ملكة الجن الحامل انجى الخطيب ج١

بصيت ناحية صوت أمي. لكن قبل ما أتحرك… الست شدت إيدي بكل قوتها وقالت: “متسمعيش كلامها، دي مش أمك اللي بتتكلم.”
اتخضيت: “إنتِي عرفتي منين؟!”
قالتلي: “انتي نسيتي إني منهم.”
وبصتلي نظرة غريبة جدًا. نظرة خلتني لأول مرة أشك… إن الحكاية كلها ممكن تكون أكبر بكتير من مجرد جنية هربت من أهلها وبتدور على حد يساعدها تولد.
وفجأة… الباب اللي ورايا اتقفل لوحده. والأربع بنات اختفوا من قدامي. والست وقعت على الأرض وهي بتصرخ: “الحقيني… هو بدأ يخرج!”
أما أنا… فوقفت مكاني مش عارفة أعمل إيه. لحد ما سمعت أول صرخة طالعة من بطنها… صرخة بيبي بس صوته أعلى من أي صوت بيبي سمعته في حياتي.
وفي اللحظة دي عرفت… إن الليلة دي مش هتنتهي بولادة طفل وبس. دي كانت بداية حاجة… أنا لسه ما كنتش أعرف إن حياتي كلها هتتغير بسببها.
الصرخة شقت ضلمة الشقة ووصلت لآخر عظم في جسمي. صوت طفل بيعيط، بس العياط كان له صدى مرعب بيغروش في الإذن كأنه صوت ألف طفل بيصرخوا في نفس الوقت!
الأرض تحت رجلي اتنفضت نفضة خفيفة، والست مرمية على أرضية الصالة بتئن بصوت مكتوم، ماسكة بطنها وبيطلع منها نور أحمر باهت طالع من تحت عبايتها. كانت بتتنفس بصعوبة وشفايفها أزرقّت، بصتلي بعينين نص مقفولة وقالت بنبرة رجاء مشقوقة: “اطفي… اطفي النور اللي في إيديكي… النور بيأذيه!”
أنا أصلًا ماكنتش ماسكة كشاف ولا موبايل، بس استوعبت إنها تقصد الخوف اللي مشلول في جسمي. إيدي كانت بترتعش لدرجة إني مش عارفة أثبت على رجلي. صوت خطوات أبوها في الطرقة كان بيبعد وبيقرب، كأن الشقة بقت متاهة من غير حيطان.
سمعت صوت أمي تاني من جوه الأوضة، بس المرة دي الصوت كان جاي من السقف: “افتحي الباب واجري يا بنتي! دي مش ولادة… دي تعويذة!”
بصيت للست اللي على الأرض، لقيتها بتشد عبايتها بكل قوتها، وجسمها بيترعش. وفجأة، طلعت إيد صغيرة من تحت الفستان… إيد بني آدم صغيرة جداً، بس صوابعها أطول من الطبيعي وضوافرها سودا كأنها مطفية في حبر.
قلبي ضرب في زوري. نسيت العقل، نسيت أمي، ونسيت الصوت اللي في السقف. منظر دم الست ونظرة الترجي في عينها خلت غريزة البقاء تحركني. نزلت على ركبتي قدامها بسرعة، إيدي بتترعش وأنا بمدها ناحيتها.
“أعمل إيه؟! قلولي أعمل إيه؟!” صرخت فيها بصوت واطي ومجهد.
قالتلي وهي بتضغط على إيدي بصرخة مكتومة: “مسكيه… ما تخليهوش يلمس الأرض! لو لمس أرض الشقة… أبوي هيحس بريحة دمه وياخده!”
مديت إيدي تحت العباية، حسيت بسخونية مرعبة، كأني بدخل إيدي في مية بتغلي. مسكت الجسم الصغير. كان خفيف، بس تقيل بروح غريبة. أول ما شيلته وبين إيديا، صرخة الطفل سكتت تماماً.
الهدوء اللي حل في الصالة كان أرعب من الصريخ.
