عام

جوزى طفش امانى السيد ج٢

— ولسه ما شفتيش أهم حاجة.

بصيت له.

قال:

— الورقة دي هي السبب الحقيقي اللي خلا ابنك يهرب من غير ما يطلق سلوى.

مديت إيدي وأنا بترعش.

ولما قريت أول سطر…

حسيت إن كل كلمة قلتها لسلوى طول الشهور اللي فاتت رجعت تخبط في دماغي مرة واحدة.

خصوصًا جملتي:

“مانتي لو زوجة عدلة مكنش طفش منك.”

لأن الورقة كانت بتقول بوضوح إن الحقيقة…

ما كانتش زي ما أنا اتخيلت خالص.

وساعتها المحامي قال:

— يا حاجة… قبل ما تحكمي على مرات ابنك، لازم تعرفي إن فيه شخص تالت كان بيخطط لحاجة أكبر بكتير من مجرد جواز ابنك من واحدة تانية.

رفعت عيني له.

— مين؟

المحامي بص لسلوى.

وبعدين رجع بص لي.

وقال:

— الشخص ده موجود قريب منكم جدًا…

وفي اللحظة دي بالذات…

اتسمع خبط شديد على باب البيت.

ثلاث خبطات ورا بعض.

سلوى اتجمدت مكانها.

المحامي قفل الملف بسرعة.

وأنا بصيت ناحية الباب.

الخبط رجع تاني.

أقوى.

وبعدين سمعنا صوت راجل من بره بيقول:

— سلوى… افتحي الباب.

سلوى حطت إيدها على بقها.

بصيت لها وقلت:

— مين؟

لكنها ما ردتش.

المحامي وقف.

وقال بهدوء:

— متفتحيش.

الخبط زاد.

والصوت من بره قال:

— أنا عارف إنك جوه.

سلوى بدأت تبكي.

قربت منها وقلت:

— مين اللي على الباب؟

رفعت وشها لي.

وقالت كلمة واحدة…

خلت الدم يتجمد في عروقي:

— ابنك.

لكن قبل ما أتحرك ناحية الباب، المحامي مسك الملف وقال:

— لأ… ده مش أهم شيء.

وبص ناحية الباب وأضاف:

— لأن لو هو فعلًا بره…

يبقى الشخص اللي إحنا بندور عليه من شهور…

هو كمان عرف إننا عرفنا الحقيقة.

الكتابة

فضلنا كلنا واقفين مكاننا كأن الزمن وقف.

الخبط على الباب كان بيزيد.

— سلوى! افتحي الباب!

صوت ابني كان واضح.

ابني اللي اختفى بالشهور.

ابني اللي ساب مراته وعياله من غير ما يطلقها.

ابني اللي كنت بدافع عنه قدامها كل يوم.

ابني اللي كنت بقول لها:

“أكيد عنده ظروف.”

“أكيد هيرجع.”

“أكيد إنتِ عملتي حاجة خلته يمشي.”

دلوقتي كان واقف على بعد كام خطوة مني.

لكن الغريب إن أول ما سمعت صوته…

أنا ما حسيتش بالفرحة.

حسيت بالخوف.

بصيت للمحامي.

قال لي بصوت واطي:

— متفتحيش الباب دلوقتي.

ابني خبط تاني.

— يا أمي! أنا عارف إنك سامعاني.

قربت من الباب من غير ما أفتحه.

وقلت:

— إنت فين كل ده؟

سكت شوية.

وبعدين قال:

— افتحي وأنا أقولك.

بصيت لسلوى.

كانت بتعيط في صمت.

المحامي أشار لي إني أبعد عن الباب.

لكن أنا قلت:

— أنا أمك يا ابني. افتحلك ولا إيه؟

رد بسرعة:

— افتحي يا أمي.

فتحت الباب.

أول ما شوفته…

اتصدمت.

كان شكله متغير.

دقنه طالعة.

وشه مرهق.

هدومه بسيطة.

وعينيه فيها خوف واضح.

دخل بسرعة وقفّل الباب وراه.

وبص لسلوى.

ثواني طويلة عدت من غير ما حد يتكلم.

بعدها قال:

— سلوى… أنا جيت عشان أصلح كل حاجة.

