زهرة الربيع

“إيه؟”
بص ناحية باب الشقة اللي أختي خرجت منه.
وقال:
“أنا ما جيتش هنا النهارده عشان آخدك.”
سألته باستغراب:
“أمال جيت ليه؟”
سكت لحظة.
وبعدين قال جملة خلتني أنسى كل اللي حصل:
“أنا جيت عشان كنت عارف من كام يوم إن في حاجة غلط بتحصل في البيت ده… وكنت مستني أشوف بعيني قبل ما أتكلم.”
اتسعت عيني.
“عرفت منين؟”
بصلي وقال:
“من شخص أنا ما كنتش متوقع أبداً إنه هو اللي هيكشفلي الحقيقة.”
وقبل ما أسأله مين…
رن موبايله.
بص للشاشة.
وتغير وشه فجأة.
قال:
“دي هي.”
“مين؟”
رفع عينه لي وقال:
“أخت جوز أختك.”
وسكت لحظة.
ثم رد على المكالمة…
وأول كلمة سمعناها منها كانت:
“لو سعاد معاك دلوقتي… متخليهاش ترجع الشقة دي تاني، مهما حصل.”
وأنا حسيت إن اللي حصل لحد اللحظة دي كله ما كانش غير بداية الحكاية.
جوزي فضل ماسك الموبايل على ودنه، وأنا واقفة جنبه مش فاهمة حاجة.
صوت الست اللي على الطرف التاني كان واطي ومتوتر، لكن من كتر الهدوء اللي في السلم سمعنا جزء من كلامها.
“سليم… أنا عارفة إن تدخلي في الموضوع ده ممكن يعمل لي مشكلة، بس أنا مش قادرة أسكت أكتر من كده.”
جوزي رد:
“قولي.”
قالت:
“أختك لازم تفضل عند أمها.”
أنا بصيت لجوزي.
وهو بصلي، وحط إيده على السماعة كأنه مش عايزني أسمع.
لكن أنا قربت منه.
سمعته بيقول:
“إنتِ عارفة حاجة إحنا منعرفهاش؟”
سكتت شوية.
وبعدين قالت:
“أنا عارفة إن أخويا مش عايز سعاد تيجي هنا.”
جوزي قال:
“ده إحنا عرفناه.”
قالت:
“لأ… إنتوا لسه ما عرفتوش ليه.”
جوزي سأل:
“ليه؟”
الصمت طال.
وبعدين قالت:
“عشان أخويا مش شايف إن سعاد بتخدم مراته… هو شايف إن وجودها في البيت بيكشف حاجات هو مش عايز حد يشوفها.”
أنا حسيت بقشعريرة في جسمي.
بصيت لجوزي.
هو وشه اتغير.
قال لها:
“حاجات إيه؟”
ردت:
“مش هقدر أقول في التليفون.”
“أمال؟”
“أنا موجودة تحت البيت.”
جوزي اتفاجئ.
“تحت بيتكم؟”
قالت:
“أيوه.”
“استنينا.”
قفل المكالمة.
أنا مسكت دراعه.
“سليم… هي تقصد إيه؟”
قال:
“مش عارف.”
“بس قالت إن وجودي بيكشف حاجات.”
رد:
“عشان كده أنا مش عايزك تدخلي الشقة تاني.”
أختي كانت واقفة جنبنا، وسمعت آخر جملة.
قالت:
“إيه اللي بيحصل؟”
جوزي بص لها.
“هنعرف.”
نزلنا كلنا.
ولما خرجنا من باب العمارة، لقينا واحدة واقفة بعيد شوية، لابسة إسدال وبتبص حوالين نفسها بخوف.
أول ما شافتنا، جريت ناحيتنا.
كانت أخت جوز أختي.
اسمها هناء.
قالت وهي بتاخد نفسها:
“الحمد لله إنكم نزلتوا.”
أختي بصت لها باستغراب.
“هناء؟”
قالت:
“أيوه.”
وبعدين قربت منها ومسكت إيدها.
“أنا آسفة.”
أختي سحبت إيدها برفق.
“آسفة على إيه؟”
هناء بصت للأرض.
“على إني سكت.”
جوزي قال:
“إحنا محتاجين نفهم.”
رفعت عينيها وقالت:
“أنا هقول كل اللي أعرفه… بس أوعدوني محدش يواجهه دلوقتي.”
جوزي رد:
“حسب اللي هتقوليه.”
قالت:
“أخويا من أول يوم رجعت فيه مراتك من المستشفى، كان متضايق جدًا.”
أختي قالت:
“عارفة.”
“لأ… إنتِ مش عارفة.”
سكتت لحظة.
“هو كان بيقول إن وجود أختك هنا خطر عليه.”
أنا سألت:
“خطر عليه إزاي؟”
هناء قالت:
“عشان أخويا كان متعود إن مراته تعمل كل حاجة في البيت من غير ما تسأل، ومن غير ما حد يعرف هي بتعمل إيه.”
أختي بصت لها بحيرة.
“يعني إيه؟”
قالت:
“يعني هو كان سايب عليكي كل حاجة، ومش بيقول لحد إنك بتتعبي. ولما عملتي العملية، بقى لازم حد يساعدك.”
بصت لي.
“ولما سعاد بدأت تيجي، بقت شايفة كل حاجة.”
