عام

حماتى نوال انجى الخطيب

فضلت حاضنة كريم وهو بيعيط في نص الصالة، حاسة بضربات قلبه العالية اللي كانت بتدريجي بتهدى مع كل تنهيدة طالعة من حشاشة جوفه. الدموع اللي نزلت من عين كريم اليوم ده ما كانتش دموع ضعف، كانت دموع انكسار القيد اللي كان ربطه بسنين من السيطرة والابتزاز العاطفي.
بعد شوية، رفع رأسه وبصلي، عينيه كانت حمرة بس ملامحه كان فيها ثبات غريب، ثبات الراجل اللي أخد قرار مفيش فيه رجعة. مسح دموعه بأيده وبص حواليه في الشقة، وبعدين مسك إيدي وباسها وقال بصوت واطي بس مليان يقين: “حقك عليا يا سارة.. السقف ده من النهاردة مش هيدخله غير الأمان، وأنا مش هسمح لأي حد في الدنيا، مهما كان مين، إنه يهد اللي بنيناه.”
قومته من الأرض، ولمينا الحاجات اللي الراجل سابها، وقفلنا الباب الخلفي للمطبخ بالضبة والمفتاح، وغيرنا الكوالين كلها في نفس اليوم.
مرت الأيام والأسابيع، ونوال حاولت كذا مرة تبعت قرايب وعمام لكريم عشان يلينوه، كانت بتحاول تلعب كارت “صيانة الرحم” و”الابن البار”، بس كريم كان بيطلع موبايله ويوريهم الفيديو من غير ما يتكلم كلمة واحدة. أول ما كانوا بيشوفوا نوال وهي بتشاور للراجل يكسر لوحة الكهرباء والمواسير، كانت ألسنتهم تتلجم، ويمشوا وهم مكسوفين ومش قادرين يفتحوا بقهم بحرف.
عم حسين صحته تحسنت كتير لما عرف إن كريم بيزوره في دكانه أو في قعدة بره البيت بعيد عن نوال. بقى يجيبلي معاها فاكهة وأكل وهو جاي، ويقول لكريم: “ربنا يسعدك يا بني مع مراتك، إنت عملت الصح اللي أنا ما قدرتوش أعمله من ثلاثين سنة.”
وبعد ست شهور، وقفنا أنا وكريم في نفس الصالة اللي شهدت كل القهر والوجع ده، بس المرة دي كانت الأجواء مختلفة تماماً. الصالة كانت متزينة ببلونات بيضاء وورد، وريح بخور عود مالية المكان.
قرب مني كريم وحط إيده على بطني اللي بدأت تكبر وتبان، وابتسم بضحكة صافية من قلبه وقال: “تفتكري لو طلعت بنوتة، هنسميها إيه؟”
ضحكت بصوت عالي، ضحكة شالت أخر أثر لخوف قديم، وقلت له وأنا ببص في عينيه بنفس الحب والثبات: “أي اسم في الدنيا يا كريم.. المهم إنها هتتربى في بيت هادي، مفيش فيه صلصة ممسوحة على الكابينة، ولا غل مستخبي تحت السجاد.”
ضمكني كريم ليه، ولأول مرة من يوم ما دخلت الشقة دي، حسيت إن البيت فعلاً بقى بيتي، وإن الستارة اتفلتت على كابوس طويل.. للابد.