ضحكت سلوى وسط دموعها.

ضحكة موجوعة.

— تصلح إيه؟

قرب منها.

— أنا غلطت.

رجعت خطوة.

— غلطت؟

قال:

— أيوه.

صرخت:

— غبت شهور! سبتني أنا وولادك من غير مصاريف! خليتني أشتغل من الفجر عشان أجيب لهم الأكل! خليت أمك نفسها تعاملني كأني غريبة!

الكلمة الأخيرة خلتني أبص للأرض.

هو بص لي.

وبعدين رجع لها.

— أنا كنت مضطر.

المحامي اتكلم لأول مرة.

— مضطر تعمل إيه بالضبط؟

ابني اتوتر.

— حضرتك مين؟

— الأستاذ حسام.

أول ما سمع اسمه، وشه اتغير.

— سلوى جابت محامي؟

المحامي قال:

— جابت شخص يساعدها تعرف حقوقها.

ابني بص لها بغضب.

— إنتِ كنتِ بتخططي لكده؟

سلوى ردت:

— أنا كنت بحاول أحمي ولادي.

قال:

— أنا كنت هارجع.

— إمتى؟

سكت.

— لما العيال يكبروا؟

ما ردش.

قالت:

— ولا لما تخلص مشاكل الست اللي اتجوزتها؟

أنا انتفضت.

— سلوى!

بصت لي.

— أيوه يا حماتي. دي الحقيقة.

ابني قال بسرعة:

— أنا ما اتجوزتهاش عشان أسيبك.

قالت:

— أمال ليه؟

سكت.

المحامي فتح الملف.

— إحنا محتاجين إجابة واضحة.

ابني بص له بعصبية.

— إنت مالك؟

المحامي رد بهدوء:

— أنا ماليش مصلحة غير إني أوثق الكلام اللي بيتقال هنا.

ابني بدأ يتوتر.

— أنا مش هتكلم قدامك.

المحامي قفل الملف.

— براحتك.

وقام.

أنا افتكرت إنه هيمشي.

لكنه وقف عند الباب وقال:

— بس قبل ما أمشي، أحب أقول لك حاجة.

ابني بص له.

— إيه؟

قال:

— الورقة اللي في الملف دي موجودة عند أكتر من جهة.

ابني اتجمد.

المحامي كمل:

— يعني حتى لو حاولت تنكر، الحقيقة مش هتختفي.

ابني بص لسلوى.

— إنتِ وصلتي للورق ده إزاي؟

سلوى قالت:

— أنا ما عملتش حاجة.

المحامي قال:

— هي بس كانت بتدور على الحقيقة.

وبعدين خرج من البيت.

فضلنا إحنا التلاتة ساكتين.

ابني قعد على الكرسي.

حط إيده على رأسه.

وقال:

— أنا كنت عارف إن اليوم ده هييجي.

أنا قربت منه.

— قول لي الحقيقة.

رفع عينه لي.

— الحقيقة هتوجعك يا أمي.

قلت:

— أنا عايزة أعرف.

— حتى لو عرفتِ إن ابنك عمل حاجات غلط؟

سكت.

قلت:

— حتى لو.

اتنهد.

وبدأ يتكلم.

— الست اللي اتجوزتها…

سلوى قاطعته:

— اسمها ناهد.

هو بص لها.

— أيوه.

قالت:

— وأنا عارفة مين هي.

أنا بصيت لها.

— إنتِ تعرفيها؟

قالت:

— دي كانت قريبة من عيلتنا.

ابني قال:

— ناهد عرفتني على ناس قالوا إنهم يقدروا يساعدوني في شغلي.

قلت:

— وبعدين؟

— دخلت معاهم في شغل.

المحامي كان محذرني من قبل ما يتكلم إنه ممكن يكون فيه شيء أكبر.

فقلت:

— شغل إيه؟

سكت.

وبعدين قال:

— شغل خلاني أخسر فلوس كتير.

سلوى قالت:

— بس دي مش الحقيقة كلها.

بص لها.

— إنتِ عرفتي؟

— عرفت جزء.

قلت:

— جزء من إيه؟

قالت:

— ابنك ما هربش من البيت عشان ناهد.

ابني نزل عينه.

