلاص يا سليم، عشان خاطري.”

بصلي وقال:

“أنا هادي.”

وبعدين بص لأختي.

“خدي قرارك.”

أختي بصت لجوزها.

ولأول مرة من ساعة ما عرفتها وهي واقفة قدامه من غير ما تخاف.

قالت:

“أنا رايحة عند أمي.”

جوزها قال:

“لو خرجتي من الباب ده، متدخليش تاني.”

أختي بلعت ريقها.

بصت لي.

وبعدين قالت:

“هاتولي هدومي.”

وقتها أنا حسيت إن الدنيا اتقلبت.

جوزي شدني من إيدي وقال:

“سيبيها تاخد قرارها.”

دخلت معاها الأوضة.

بدأنا نحط هدومها في شنطة صغيرة.

وهي كانت بتبكي في صمت.

قلت لها:

“إنتِ متأكدة؟”

قالت:

“لأ.”

“أمال؟”

قالت:

“بس أنا متأكدة من حاجة واحدة.”

“إيه؟”

مسكت إيدي وقالت:

“إني لو فضلت هنا أكتر من كده، مش هعرف أتعافى.”

خرجنا من الأوضة.

أختي كانت ماسكة شنطتها الصغيرة.

جوزها واقف مكانه.

قال لها:

“يعني خلاص؟”

بصت له.

وقالت:

“أنا رايحة أمي.”

“ومش راجعة؟”

سكتت.

وبعدين قالت:

“مش عارفة.”

خرجنا من الشقة.

وأنا كنت فاكرة إن المشكلة خلصت.

لكن أول ما نزلنا السلم، جوزي وقف فجأة.

بصلي وقال:

“سعاد…”

قلت:

“نعم؟”

قال:

“في حاجة أنا لسه ما قلتهاش لك.”

قلبي اتقبض.

1 2 3 4الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى