حماتى نوال انجى الخطيب

تفتت لكريم ولقيته واقف ساكت، بس المرة دي ما كانش محتار.. كان بيسجل كل كلمة وكل نظرة خباثة في عين أمه.
كريم مسك إيد أبوه بالراحة وقاله: “بابا، أنا هاجي أطمن عليك كل يوم، وأي مصاريف للمستشفى أنا شايلها.. بس المتاجرة بصحتك دي مش هتمشي عليا.”
وبعدين لف لنوال وقالها بجفاف يوجع: “أنا ما طردتكيس يا أمي.. أنتِ اللي طردتي نفسك من حياتنا يوم ما استرخصتي بيتي وشرف مراتي. وادعي ربنا أبويا يقوم بالسلامة، لأنك لو كملتي في السكة دي، مش هتخسري بيتي بس.. أنتِ هتخسري وجودي في الدنيا كلها.”
شد كريم إيدي ومشينا في طرقة المستشفى الطويلة، وصوت صريخ نوال ورا بيكبر، بس المرة دي.. ولا حتى خطوة واحدة من خطانا اهتزت.
خرجنا من المستشفى والشمس كانت بتبدأ تغرب، والشارع حوالينا زحمة ودوشة، بس جوة عربية كريم كان في سكوت رهيب. كريم كان ماسك الدركسيون بأيديه الاتنين وعروق إيده بارزة من كتر الضغط.
بصيت له بالراحة وقلت له: “كريم.. أنت كويسة؟”
تنهد تنهيدة طويلة كأنها طالعة من قعر قفصه الصدري، وبصلي بقلة حيلة: “أنا تعبت يا سارة.. حاسس إني بين نارين. نار إنها أمي وليها حق عليا، ونار إنها مش راضية تسيبنا في حالنا وبتاخد أبويا كبش فداء عشان تذلني.”
مسكت إيده وقلت له بثبات: “أنت ما قصرتش يا كريم.. أنت واقف مع أباك ومتكفل بمل مصاريفه، وبتروح له. الفرق بس إنك حطيت حد لخراب بيتنا.. وده مش عقوق، ده حماية ليا وليك.”
عدى أسبوع، وعم حسين خرج من المستشفى ورجع البيت. كريم كان بيروح يطمن عليه في أوقات عارف إن أمه مش موجودة فيها أو لما تخرج تشتري حاجات، وعلاقته بأبوه بقت أقوى من الأول، لأن عم حسين نفسه اعترف لكريم في قعدة صفو وقال له: “يا بني أنت صح.. أمك طبعها صعب وعمرها ما حبت تشوف حد مرتاح، خليك جنب مراتك وصون بيتك، وأنا مسامحك ودعواتي معاكم.”
في يوم، كنت قاعدة في البيت بالليل، والتليفون رن.. كان رقم غريب.
رديت بالراحة: “ألو؟”
جالي صوت هادي ورزين جداً مش غريب عليا، بس ما توقعتش أسمعه في الوقت ده: “إزيك يا سارة.. أنا هبة جارتك.”
قلت لها بابتسامة: “أهلاً يا هبة.. خير في حاجة؟”
هبة سكتت ثانية وبعدين قالت بنبرة قلقانة: “سارة.. أنا مش عايزة أخوفك، ولا عايزة أعمل مشاكل، بس أنا واثقة إن من حقك تعرفي.”
قلبي اتنفض في مكاني وقلت لها: “في إيه يا هبة؟ شفتي حاجة تاني؟”
قالت لي بصوت واطي: “أنا من شوية كنت نازلة أرمي الزبالة، وسمعت صوت وشوشة في الجنينة اللي ورا بيتك.. ولما بصيت من فوق السور، شفت حماتك واقفة مع راجل غريب، بياخد منها فلوس وبيستلم منها حاجة صغيرة زي مفتاح أو كارت!”
وقفت من على الكرسي وأنا مش مصدقة اللي أسمعه: “راجل غريب؟! راجل مين ده يا هبة؟”
هبة كملت وهي بتترعش: “ما عرفتش وشّه لأن المكان كان ضلمة، بس سمعته وهو بيقولها بالحرف: ‘الموضوع ده هيخلص بكره، والبيت ده هيتقلب رأساً على عقب وما تقلقيش، مش هيعرفوا مين اللي عملها’!”
النفس أتقطع في صدري، ورجلي ما بقتش شايلاني. مسكت في طرف الترابيزة بكل قوتي وقلت لهبة بنبرة مرعوبة: “هبة.. أنتِ متأكدة من الكلام ده؟ شفتيها بنفسك؟”
ردت هبة بثبات يقطع الشك: “سارة، أنا شفت وشها تحت كشاف الشارع وهي بتديله الفلوس وبتاخد منه المفتاح تاني! والراجل ده هيئته غريبة ومش من المنطقة هنا أصلاً!”
قفلت مع هبة ودماغي بقت بتغلي. نوال مش ناوية تجيبها لبر، والمرة دي الموضوع عدى مرحلة الصلصة والشعر والتمثيل.. المرة دي دي جايبة حد يخرب البيت بجد أو يسرقه عشان تلبسهالي أو تدمر حياتنا!
سمعت صوت عربية كريم بره، مسحت وشي بسرعة وحاولت أتمالك نفسي. دخل كريم وشايل كيس فاكهة، وشه كان مجهد بس ابتسامه أول ما شافني: “مساء الخير يا سارة.. عاملة إيه؟”
بصيت له وقلت له بنبرة حاسمة مفيهاش تردد: “كريم.. اسمعني كويس وما تقاطعنيش. الهدوء اللي إحنا فيه ده هدوء ما قبل العاصفة، وأمك بتبخ سم جديد.”