أنا قلت:
“كل حاجة زي إيه؟”
هناء ردت:
“زي إنك بتاخدي علاجك لوحدك. وإنك بتنامي ساعات من غير أكل. وإنك بتقومي تخدمي العيال رغم إن الدكتور مانعك.”
أختي نزلت عينيها.
هناء كملت:
“والأهم… إنها شافت إن مفيش حد من البيت بيعمل لك حاجة.”
أنا قلت:
“ده مش سر.”
قالت:
“بالنسبة له سر.”
جوزي سأل:
“ليه؟”
هناء اترددت.
“عشان هو كان بيقول للناس إن مراته عايشة مرتاحة، وإن أمه وأخته بيخدموها، وإنه مش محتاج حد يتدخل.”
سكتنا.
وبعدين قالت:
“ولما سعاد بدأت تيجي كل يوم، الكلام ده بقى واضح إنه مش حقيقي.”
أختي رفعت عينيها.
“يعني كان بيخاف من سعاد؟”
هناء قالت:
“كان بيخاف من إنها تتكلم.”
أنا افتكرت كل مرة كان بيتعمد يضايقني فيها.
كل تعليق.
كل نظرة.
كل مرة كان يقول فيها: “معندكيش بيت؟”
دلوقتي بدأت أفهم.
هو ما كانش بيكره وجودي لمجرد وجودي.
كان عايزني أمشي قبل ما أشوف أكتر.
جوزي سأل هناء:
“في حاجة تانية؟”
قالت:
“أيوه.”
“إيه؟”
قالت:
“الفلوس.”
أختي قالت:
“فلوس إيه؟”
هناء بصت لها بحزن.
“أخويا كان بياخد فلوس من مصاريف البيت اللي جوزك بيبعتها.”
أختي اتصدمت.
“فلوس البيت؟”
“أيوه.”
“بس هو كان بيقول إن المصاريف مش مكفية.”
قالت:
“عشان كان بياخد جزء منها لنفسه.”
أنا بصيت لأختي.
وشها اصفر.
قالت:
“طب والعيال؟”
هناء ردت:
“كان بيقول إنهم بياكلوا كويس.”
سكتت.
“لكن في الحقيقة، مراتك كانت بتوفر في كل حاجة عشان تكفي.”
أختي دموعها نزلت.
وقالت:
“أنا كنت فاكرة إننا مضغوطين.”
هناء مسحت دموعها.
“إنتِ ما كنتيش عارفة.”
جوزي سأل:
“طيب إيه علاقة سعاد بالموضوع؟”
قالت:
“سعاد كانت كل يوم بتشتري حاجات من فلوسها.”
أنا اعترضت:
“مش كتير.”
هناء هزت رأسها.
“حتى لو قليل. بس هو لاحظ.”
سألتها:
“لاحظ إيه؟”
قالت:
“إن أختك بدأت تاكل كويس، والعيال بقى عندهم احتياجات، وإن البيت بقى متظبط من غير ما هو يدفع زيادة.”
جوزي قال:
“وده مضايقه؟”
هناء ردت:
“المشكلة مش كده.”
“أمال إيه؟”
سكتت طويلًا.
وبعدين قالت:
“هو كان بيطلب من أختك فلوس.”
أختي انتفضت.
“مني؟”
“أيوه.”
“إنتِ بتقولي إيه؟”
قالت:
“كان بيقول لها إنه محتاج مبلغ عشان يخلص موضوع خاص بالشغل.”
أختي قالت:
“أنا فعلاً اديته مبلغ من فلوس كنت موفراها.”
جوزي بص لها.
“إمتى؟”
قالت:
“قبل العملية.”
هناء قالت:
“وهو ما صرفوش على الشغل.”
أختي سكتت.
“صرفهم في إيه؟”
هناء قالت:
“أنا مش متأكدة.”
ثم أضافت:
“لكن اللي متأكدة منه إن أخويا كان بيتوتر جدًا كل ما سعاد تيجي.”
أنا قلت:
“عشان الفلوس؟”
قالت:
“عشان حاجة تانية.”
جوزي سألها:
“إيه؟”
هناء بصت حوالين نفسها.
“كان فيه ظرف.”
أختي قالت:
“ظرف إيه؟”
“ظرف ورق.”
“وبعدين؟”
“كان أخويا مخبيه.”
جوزي سأل:
“فيه إيه؟”
قالت:
“مش عارفة.”
أنا قلت:
“طب ليه بتقولي لنا عنه؟”
قالت:
“عشان آخر مرة شفت أخويا ماسكه، كان بيقول لأمي: لازم الظرف ده يختفي قبل ما سعاد تعرف.”
سكتنا كلنا.
أنا حسيت إن رجلي مبقتش شايلاني.
قلت:
“أنا؟”
هناء هزت رأسها.
“أيوه… إنتِ.”
أختي قربت مني.
“هو كان خايف منك؟”
قلت:
“أنا معملتش حاجة.”
جوزي قال:
“يمكن لأنه عارف إنها ملاحظة وبتسأل.”
هناء قالت:
“يمكن.”
وبعدين أضافت:
“بس أنا أعرف حاجة واحدة.”
“إيه؟”
قالت:
“الظرف ده موجود في الشقة.”
جوزي بص لها.
“إنتِ متأكدة؟”
قالت:
“أيوه.”
“فين؟”
قالت:




