حماتى نوال انجى الخطيب

بصت لإيدها ولقيتها فعلاً ملطخة بالصلصة، مسحتها في جلابيتها بسرعة وبدأت تروح وتيجي في الصالة زي الفار المحبوس. حاولت تمشي ناحية الباب، بس وقفت قدامها وسديت السكة: “على فين؟ كريم قالك استني.. ولا خايفة تواجهي عملتك؟”
خلال عشر دقايق بس، الباب الخارجي اتفتح بخبدة هزت الشقة. دخل كريم وهو بيتنفس بسرعة، وشها أسود ومربد، ماسك الموبايل في إيده وايديه التانية بتترعش من الصدمة. أول ما دخل، نوال جرت عليه وبدأت تمثل وتعيط بحرقة: “يا كريم يا بني! الحقني! مرتك نصبتلي كمين وعايزة تعمل بيني وبينك مشكلة! دي بتتهمني إن أنا…”
كريم رفع إيده في وشها بصوت واطي بس يرعب: “بس يا أمي.. خلاص.”
نوال اتسمرت مكانها: “أنت بتبصلي كده ليه يا كريم؟ دي أمك!”
كريم بص للأرض، وبعدين بص للبقع اللي على السيراميك وعلى الكابينة، ونزل بعينيه على أزازه الصلصة المكسورة على الأرض.. بص لأمه بنظرة عمرها ما شافتها منه، نظرة واحد قرفان ومش مصدق.
“ليه يا أمي؟” كريم قالها ونبرة صوته مكسورة جداً.. “ليه تعملي كده؟ أنا كنت بصدقك.. كنت باجي البيت وأحس إن سارة مقصرة، وكنت بزعل منها وبضغط عليها عشان ترضيكِ! تدخلي بيتي في غيابنا وتوسخيه بيدك عشان تخربي بيني وبين مراتي؟”
نوال اتوترت وبدأت تتلجلج: “أنا.. أنا كنت عايزة أعلمها النظافة! كانت مهملة وأنت مش داري بـ…”
كريم قاطعها بصوت زأر في الشقة كلها: “سارة مش مهملة! أنتِ اللي مريضة! أنتِ اللي مش قادرة تشوفينا عايشين مبسوطين!”
التفت كريم ناحية الباب وفتحه على آخره، وبص لأمه وقال بكلام قاطع مفيش فيه رجعة: “المفتاح اللي معاكي يترمي هنا حالاً.. وماشوفش وشك في البيت ده تاني يا أمي. لما تصفى نيتك وتعرفي إن دي مراتي وحرمة بيتي، أبقى أفكر أزورك في بيتك.. لكن هنا، خطوة واحدة مش هتعتبيها.”
نوال أُسقط في إيدها، رمت المفتاح على الترابيزة وهي بتبرطم وتدعي عليا، وخرجت وهي بتطأطأ رأسها لأول مرة من يوم ما دخلت العيلة دي.
أول ما الباب اتقفل، كريم لفلي، وبصلي بنظرة مليانة ندم وآسف، وقرب مني وحضنني بكل قوته وهو بيكرر: “سامحيني يا سارة.. حظك في رقبتي، سامحيني إن صدقتها في يوم.”
رديت عليه وأنا بتنفس براحة لأول مرة من سنين: “المهم إن الحقيقة بانت يا كريم.. والمهم إن بيتي رجع لي تاني.”
من اليوم ده، البيت بقى له طعم تاني خالص. الهدوء اللي حرمت منه سنين رجع يرفرف في الصالة. كريم اتغير 180 درجة، بقى يجي من شغله يدخل المطبخ يساعدني، يجهز معايا الأكل، وكل ما يشوفني بنظف يمسك إيدي ويقولي: “ارتاحي يا سارة، البيت زي الفل ومش محتاج أصلًا.”
بس أنا كنت عارفة إن نوال مش من الستات اللي بيسلموا بسهولة. الستات اللي زيها لما يتكشفوا، الشر جواهم بيكبر زي النار تحت التبن.
عدى شهرين كاملين من غير ما نسمع صوتها ولا حتى مكالمة منها. كريم كان محروق من جواه، مش هينكر إنها أمه، بس كرامته ورجولته قدامي كان لهم التمن. وفي يوم جمعة، وإحنا قاعدين بنشرب الشاي بعد الغدا، تليفون كريم رن.
بصيت للشاشة.. كان رقم حمايا “عم حسين”، الراجل الطيب اللي دايمًا شارب المر وساكت في بيته. كريم رد بلهفة: “أيوة يا بابا.. ألف سلامة عليك، في إيه؟”
ملامح كريم اتغيرت وفجأة قام وقف: “إيه اللي حصل؟ مستشفى إيه دي؟ إحنا جاين حالا!”
قمت أجرى وراه وأنا مرعوبة: “في إيه يا كريم؟ عم حسين جراله حاجة؟”
كريم وهو بيلبس جزمته بإيد ترتعش: “أبويا حصله أزمة قلبية ومحجوز في العناية المركزة.. أمي بتقول إنه وقع من طوله لما عرف باللي حصل بيني وبينها!”
قلبي انقبض. حسيت إن اللعبة دخلت في مرحلة أوسخ وأخطر من الصلصة والشعر على الكنب. دي بتلعب بحياة جوزها عشان تلوى إيد ابنها وترجعه تحت طوعها!
وصلنا المستشفى بسرعة، لقينا عم حسين قاعد على الكرسي بره العناية، وشه أصفر وتعبان بس مش زي ما نوال هيأت لنا في التليفون. ورا منه كانت واقفة نوال، لافة طرحتها وشايلة في عيونها نظرة انتصار مرعبة أول ما شافت كريم داخل يجرى.
كريم جرى على أبوه وحضنه: “بابا! ألف سلامة عليك يا حبيبي.. إيه اللي حصل؟”
عم حسين بص لنوال بقلة حيلة وبعدين بص لكريم وقال بصوت مجهد: “يا بني أنا بخير.. شوية ضغط واكتئاب، بس أمك هي اللي عملت هيصة وضخمت الموضوع.”
نوال قربت بدموع تماسيح، ومسكت في دراع كريم وقالت بصوت مكسور وتمثيل يدرس: “شفت يا كريم؟ شفت اللي جرى لأبوك من يوم ما قطعتنا وطردت أمك؟ الراجل حس بكسرة النفس! أصل العيال لما يكبروا وينسوا الفضل، الأب والأم هم اللي بيدفعوا التمن!”
كريم بصلي ونظرة الحيرة والذنب بدأت ترجع لعينيه تاني. نوال استغلت اللحظة وقربت مني وقالت بصوت واطي ومسموع لكريم بس: “يا بختك يا سارة.. عرفتي تلفي وتدبري وتفرقي بين الراجل وأمه، وبكره تتسقي من نفس الكأس لما ابنك يكبر ويبيعك عشان واحدة غريبة.”
الكلام نزل عليا زي مية النار، بس المرة دي ما سكتش ولا اترعبت زي زمان. بصيت في عينها بثبات وقربت منها خطوة: “أنا مفرقتش حد يا نوال هانم.. أنتِ اللي اخترتي تخسري ابنك يوم ما دخلتي بيتي تخرّبيه. وعم حسين ربنا يشفيه، بس لو كان تعبان بجد، فمن القهر والظلم اللي شافهم معاكي طول عمره، مش من اللي حصل.”
نوال شهقت بصوت عالي: “أنتِ بتعلي صوتك عليا قدام جوزك وفي المستشفى؟”