عدت سنتين كامليين، والحياة مشيت هادية وسلكت زي الألف. جيبنا “فريدة”، ونوّرت بيتنا، وكريم بقى أب حنين بدرجة تخوف، يدخل من شغله يرمي تعبه بره ويجري عليها يشيلها. البيت بقاله حس وروح، والماضي بقى مجرد ذكريات قديمة بنحكيها وأحنا بنضحك على عبط الأيام دي.
لكن في يوم، وتحديداً في عيد ميلاد فريدة التاني، والبيت مليان ناس، صحابنا وجيراننا، وهبة واقفه معايا في المطبخ بتساعدني نجهز التورتة والحاجة.. سمعنا جرس الباب بيرن رنة طويلة وتفزع.
كريم كان واقف جنب الباب، فتحه بابتسامة فاكر إن حد من قرايبه وصل.. بس الابتسامة أتمحت من على وشه في ثانية.
كانت واقفة على الباب “نوال”.
بس ما كانتش نوال بتاعة زمان.. الست المفترية اللي عينها مليانة كبر وغرور. كانت خسارة نُص وزنها، لابة عباية قديمة ودبلانة، وعينيها مطفية وراضخة للأرض. وراها كان واقف عم حسين، بيبص لكريم بنظرة كلها ترجي ورجاء.
الناس جوة الصالة سكتت، والصوت اتقطع كأن حد داس على زرار الفاصل.
نوال رفعت عينها بالراحة، وبصت لكريم اللي أتجمد مكانه وأيده اتشنجت على الباب. بلعت ريقها بالعافية، ولأول مرة من يوم ما عرفتها، شفت دموع حقيقية نازلة من عينها من غير تمثيل ولا دراما.
قربت خطوة صغيرة، ونزلت على إيد كريم تبوسها وهي بتشهق بصوت مكسور يوجع القلب: “سامحني يا بني.. سامحني يا كريم، أنا أتنقمت مني الدنيا وعرفت إن ربنا حق. أنا كنت مريضة بالغل والغيرة، والرب أخد مني صحتي وهيبتي عشان أعرف إن الظلم ظلمات.”
كريم شد إيده بسرعة وهو مصدوم ومذهول، وبص لأبوه: “بابا.. في إيه؟”
عم حسين اتنهد بوجع وقال: “أمك تعبانة يا كريم.. الكبد عندها خلاص، والأطباء قالوا مالهاش علاج غير مسكنات. وقبل ما تروح لقضاء ربنا، تحايلت عليا أجيبيها لحد هنا.. مش عشان تدخل البيت ولا تفرض نفسها، عشان بس تسمع منها كلمة ‘سامحتك’.”
الهدوء كان سيد المكان. كل الناس كانت بتبص ونفسها مقطوع.. نوال سابت إيد كريم، ولفت بعينها المليانة كسرة وندم ناحيتي.
قربت مني بخطوات مرتعشة، وقفت قدامي وهي بتبص لفريدة اللي كانت ماسكة في جيبيتي وخايفة. نوال نزلت على ركبتها قدامي على سيراميك الباب، ورفعت إيديها الاتنين وهي بتترجاني: “يا سارة يا بنتي.. أنا عارفة إني ما أستاهلش الشفقة، وعارفة إني عملت فيكي اللي ما يترضاهوش بشر.. بس ربنا يعلم أنا بتعذب كل ليلة إزاي من وجع ضميري. سامحيني عشان أعرف أقابل ربنا ونفسي مرتاحة.. سامحيني يا سارة.”
بصيت لكريم.. لقيته بيطالعني بعيون مليانة حزن ووجع، بس كان سايب القرار كله في إيدي. ما كانش هيضغط عليا، ولا كان هيجبرني أسامح اللي هدّت صحتي ونفسيتي سنين.
بصيت لنوال وهي قاعدة تحت رجلي مكسورة، وافتكرت الصلصة، وافتكرت السباك، وافتكرت كل ليلة نمت فيها وأنا بعيط وبشَك في نفسي.. بس في نفس اللحظة، بصيت لفريدة، وبصيت لكريم، ولقيت إن ربنا يعوضني بأكتر مما أستحق، وإن الغل لما بيسكن القلب بياكل صاحبه قبل أي حد تاني.
أخدت نفس طويل، وقربت من نوال.. مسكتها من دراعها وقومتها من على الأرض.
مسحت دموعها بإيدي وقلت بصوت هادي وراسي: “أنا سامحتك يا نوال هانم.. لوجه الله، وعشان خاطر كريم وعم حسين، وعشان بنتي تبدأ حياتها في بيت مفيش فيه نقطة كره ولا غل لحد.”
نوال شهقت بالبكاء وحضنتني بكل قوتها، وكانت بتدعيلي بدموع نازلة زي المطر. كريم قرب منا، وأخد أمه في حضنه لأول مرة من سنين طويلة، والدموع نزلت من عينه وهو بيطبّطب على ظهرها.
دخلوا قعدوا معانا، وأكلت معانا من تورتة فريدة، واليوم ده ما كانش مجرد عيد ميلاد لبنتي.. ده كان عيد ميلاد لصفحة جديدة مقفولة بالكامل، اتعلمت فيها إن الحق دايمًا بيظهر، وإن التسامح مش ضعف.. التسامح هو القفلة الحقيقية لأي كابوس!

تمت

حكايات انجى الخطيب

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى