جوزى طفش امانى السيد ج٢

قال:
— افتكري الصندوق.
اتجمدت.
الصندوق.
الكلمة دي وحدها رجعتني سنين.
كان فيه صندوق خشب صغير.
جوزي كان حاطه في دولاب قديم.
بعد وفاته، أنا دورت فيه.
لكن الصندوق اختفى.
وقتها افتكرت إن أخوه أخده.
لكن أخوه كان مات بعدها بفترة.
محمود قال:
— أمي… إيه الصندوق؟
ما قدرتش أرد.
سلوى قربت مني.
— حماتي؟
أنا قعدت.
إيدي بدأت ترتعش.
— كان فيه ورق.
محمود قال:
— ورق إيه؟
— مش فاكرة.
صبري قال:
— إنتِ فاكرة.
غمضت عيني.
وفجأة افتكرت.
جوزي كان بيقول لي:
“لو حصل لي حاجة، ما تديش الورق ده لأي حد.”
قلت:
— يا نهار أبيض…
محمود قرب مني.
— إنتِ كنتِ عارفة؟
— ما كنتش فاهمة.
— كنتِ عارفة إن فيه ورق؟
— أيوه.
سلوى سألت:
— والورق فين؟
سكت.
وبعدين قلت:
— الصندوق اختفى.
صبري رد:
— الصندوق ما اختفاش.
كلنا بصينا للموبايل.
قال:
— الصندوق موجود.
محمود قال:
— عند مين؟
صبري سكت.
— عمي، عند مين؟
قال:
— عند الشخص اللي سرق حياتك من البداية.
محمود اتوتر.
— مين؟
صبري قال:
— هتعرف لما تيجي سلوى.
سلوى قالت:
— أنا هاجي.
محمود قال:
— لأ.
قالت:
— لازم أعرف.
المحامي تدخل:
— لو هتروحي، مش هتروحي لوحدك.
صبري قال:
— لا.
المحامي:
— أنا هكون معاها.
صبري:
— وجودك هيغير كل حاجة.
المحامي:
— يبقى حد تاني.
صبري:
— المهم سلوى تيجي.
ثم أعطاها عنوانًا.
سلوى كتبت العنوان.
وأول ما قرأته…
بصت لي.
وقالت:
— ده عنوان البيت القديم.
أنا حسيت بقشعريرة.
نفس البيت اللي كنا ساكنين فيه زمان.
نفس البيت اللي خرجنا منه بعد وفاة جوزي.
قلت:
— البيت ده مقفول من سنين.
صبري قال:
— لأ.
سلوى سألت:
— مين فيه؟
رد:
— روحي وهتعرفي.
وفجأة…
ناهد بدأت تضحك.
ضحكة غريبة.
كلنا بصينا للباب.
قالت:
— متروحوش.
محمود قال:
— ليه؟
قالت:
— لأنكم لو دخلتوا البيت ده…
سكتت.
ثم قالت:
— مش هتعرفوا تخرجوا منه بنفس الناس اللي دخلت.
المحامي قال:
— تهديد؟
ردت:
— لأ.
— تحذير.
محمود قرب من الباب.
— إنتِ عارفة إيه؟
قالت:
— أكتر مما تتخيل.
— طب قولي.
— مش هقول.
— ليه؟
— لأن لو قلت، هتكره أمك.
أنا حسيت إن الدم انسحب من وشي.
قلت:
— أنا؟
ناهد قالت:
— أيوه.
محمود بص لي.
— أمي؟
ناهد قالت:
— اسألها هي.
ثم سكتت.
المحامي قال:
— محدش يتحرك قبل ما نراجع الأوراق.
لكن سلوى كانت باصة لي.
نظرة مختلفة.
مش نظرة كراهية.
ولا خوف.
كانت نظرة واحدة اكتشفت إن حياتها كلها ممكن تكون مبنية على أسرار.