كريم حط الكيس على السفرة وتنهد بضيق: “سارة.. هو إحنا هنفضل في السيرة دي؟”
مسكت إيده وقعدته: “هبة جارتنا شافتها من شوية تحت السور مع راجل غريب، بتديله فلوس وبتقوله ‘الموضوع يخلص بكره’! أمك بتخطط لحاجة كبيرة يا كريم، ولو ما سبقتناش بخطوة، البيت ده هيتخرب بجد!”
كريم بصلي بشرود، وبعدين عينيه لمعت بفظاعة لما بدأ يربط الأحداث. “بكره؟ بكره إحنا الاتنين بنكون في الشغل طول النهار…”
“بالظبط!” قلتها وأنا بقرب منه: “وده الوقت اللي هي بتبقى واثقة إن البيت فيه فاضي. بس المرة دي مش هنستنى لما المصيبة تحصل.. المرة دي هننصب إحنا الكمين.”
تاني يوم الصبح، خرجنا أنا وكريم عملنا نفسنا طالعين على شغلنا عادي جداً. مشينا بالعربية لأول الشارع، وركنّا في مكان بعيد واستنينا. كريم كان مركّب كاميرات مراقبة صغيرة في الصالة والمطبخ بليلتها، وموصلها بتليفونه مباشرة.
قعدنا في العربية، الشاشة قدامنا، وقلبي بيدق زي الطبلة. عدت ساعة.. ساعتين.. وفجأة، شفنا الحركة على شاشة التليفون.
الباب الخلفي للمطبخ اتفتح.. ودخلت نوال، ووراها راجل طوال عريض شايل في إيده شنطة سباكة كبيرة وعتلة!
كريم اتسمر مكانه وعينيه كانت هتطلع من مكانها وهو شايف أمه بتشاور للراجل على محبس المية الرئيسي وعلى لوحة الكهرباء، وبتقوله بصوت طالع من السبيكر: “اكسرلي مواسير المية اللي ورا الحيطة، واعملي قفلة في سلك الكهرباء الرئيسي عشان الشقة تولع وتغرق في نفس الوقت! خليها تعرف إزاي تطرد نوال من هنا!”
الراجل مسك العتلة ورفعها عشان يضرب بيها الحيطة.. وفي لحظتها، كريم دور العربية وطار بيها على البيت زي المجنون.
في أقل من دقيقة، كان كريم كاسر باب الشقة الخارجي وداخل عليهم زي الأسد الجريح. الراجل اتخض ورمى العتلة من إيده، ونوال صرخت صرخة رعب وهي بتشوف كريم واقف قدامها، وشه أحمر وعروقه بارزة، ووراه أنا وموبايله في إيده بيسجل كل ثانية.
“كريم?!” نوال قالتها بصوت طالع بالعافية ووشها اتقلب أبيض زي الملاية.
كريم قرب من الراجل ومسكه من زامور رقابته ورزعه في الحيطة: “أنت مين يا روح أمك؟! وببتعمل إيه في بيتي؟”
الراجل اترعب وقال وهو بيلعثم: “والله ما أعرف يا بيه! الست دي هي اللي أوجرتني وقالتلي الشقة دي بتاعتها وعايزة تهد الحيطة عشان بتوضب! أنا ماليش دعوة!”
كريم زقه بره الشقة وقال له بصوت يزلزل المكان: “غور من هنا قبل ما أدفنك مكانك!”
الراجل جرى بجلده وساب الشنطة والعتلة على الأرض. التفت كريم لنوال.. المرة دي ما كانش فيه عتاب، ولا دموع، ولا حيرة. كان فيه شيطان أخرس واقف بينه وبين أمه.
نوال بدأت تتراجع لورا وهي بتمسك في هدومها وبتبكي بتمثيل رخيص: “يا كريم يا بني.. أنا.. أنا كنت بختبر السباكة! أنا كنت خايفة عليكم من المية والـ…”
“بس!!!” كريم صرخ فيها صرخة هزت أركان العمارة كلها، حتى الجيران طلعوا على الصوت.
قرب منها وحط التليفون في وشها وهو بيعرض الفيديو اللي سجلته الكاميرا بكلامها بالنص. “بتختبري السباكة؟ عايزة تولعي في بيتي وتغرقيه؟ عشان إيه؟ عشان غلك وعقدتك اللي مش راضية تخلص؟”
نوال اتسد حنكها ومفتحتش بقها بحرف، النظرة اللي في عين كريم كانت بتقول إنها خسرت ابنها للأبد.
كريم مسك دراعها بالراحة بس بقوة، ومشي بيها لحد الباب الخارجي. وقف على العتبة وبص لها بنظرة سردت كل الوجع والكسرة اللي جواه، وقال بصوت هادي جداً بس أشد من السكين:
“أنتِ مش أمي.. الأم ما بتخربش بيت ابنها، الأم ما بتدعيش بالحريق على سقف بيحمي ابنها. من اللحظة دي، إنتِ ميتة بالنسبة لي يا نوال هانم. لو شفت وشك هنا تاني، أو قربتي من سارة بأي شكل، الفيديو ده هيتوجه للنيابة بلاغ محاولة إتلاف وشروع في حريق عمد.. وأظن إنتِ عارفة القانون كويس.”
رمى شنطتها تحت رجليها وقفل الباب في وشها بخبدة سمعت في الشارع كله.
التفت لي كريم، ونزل على ركبه في نص الصالة، وحط رأسه بين إيديه وبدأ يعيط بكاء مرير، بكاء واحد بيدفن أمه وهي حية. قربت منه وقعدت جنبه على الأرض، حضنته بكل قوتي.. البيت كان هادي، والظلم اللي عاش معشش في الأركان اتكنس لأول مرة.