الطفل كان ملفوف بقماش أسود ناعم زي الحرير، بصيت لوشه… كان بني آدم كامل، ملامحه هادية وجميلة، بس لما فتح عينه… كانت عينيه كاملة السواد، مفيهاش أي بياض، صافية وبتلمع زي حجر الليل. بصلي وابتسم… ابتسامة طفل، بس كأنه عارفني من سنين.
الست أخدت نفس طويل وعميق، كأن الروح ردت فيها، وقامت وقفت على حيلها بسرعة خرافية مش حركة ست لسه والدة حالًا! العباية الحمرا نزلت من عليها، وظهرت قدامي بطولها، شعرها أسود طالع منه ضي أحمر، وملامحها حادة وجميلة بشكل يوجع العين.
بصتلي وقالت بصوت مفيش فيه أي ضعف: “أنتي نفذتي وعدك… ودلوقتي دوري.”
قبل ما أسألها عن أمي وأختي، التفتت ناحية الطرقة. الظل الطويل اللي كان واقف عند الأوضة بدأ يتقرب ببطء، وفي لحظة، الأربع بنات اللي اختفوا ظهروا تاني، بس المرة دي كانوا واقفين حوليا أنا والطفل، عاملين حلقة مقفولة.
الست وقفت قدام الظل وقالت بنبرة تهديد هزت الشبابيك: “الطفل ده في حماية العهد… اللي هيلمسه هيتحرق بحق عهد الإنس والجن!”
صوت الراجل المبحوح من الطرقة ضحك ضحكة واطية، صوتها كان زي حك الحجارة في بعض: “العهد يتربط باللسان يا ملكة… وهي نطقت بالوعد، بس أنتي ما قولتيش ليها التمن.”
اتسمرت مكاني. بصيت للست وضغطت على البيبي في حضني: “تمن إيه؟! إنتي قولتيلي هتحميني!”
الست ما لفتش وشها ليا، بس صوتها جالي هادي وبارد زي التلج: “ابني مش هيعيش في عالمنا… ولا هيعيش في عالمكم زي البني آدمين. عشان يفضل عايش، لازم يتربى بين الإتنين… في بيتكم.”
سمعت صوت باب أختي بيتفتح ببطء، وسارة خرجت منه… بس ما كانتش سارة. كانت ماشية خطوة بخطوة، عينيها متغيمة ومفيهاش أي تعبير، ووراها أمي طالعة بنفس الطريقة، الاتنين واقفين زي التماثيل في آخر الصالة.
الست شاورات بإيدها، والنور رجع فجأة للشقة بشكل طبيعي، بس الضلمة فضلت محبوسة جوة عيون أمي وأختي.
قربت الست مني، حطت صباعها على جبهة الطفل، وبعدين بصتلي في عيني وقالت بابتسامة غامضة: “من الليلة دي… أنتي مش لوحدك في الشقة دي. هو ابنك، وحارسك… والتمن إن الباب ده مش هيتقفل تاني في وش حد من عندنا.”
قبل ما ألحق أصرخ أو أرفض، الست والأربع بنات اختفوا في غمضة عين، كأنهم كانوا دخان وhissed في الهوا.
فضلت واقفة في نص الصالة، النور شغال، الشقة ساكتة، أمي وأختي واقفين بصينلي بفراغ… وفي حضني طفل صغير، عيونه سودا بالكامل، لابس أسود، وبيعص أصبعه بهدوء وكأن مفيش أي حاجة حصلت.
وفجأة… جرس الباب رن تاني.
رنة الجرس المرة دي ما كانتش زي المرات اللي فاتت. كانت دقة منتظمة، هادية… ورزينة بشكل يقلق.
أمي وأختي يادوب تحركوا، خطوتهم كانت تقيلة كأنهم مجذوبين بسلاسل مخفية، ووقفوا ورايا بظبط، عينيهم متثبتة على باب الشقة من غير ما يرمشوا. الطفل اللي في حضني تحرك خفيف، ومص صباعه بطل، ورفع عينه السودا كاملة للباب… كأنه عارف مين اللي واقف بره.