قالت:
— حماتي…
— نعم؟
— إنتِ كنتِ تعرفي أبو محمود كان خايف من مين؟
أنا ما قدرتش أرد.
قالت:
— كنتِ تعرفي ليه كان بيقفل باب الأوضة بالمفتاح؟
سكت.
— كنتِ تعرفي ليه كان بيخبي ورق في الصندوق؟
دموعي نزلت.
قلت:
— أنا ما كنتش أعرف إنه متعلق بكل اللي حصل.
قالت:
— طب كنتِ تعرفي إن أبو محمود قبل وفاته بيوم واحد قال لي جملة؟
رفعت عيني لها.
— قالك إيه؟
قالت:
— قال لي: “لو أنا اختفيت، خلي أم محمود تعرف إن ابني مش السبب.”
محمود اتجمد.
أنا حطيت إيدي على فمي.
— قال لك كده؟
— أيوه.
— وإنتِ ما قلتيليش؟
قالت:
— حاولت.
ثم ابتسمت بحزن.
— لكنك كنتِ دايمًا بتلوميني.
الجملة نزلت عليا كأنها صفعة.
افتكرت كل مرة ظلمتها فيها.
كل مرة كانت بتطلب مساعدة وأنا أقفل الباب.
كل مرة كانت واقفة بالمريلة وأنا آخذ الأكل منها من غير ما أدفع.
كل مرة كانت دموعها في عيني وأنا أقول لها:
“إنتِ السبب.”
أنا كنت غلطانة.
لكن الحقيقة كانت أكبر من غلطي.
المحامي جمع الأوراق.
وقال:
— إحنا لازم نتحرك بحذر.
محمود سأله:
— نعمل إيه؟
قال:
— أولًا نأمن سلوى والأولاد.
ثم بص لي.
— وحضرتك كمان.
أنا قلت:
— أنا؟
قال:
— أيوه.
ثم بص ناحية الباب.
— لأن الشخص اللي بيحرك كل ده عرف إن الملف ظهر.
وفجأة…
سمعنا صوت زجاج بيتكسر في المطبخ.
سلوى صرخت.
محمود جرى ناحية المطبخ.
المحامي وقف قدامنا.
أنا كنت مرعوبة.
وبعد ثواني رجع محمود.
كان ماسك ورقة صغيرة.
قال:
— كانت مربوطة بحجر واترمت من الشباك.
المحامي أخدها.
فتحها.
قرأها.
وبص لنا.
قلت:
— مكتوب إيه؟
ما ردش.
سلوى قالت:
— أستاذ حسام، قول.
رفع الورقة.
وقال:
— “لو عايزين تعرفوا مين اللي خانكم…”
ثم سكت.
محمود قال:
— كمل.
المحامي بص لي أنا.
وقال:
— “اسألوا أم محمود عن الليلة اللي أخفت فيها الصندوق.”
أنا حسيت إن رجلي ما عادتش شايلاني.
لأن الجملة دي ما كانش يعرفها غير شخص واحد.
شخص كنت متأكدة إنه مات من سنين.
وفي نفس اللحظة…
تليفوني أنا رن.
رقم مجهول.
بصيت للشاشة.
إيدي بدأت ترتعش.
رديت.
ما سمعتش غير نفس الصوت اللي كنت سامعاه على موبايل سلوى.
وقال:
— يا حاجة…
— لو سلوى راحت البيت القديم…
سكت ثواني.
ثم قال:
— هتلاقي الصندوق مستنيها.
قلت:
— إنت مين؟
ضحك.
وقال:
— إنتِ عارفة أنا مين.
ثم أضاف:
— والأهم…
— إن الصندوق مش جواه ورق.
سكت.
— جواه دليل على حاجة حصلت قدام عينيك…
ثم قال الجملة اللي خلتني أنهار:
— وإنتِ بنفسك كنتِ السبب إن الحقيقة فضلت مدفونة سبع سنين.




