زهرة الربيع

“مش عارفة بالضبط.”
جوزي سكت.
وأنا كنت حاسة إن دماغي بتلف.
أختي قالت:
“هناء… أنا تعبت. مش عايزة أعرف أسرار ولا فلوس ولا ظروف. أنا عايزة أروح عند أمي وأرتاح.”
هناء مسكت إيدها.
“وده اللي لازم يحصل.”
جوزي قال:
“هناخدها دلوقتي.”
لكن في اللحظة دي، سمعنا صوت خطوات جاية من ناحية باب العمارة.
لفينا.
كان جوز أختي واقف.
وشه كان مختلف تمامًا.
واضح إنه نزل ورانا.
بص على هناء.
ثم بص لجوزي.
ثم ثبت عينه عليّ.
وقال:
“إنتِ قلتي لهم؟”
هناء اتراجعت خطوة.
أختي مسكت إيدي.
جوزي وقف قدامنا.
وقال:
“إحنا هنمشي.”
جوز أختي رد:
“مش قبل ما أعرف هي قالت إيه.”
جوزي قال:
“ده مش من حقك.”
رد:
“دي أختي.”
جوزي قال:
“وهي مراتي.”
جوز أختي قرب.
“إنت مش فاهم حاجة.”
جوزي رد:
“ممكن.”
ثم أضاف:
“بس أنا فاهم إن أختك تعبانة ومحتاجة تروح عند أمها.”
جوز أختي بص لأخته.
“إنتِ هتروحي؟”
أختي قالت:
“أيوه.”
“ومين سمحلك؟”
لأول مرة، أختي ما سكتتش.
قالت:
“أنا.”
سكت.
وبعدين قالت:
“أنا اللي هقرر أعيش فين وأنا مريضة.”
هو اتصدم من ردها.
لكن بدل ما يرد، ضحك ضحكة قصيرة.
وقال:
“طيب… روحي.”
أنا استغربت.
كان متوقع منه يعاند.
لكنه فجأة هدي.
وقال:
“روحي عند أمك.”
جوزي بص له باستغراب.
وأنا كمان.
جوز أختي قرب من أختي وقال بصوت منخفض:
“بس قبل ما تمشي… لازم تاخدي حاجتك.”
قالت:
“حاجتي؟”
“أيوه.”
“كل هدومي فوق.”
قال:
“مش الهدوم.”
سكت.
وبعدين قال:
“الحاجة اللي إنتِ مخبياها.”
أختي بصت له بصدمة.
“أنا؟”
قال:
“أيوه.”
أنا بصيت لجوزي.
وجوزي بص لي.
هناء وشها اتغير.
قالت:
“خلاص…”
جوز أختي لف لها بسرعة.
“إنتِ تسكتي.”
وبعدين رجع بص لأختي.
“إنتِ عارفة أنا بتكلم عن إيه.”
أختي قالت:
“والله ما أعرف.”
هو قرب منها وقال:
“لو مش عارفة، يبقى سعاد عارفة.”
أنا اتجمدت.
جوزي وقف بيننا.
وقال:
“كفاية.”
لكن جوز أختي مد إيده ناحية جيبه.
طلع مفتاح.
ورفعه قدامنا.
وقال:
“لو عايزة تخرجي من البيت ده، اطلعي.”
ثم بص لي مباشرة.
“بس اسألي أختك الأول عن الظرف اللي كانت بتدور عليه من كام يوم.”
أختي شهقت:
“أنا؟!”
ثم فجأة حطت إيدها على رأسها.
اتمايل جسمها.
وأنا صرخت:
“أختي!”
جوزي لحقها قبل ما تقع.
وفي اللحظة دي، جوز أختي بص لنا كلنا وقال جملة واحدة:
“دلوقتي فهمتوا ليه كنت مش عايز سعاد تدخل بيتي.”
ثم لف وطلع السلم.
وسابنا واقفين تحت…
وأنا لأول مرة بدأت أشك إن أختي نفسها كانت مخبية عني حاجة كبيرة.
حاجة ممكن تغيّر كل اللي فهمناه من أول يوم.
أختي كانت لسه بين إيدين جوزي، وشها شاحب وعينيها مقفولة، وأنا حاسة إن قلبي هيقف من الخوف.
صرخت:
“أختي! أختي افتحي عينك!”
جوزي قال بسرعة:
“سعاد اهدي، متخليش صوتك يعلى.”
هناء قربت منها وقالت:
“خليها تقعد.”
قعدناها على أول درجة في السلم، وجوزي جاب لها زجاجة مية من العربية.
بعد ثواني فتحت عينيها.
أول حاجة قالتها:
“الظرف…”
أنا مسكت إيدها.
“أي ظرف يا أختي؟”
بصت لي بخوف.
“أنا مش فاكرة.”
جوزي قال:
“متجهديش نفسك.”
لكنها هزت رأسها.
“لا… لازم أفتكر.”
سألتها:
“إنتِ فعلًا مخبية حاجة عني؟”
بصت في وشي، وسكتت.
الصمت ده كان أصعب من أي إجابة.
قلت لها:
“أنا أختك يا نادية. مهما كان اللي حصل، قولي.”
دموعها نزلت.
“أنا ما كنتش عايزة أخبي عنك.”
“أمال ليه؟”
قالت:
“عشان كنت خايفة.”
“من مين؟”
ما ردتش.
جوزي قال بهدوء:
“من جوزك؟”
هزت رأسها.
وبعدين قالت:
“ومن الحقيقة.”
هناء كانت واقفة جنبنا ووشها متوتر.
قالت:
“أنا لازم أقول لكم حاجة.”
بصينا لها.
قالت:
“الظرف مش هو المشكلة.”
أنا قلت:
“أمال إيه المشكلة؟”
قالت:
“اللي جواه.”
سألتها:
“إيه اللي جواه؟”
قالت:
“ورق.”
جوزي قال:
“ورق إيه؟”
ردت:
“إيصالات وتحويلات وأوراق تخص فلوس.”
أختي فتحت عينيها.
وقالت:
“أنا كنت فاكرة إنهم إيصالات عادية.”
جوزي سأل:
“إنتِ شفتيها؟”
قالت:
“مرة.”
“وإيه اللي فهمتيه منها؟”
أختي مسكت رأسها.
“مش فاكرة كل حاجة.”
أنا قربت منها.
“خلاص، متتعبيش نفسك.”
لكنها قالت:
“فاكرة حاجة واحدة.”
“إيه؟”
“كان فيه ورقة عليها اسمي.”
جوزي سأل:
“اسمك بس؟”
قالت:
“وااسمى واسم جوزي.”
سكتنا.
هناء قالت:
“وده السبب اللي مخلي أخويا مرعوب إن الورق يظهر.”
جوزي بص لها.
“إيه نوع الورق؟”
قالت:
“مش عارفة.”
ثم أضافت:
“بس فيه ورقة أنا شفتها قبل كده، وكان مكتوب فيها إن فيه مبلغ كبير اتسحب من حساب مشترك.”
أختي شهقت.
“حسابنا؟”
هناء هزت رأسها.
“أيوه.”
أنا بصيت لأختي.
“إنتِ كنتِ عارفة؟”
قالت:
“كنت أعرف إن فلوس اتسحبت… بس جوزي قال لي إنه استخدمها في مشروع.”
جوزي سأل:
“وصدقتيه؟”
قالت:
“كان جوزي.”
قالت الجملة وهي بتبكي، وكأنها بتلوم نفسها.
“كنت بثق فيه.”
جوزي قال:
“وده مش ذنبك.”
لكن أختي كانت ساكتة.
وبعدين قالت:
“أنا افتكرت الظرف بعد ما عملت العملية.”
أنا قربت منها.
“إمتى؟”
قالت:
“قبل العملية بيومين.”
“وليه ما قولتيليش؟”
قالت:
“عشان كنت خايفة أقول إن عندي شك.”
“في جوزك؟”
هزت رأسها.
“كنت حاسة إن في حاجة غلط.”
هناء قالت:
“وكان عندها حق.”
جوزي بص لها.
“إنتِ عارفة أكتر مما بتقولي.”
هناء سكتت.
جوزي كرر:
“قولي.”
قالت:
“أنا شفت أخويا بيحط الظرف في دولاب المكتب.”
أختي قالت:
“مكتب؟”
“أيوه.”
“بس المكتب بتاعه مقفول.”
قالت:
“عشان كده.”
جوزي سأل:
“والمفتاح؟”
هناء قالت:
“معاه.”
سكتت لحظة.
“بس فيه نسخة.”
جوزي قال:
“مع مين؟”
هناء بصت لي.
وبعدين قالت:
“مع سعاد.”
أنا اتصدمت.
“أنا؟!”
قالت:
“أيوه.”
“أنا معايا مفتاح مكتبه؟”
أختي بصت لي.
وفجأة قالت:
“استني…”
وبدأت تفكر.
“أنا فعلًا مرة اديت لك مفتاح صغير.”
قلت:
“مفتاح إيه؟”
قالت:
“مش فاكرة.”
هناء قالت:
“كان من حوالي شهر.”
أنا حاولت أفتكر.
وفجأة افتكرت.
“آه!”
جوزي بص لي.
قلت:
“إنتِ مرة وإحنا قاعدين عند أمي اديتيني مفتاح صغير وقلتي لي احتفظي بيه عندك.”
أختي قالت:
“أيوه!”
“وقلتي لي إيه؟”
سكتت.
وبعدين قالت:
“قلت لك لو حصل لي حاجة…”
جوزي قاطعها:
“لو حصل لها حاجة؟”
أختي بدأت تبكي.
“كنت خايفة من العملية.”
أنا افتكرت.
قالت لي وقتها:
“لو أنا دخلت العملية ومخرجتش، خلي المفتاح ده عندك ومتديهش لأي حد غير سعاد.”
لكن وقتها أنا كنت بضحك وأقول لها:
“بعد الشر عليكي، إنتِ داخلة تعملي عملية وهتخرجي منها تضحكي علينا.”
نسيت الموضوع بعدها.
لكن دلوقتي…
حسيت إن جسمي كله ارتعش.
مديت إيدي في شنطتي.
بدأت أدور.
محفظتي.
مستحضراتي.
مناديل.
وبعدين لمست حاجة معدنية.
طلعتها.
مفتاح صغير.
أختي أول ما شافته، حطت إيدها على بوقها.
“هو ده.”
جوزي أخد المفتاح.
وقلبه في إيده.
وقال:
“إحنا مش هنفتح أي حاجة من غير ما نعرف هي تخص إيه.”
هناء قالت:
“المفتاح ده لمكتب أخويا.”
جوزي بص لها.
“متأكدة؟”
قالت:
“أيوه.”
أنا قلت:
“بس إزاي وصل لأختي؟”
هناء قالت:
“يمكن أخويا ما كانش يعرف إنها معاها.”
جوزي قال:
“وده معناه إن الظرف لسه في المكتب.”
أختي قالت:
“أنا عايزة أشوفه.”
جوزي رفض فورًا.
“لا.”
قالت:
“ليه؟”
“عشان صحتك.”
“دي حاجتي.”
“وصحتك أهم.”
أختي سكتت.
لكن هناء قالت:
“لو الظرف اتساب هناك، أخويا ممكن يخفيه.”
جوزي قال:
“مش هنسمح له.”
أنا قلت:
“نعمل إيه؟”
جوزي فكر لحظة.