سلوى كملت:

— هرب لأنه كان خايف من ناس.

أنا حسيت برجفة في جسمي.

— ناس مين؟

ابني قال:

— أنا دخلت في ديون.

— قد إيه؟

سكت.

— اتكلم!

قال:

— مبلغ كبير.

سلوى قالت:

— والمشكلة إن الدين مش هو كل حاجة.

ابني ضرب إيده على الترابيزة.

— كفاية!

سلوى ما خافتش.

قالت:

— لأ. المرة دي مش هسكت.

وبصت لي.

— حماتك لازم تعرف.

أنا قلت:

— تعرف إيه؟

قالت:

— قبل ما ابنك يمشي من البيت بأسبوع…

سكتت.

— لقيت ورقة في هدومه.

ابني قام فجأة.

— سلوى!

لكنها كملت:

— الورقة كان فيها اسم شركة وعنوان وحساب بنكي.

أنا بصيت لابني.

— وإيه المشكلة؟

قالت:

— الشركة دي كانت بتستخدم اسم ابنك في معاملات هو نفسه ما كانش عارف حقيقتها.

ابني قال:

— أنا ما كنتش أعرف!

المحامي كان قال إن فيه مستندات.

أنا بدأت أفهم.

قلت:

— يعني حد استغل اسمك؟

قال:

— أيوه.

سلوى قالت:

— ولما عرف، حاول يخرج.

ابني هز رأسه.

— لكنهم هددوني.

— هددوك بإيه؟

قال:

— قالوا لي لو اتكلمت، هتندموا كلكم.

أنا قربت منه.

— مين “كلكم”؟

ما ردش.

سلوى قالت:

— أنا والعيال وإنتِ.

حسيت إني مش قادرة أتنفس.

كل الشهور اللي فاتت…

كل الظلم اللي ظلمته لسلوى…

كل مرة كنت أقول لها:

“ابني طفش منك.”

وهو في الحقيقة كان بيهرب من حاجة أكبر.

لكن رغم كده، كان فيه شيء لسه مش راكب.

قلت:

— طب ناهد؟

ابني سكت.

قلت:

— إنت اتجوزتها ليه؟

فضل ساكت وقت طويل.

وبعدين قال:

— لأن ناهد كانت تعرف الناس دول.

سلوى قالت:

— يعني اتجوزتها عشان تحمي نفسك؟

قال:

— كنت فاكر إنها هتساعدني.

— وساعدتك؟

سكت.

قلت:

— رد.

قال:

— لأ.

وبص لي.

— هي كانت جزء من المشكلة.

سلوى شهقت.

— كنت عارف؟

قال:

— عرفت بعد الجواز.

سلوى بصت له بحزن.

— وعشان كده هربت؟

هز رأسه.

— أيوه.

أنا قعدت.

حسيت إن رجلي مش شايلاني.

ابني قرب مني.

— أنا كنت عايز أرجع.

قلت:

— ليه ما رجعتش؟

قال:

— لأنهم كانوا بيراقبوني.

— ومين كان بيبعت لي مصاريف؟

سكت.

سلوى بصت له.

— مفيش.

قال:

— أنا كنت ببعت.

ضحكت بمرارة.

— إمتى؟

— عن طريق حد.

قالت:

— أنا ما شفتش جنيه.

هو اتوتر.

— أنا كنت ببعت.

قلت:

— لمين؟

سكت.

وهنا بدأت أشك إن فيه حد كان بيسرق الفلوس.

لكن مين؟

قبل ما أسأله، تليفونه رن.

بص للشاشة.

وشه اصفر.

قلت:

— مين؟

ما ردش.

الموبايل رن تاني.

ثم ثالث مرة.

أخيرًا فتح.

وسمعنا صوت ست من الناحية التانية.

صوت هادي جدًا.

لكن أول ما سمعتُه…

عرفته.

كنت سمعت الصوت ده قبل كده.

كتير.

ابني قال:

— أنا رجعت.

الصوت رد:

— عارفة.

سكت.

— إنتِ بتراقبيني؟

ضحكت الست.

— مش محتاجة أراقبك.

ابني قال:

— سيبيني في حالي.

قالت:

— إنت فاكر إنك تقدر تبدأ حياة جديدة؟

سكت.

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى